تزوجها من اجل ج ٦

….

الصمت وحده ما كان يسود طريقهما لتتوقف أخيرًا السيّارة أمام الفندق الذي شَهِد على حفل زفافهما الراقي.

طالعها “صالح” بطرف عينه ثم زفر زفرة حارة وألقى نظرة سريعة نحو مدخل الفندق. أغلقت جفنيها بقوة بعدما طرقت ذكرى ليلة زفافها ذاكرتها. ذلك اليوم الذي كانت تطير فيه من السعادة رغم خجلها وقلقها من حياة جديدة ستعيشها بعيدًا عن جدها. قلبها كان يرفرف كلما داعبتها “سما” بالحديث أو إحدى صديقاتها عن وسامة عريسها ومهنته التي تمكنه أن يأخذها بجولة حول العالم. المداعبات كانت تُلقى من حولها فتزيدها خجلًا وحرجًا. وهي تركت لقلبها الحُلم في زيجة تمت سَريعًا دون أن تدع لعقلها فرصة التفكير في أمر التعجل لإتمام العُرس.

فتحت جفنيها بعدما ارتسمت اِبتسامة ساخرة على شفتيها …لقد كانت العروس المناسبة.

_”زينب”، لو عايزة نمشي وبعدين نعتذر ليهم ومتقلقيش أنا هقدر اقدم أي عذر مقبول وأشيل الحرج عنك.

اِلتفت جِهته بعد حديثه تنظر إليه وعلى محياها ابتسامة واسعة.

_ وليه محضرش فرح بنت عمي وأضيع مناسبة عائلية مهمه.

قالتها ثم ترجلت من السيّارة ووقفت تستنشق بعض الهواء.

تنهد “صالح” تنهيدة قوية ثم غادر السيّارة وقد ترك أمر اِصطفافها -بالمكان المخصص- لعامل الفندق.

استدارت “زينب” جهته وكادت أن تتحرك دونه لكن عندما رأت بعض المدعويين من أقاربها ابتسمت ومدّت يدها إليه.

لم يكن غافل عن السبب وراء دعوتها له لتتأبط ذراعه، اِقترب منها مقررًا أنه سيرسم ببراعة دور الزوج بصورة حقيقية وليس بتزيف مثلما فعل بالسابق.

دغدغها شعور تمنته كما تمنت الكثير في أحلامها لكنها وأدته سريعًا داخلها حتى لا تسمح لقلبها بالعودة إلى أوهامه.

تقدم بها “صالح” نحو قاعة مختلفة عن القاعة التي تم فيها زفافهم. اِنتقلت الأعين عليهما عندما دخلوا القاعة الواسعة، ابتسم “هشام” وأسرع بالترحيب بـ “صالح” بحفاوة.

_ “صالح الزيني” زوج “زينب” بنت أخويا.

مَدّ “عدنان الهتيمي” والد “مراد” يده نحو “صالح” قائلًا:

_ غنى عن التعريف طبعًا لأن أنا و “شاكر” باشا داخلين قريب مشروع سوا.

_ رجال المال في البلد بيتحدوا.

قالها “هشام” ثم قهقه بصوت مرتفع وكأنه ألقى مزحه، ابتسم “عدنان” وتجاهل حديثه ومَدّ يده نحو “زينب” مرحبًا.

_ العيلة كلها ما شاء الله مليانه بالجميلات.

توردت وجنتيّ “زينب” خجلًا لتجفل من فعلته عندما اِجتذبها من خصرها إليه.

_ الف مبروك مره تانية يا “عدنان” باشا.

ابتعد بها وقد اشتعلت نيران الغضب في أوردته من نظرات العجوز المتصابي لها.

_ أنت إزاي تجرني كده من قدامهم.

بصعوبة تمالك “صالح” شعور الضيق وسيطر على انفعالات وجهه وابتسم عندما تلاقت عيناه بعينين “نائل”.

_ هتعرفي بعدين، دلوقتي ابتسمي عشان جدك عينه علينا وزوجات أعمامك.

وكز “حاتم” بذراعه “قُصي” الذي لم تحيد عيناه عن “زينب” مُنذ لحظة دخولها القاعة وقال بمزاح.

_ إيه يا بني روحت فين؟

_ إزاي يومها قولت لجدي إني بشوف “زينب” أخت ليا.

رفع “حاتم” كلا حاجبيه بإستنكار لِما كان يظنه ابن عمه من مشاعر نحو “زينب”.

_ ما قولنا كده من الأول وأنت كنت مصمم إنك بتشوفها زي “أشرقت”، أهو فاز بيها واحد من بره العيلة بس بصراحة لايقين على بعض.

احتقنت ملامح “قُصي”؛ فهل كان ينقصه حديثه الآن.

_ أنت بتبصلي كده ليه، والله البت “زوزو” بنت حلال كويس إنها خرجت من العيلة اللي عندها النفخة الكدابه.

أنذرته نظرة “قُصي” له بالشر؛ فأسرع بالإبتعاد عنه قائلًا:

_ أما اروح اسلم على “زوزو” وسيادة الطيار سابقًا.

جلست “زينب” قُرب جدها وتساءَلت وهي تبحث بعينيها عن “سما”.

_ هي فين “سما”؟.

هَز “نائل” رأسه وهو ينظر حوله.

_ مش عارف البنت دي اختفت فين.

انتبهت “زينب” على رابطة العنق التي يرتديها جدها وقالت بعدما وضعت يدها على شفتيها.

_ جدو أنت لبست الكرافته شبه الفستان بتاعي، عشان كده كنت بتسألني عن لون الفستان؟.

ابتسم “نائل” وحرك رابطة العنق التي اِنتبهت عليها حفيدته أخيرًا.

_ لبست في الأول كرافته شبه فستان “أشرقت” عشان كانت جيبالي واحدة ومصممه ألبسها واول ما سلمتها لعريسها قولت كويس “زوزو” اتأخرت وخليت “سما” تربطلي الكرافته التانية.

عند نهاية الحديث الذي أخبرها به جدها أتت “سما” بفستانها الذي زادها جمالاً وتناسب مع قوامها.

_ أكيد بتحكيلها عن الكرافته يا سيادة اللوا، الكل ليه نصيب من الدلع إلا أنا.

ارتفعت ضَحكات الجد و الجالسين معهم على نفس الطاولة وقد عاد “صالح” إلى الطاولة بعدما نهض ليصافح أحد الأشخاص.

_ تعالا يا كابتن شوف قصة العشق الممنوع اللي كنت فكراها هتنتهي لما تتجوز “زوزو”.

أشارت “سما” نحو رابطة عنق جدها وفستان “زينب” وواصلت كلامها.

_ شايف منسقين إزاي مع بعض.

ارتكزت عينين “صالح” على “زينب” التي أسرعت بتقبيل خد جدها ثم اِحتضنته؛ فأردفت “سما” حانقة.

_ لو سمحت خد مراتك من حضن جدو.

خفق قلب “صالح” وتشتت عقله وهو يراها تُعانق جدها وتقبل خده حتى تزيد من حنق “سما”.

_” سما” اقفي عدل وبلاش هزار إحنا مش في تجمع عائلي.

قالتها “يسرا” والدة “سما” بضيق من أفعال ابنتها لتتساءَل “لبنى” التي أتت.

_ مالكم في إيه؟

أخبرتها “يسرا” سبب منكافتهم وهي حانقة لتنظر “لبنى” نحو “صالح” الذي لم يكن يرتدي رابطة عنق وتساءَلت:

_ مش كنت حليت لينا المشكله دي يا كابتن ولبست الكرافته بدل ما تعبنا سيادة اللواء.

تجهمت ملامح “نائل” من كلام زوجة ابنه لكنه لم يُعلق وانتظر أن يسمع رد “صالح” الذي وقف هائمًا في “زينب”.

_”صالح” مبيحبش لبس الكرافتات يا طنط “لبنى” وبيكون مُجبر يلبسها في الشغل لكن طول ما هو مش مضطر مش بيلبسها.

التمعت عينين “نائل” بسعادة عندما أدهشته “زينب” بردها لينظر إليها “صالح” مدهوشًا هو الأخر من ردها.

_ ما دام في العيلة مطلوب إني ألبس كرافته لون الفستان أنا معنديش مشكله بعد كده المهم “زينب” تكون مبسوطة.

تعلقت عينين “نائل” وأخذ يهز رأسه وقد أعجبه الكلام ورؤية زوجات أبنائه محتقنات الأوجه.

_ بس اعمل إيه في حفيدتك يا سيادة اللوا أصلاً فجأتني بشكل الفستان النهاردة وبصراحة كنت معترض تخرج بيه لأنه جاذب العيون ليها وعايز أخبيها.

استمر “نائل” بتحريك رأسه والإبتسامة تعلو ثغره؛ فهتفت “سما” بمرح وهي تميل نحو جدها لتداعبه بمشاكستها اللطيفة.

_ بس سيادة اللوا طلع أشطر منك يا كابتن وعرف لون الفستان وجاب الكرافته يعني هو الرابح النهاردة.

ابتسم “صالح” وحدق بتلك التي صَارت تخطف دقات قلبه.

_ المرادي سيادة اللوا هو الرابح المره اللي جايه هكون أنا يا “سما”.

زفرت “لبنى” أنفاسها بسأم وانسحبت من بينهم قائلة:

_ هروح اشوف الضيوف.

أتبعتها “يسرا” قائلة:

_ استني يا “لبنى” أنا جاية معاكِ.

هَربت “زينب” بعينيها بعيدًا عن “صالح” بعد حديثه ليحاول الجد النهوض من المقعد قائلًا:

_ عشان أكون أنا الفايز بهدف أعلى هنقوم نرقص يا “زوزو”.

وقبل أن تتذمر” سما” أشار لها” نائل” أن تقترب منه حتى يخبرها بشئ.

_ خليكي أنتِ بعدها وهرقص معاكي دقيقتين زيادة.

ابتعدت “سما” عنه وضحكت وهي تشير لهما بالتحرك.

_ ده من كرمك يا سيادة اللواء.
….

خرج “هارون” من غرفته بوجه متعب ينظر إلى ما فعلته “سمية” بصدمة؛ فقد استيقظ على صوت صراخها.

_ مالك يا “سمية”؟.

رفعت عيناها إليه بعدما سال كُحل عينيها الأسود على خديها.

_ مفيش يا “هارون”، أنت إيه اللي قومك من على السرير.

اقترب منها “هارون” ومَدّ يده لها حتى تنهض وتبتعد عن الزجاج المتناثر حولها.

_ قومي يا “سمية”، الإزاز حواليكي وممكن تتعوري.

أطاعته في صمت وتحركت معه إلى خارج الغرفة التي صَارت محطمة. نظر إليها بعدما ارتشفت من كأس الماء الذي قدمته لها الخادمة.

_ احسن دلوقتي؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *