تزوجها من اجل ج ٦
_ أنا مذاكره كويس.
_ بكره نشوف، قال دكتورة “شهد” قال.
ضـ,ـربت “شهد” الأرض بقدميها مستاءة من تهكم خالها.
فتنهد “عزيز” بقلة حيلة منهم وقد بدأت مناكفتهم المعتادة.
_ تعالي يا حبيبة عمك لحضني عشان اباركلك وسيبك منهم.
ترقرقت الدموع بعينين عمها، فتدفقت الدموع من مقلتيها وهي تراه يفتح لها ذراعيه. اندفعت “ليلى” إلى حضنه دون تردد…
لم تمر الدقائق التي سادتها أجواء لا تناسب مناسبتهم السعيدة وقد ارتفع صوت العم “سعيد” مستنكرًا حالهم.
_ بدل ما نفرح البنت بنعيط ،صحيح عمك نكدي ومرات عم نكدية.
تحرك “سعيد” من أمامهم متجهًا إلى غرفته بعدما تركهم في ذهولهم من نعته لهم بأنهم لا يحبون الفرح وسُرعان ما كان يُفاجئهم بعودته وهو يحمل المسجل القديم خاصته.
_ خلونا نفرح شوية.
لم يستوعبوا ما يطلبه منهم إلا بعدما أشعل المسجل وبدأ يرقص بسعادة ويدندن مع لحن الأغنية النوبية، شاركه “عزيز” الرقص ولم تنتظر “عايدة” طويلًا ووقفت بينهم لتُشاركهم رقصتهم.
ارتفعت أصوات الغناء والضَحِكات هذه الليلة في مسكن العم “سعيد” وقد وصلت أصواتهم إلى “عزيز” الجالس في غرفة مكتبه.
…
وقف “سيف” بشرفة غرفته حتى يستطيع إستنشاق بعض الهواء وقد جفاه النوم. لم تمضي دقيقة على وقوفه بالشرفة وقد ضاقت حدقتاه وهو يلمح شقيقته تسير بالحديقة ثم اتجهت نحو أحد المقاعد وجلست عليها.
قبض على سياج الشرفة وهو يُطالعها ليزفر أنفاسه بقوة بعدما شعر أن جلوسها بهذا الوقت ما هو إلا بسبب تلك الفتاة التي أقحمها عمهم بحياتهم فجأة.
زفرت أنفاسها ثم وضعت وجهها بين كفيها بعدما هدأت أفكارها وتخلصت من وسواسها.
اقترب “سيف” منها ثم سحب المقعد الذي يجاورها وجلس عليه. استمر كلاهما بالصمت إلى أن قال متسائلًا بعدما أخذ نفسًا عميقًا.
_ سهرانه لحد دلوقتي ليه مع إنك من بدري قولتي داخله اوضتك عشان تنامي.
أغمضت “نيرة” جفنيها للحظة ثم فتحتهما وقالت وهي ترفع رأسها وتتجه بأنظارها نحوه.
_ عادي يا “سيف” معرفتش أنام قولت انزل الجنينة أتمشى شوية.
_ على فكرة يا “نيرة” أنتِ توأمي وبحس بيكِ فبلاش كذب.
حدجته ثم أشاحت بوجهها هاربة من نظراته إليها.
_ وهكذب عليك ليه يا “سيف”، أنا فعلاً حاولت أنام ومعرفتش.
باغتها برده وهو حانق مما يحدث ولكنه قرر إتخاذ دور المتفرج.
_ مش عارفه تنامي عشان مصدومة من كل اللي بيحصل؟
أرادت مقاطعته لكنه واصل حديثه بغضب.
_ نفسي افهم البنت دي عملت في عمك إيه، معقول “عزيز الزهار” بعد ده كله يتجوز واحدة عاشت في بيت ناس متبنينها وعمها السواق بتاعه.
_ “سيف” بلاش كلامك ده، عمو فرحان وسعيد وإحنا اتكلمنا سوا وقولنا ده قراره وهو حر.
هز “سيف” رأسه بيأس؛ فهو حتى هذه اللحظة لا يستوعب ما يفعله عمه.
_ مش قادر ولا عارف اتقبل الموضوع يا “نيرة”.
تنهدت “نيرة” بقوة حتى تطرد تلك المشاعر المضطربة التي تسيطر عليها.
_ “ليلى” مش وحشة يا “سيف”، وما دام عمو اختارها وحبها يبقى هي فعلاً تستاهل حبه.
اندفع “سيف” صائحًا وقد أوقد حديث “نيرة” حقده..
_ أوعي تخدعك الصورة الملائكية اللي هي رسماها علينا، البنت دي جات وعاشت وسطنا وهي حاطة هدفها عمك.
استدارت “نيرة” حولها قلقًا ثم أسرعت بإلتقاط يده قائلة برجاء.
_ صوتك يا “سيف”، أرجوك بلاش نكون سبب تعاسته… عمو عمل عشانا كتير.
تعلقت عينين “نيرة” به بنظرة راجية، فتنهد بقوة ثم استقر بمقعده مرة أخرى.
_ وهو ده سبب تقبلي ليها… عشان عارف إنه عمل كتير عشانا.
انفرجت شفتيّ “نيرة” بابتسامة صغيرة وربتت على ذراعه.
_ هنتقبل مع الوقت فكرة جوازه صدقني و “ليلى” طيبة.
حرك “سيف” رأسه بابتسامة هازئة؛ فهو لا يراها سوى فتاة مخادعة.
….
توقف “عزيز” عن تمرير المنشفة على خُصلات شعره الرطبة واقترب من مكان هاتفه بعدما ارتفع صوت رنينه.
ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيه عندما تفاجئ باِسمها يزين شاشة هاتفه.
أسرع بتجفيف شعره وكاد أن يلتقط هاتفه لكن الرنين توقف.
وضعت “ليلى” هاتفها جانبها بحرج وأغمضت عيناها لتغفو مُقررة تأجيل محادثتها معه للغد. اهتزاز هاتفها جعلها تفتح عيناها وتلتف نحو “شهد” التي كانت غافية في سبات عميق.
آتاها صوته على الفور عندما ردت عليه.
_ مكنتش مصدق نفسي وأنا شايفك متصله، معقول وحشتك.
تنحنحت بحرج؛ فابتسم “عزيز” قائلًا بمداعبة.
_ ربنا يفك عقدة لسانك يا بنت “محمود”.
ارتبكت وأخذت تُحرك أصابعها على شرشف الفراش إلى أن خرج صوتها أخيرًا.
_ هو أنا صحيتك من النوم؟
تسطح “عزيز” على فراشه ثم رفع يده يحركها على خُصلات شعره.
_ لأ منمتش كنت باخد حمام واول ما سمعت صوت التليفون قولت لنفسي معقول يا “عزيز” تكون “ليلى” وقلبي طلع إحساسه صح.
ارتفعت نبضات قلبها؛ فأسرعت بوضع يدها على موضعه لعلّ خفقانه يهدء.
_ هو قلبك بقى بيحس بيا؟
انفلت الكلام من شفتيها دون إراده منها ثم وضعت رأسها على الوسادة لتسمع صوت تنهيداته.
_ قلبي مبقاش يفكر غير فيكِ يا “ليلى” ، أنتِ جيتي عشان تخطفيه ويكون ليكِ لوحدك.
أغلقت جفنيها بقوة ثم فتحتهما.
_ إنتَ كنت حلم بالنسبالي.
اخترق حديثها أذنيه وتحرك بجسده على الفراش حتى استقر على جانبه الأيمن.
_ ليه حرماني من الكلام الحلو ده يا “ليلى”، عارفه أنا حاسس بإيه دلوقتي.
توقف عن الكلام حتى يستطيع إلتقاط أنفاسه الهادرة؛ فتساءَلت بهمس خافت.
_ حاسس بإيه.
بصوت رخيم قَال بعدما عاد لوضيعة نومه الأولى وصارت عيناه تُحدق بسقف الغرفة.
_ حاسس إني شبعان من الدنيا…
ثم أردف بصوت متهدج.
_ وحاسس بحاجات مقدرش اقولها ليكِ غير وأنتِ مراتي يا “ليلى”.
ارتبكت وتخضبت وجنتاها بحُمرة الخجل ليتساءَل حتى يستطيع إنتشالها وإنتشال حاله من ذلك الشعور الذي سيقوده إلى الهلاك.
_ اتصالك بيا في الوقت ده أكيد مش عشان تسمعي صوتي.
نبرة صوته خرجت بدُعابة لترمش بأهدابها عدة مرات قبل أن تتذكر سبب اِتصالها.
_ أنا مش معايا مفتاح الشقة، وعايزة اروح أشوف العفش وارتبه.
ابتسم “عزيز” عندما أخبرته بما استنتجه من وراء مكالمتها له.
_ طيب ممكن تسيبي موضوع فرش الشقة عليا وبعد ما اخلص فرشها هسلمك المفتاح.
الحيره اِحتلت ملامحها، فهي لا تفهم سبب إقصائه لها في أمر تجهيز الشقة.
_ “ليلى” ركزي ارجوكِ في تجهيز الڤيلا وشوفي أنتِ محتاجه تغيري إيه وسيبي الشقة عليا و لو معجبكيش ذوقي نبقى نغير كل حاجة سوا بعدين.
كادت أن تسأله لِما لا يترك أمر شقتها لها ويتولى هو أمر تجهيز الڤيلا حتى لا يزيد كره أولاد شقيقه لها لكنه واصل كلامه بدهاء استطاع فيه اِجتذاب فكرها وإشغاله بما يُريد.
_ عزمتي مدام “صفية” والناس اللي أنتِ عايزاهم يكونوا موجودين، ولو في حد مكانه خارج القاهرة ومش عارف يجي متقلقيش أنا متكفل إني ابعت ليهم عربية مخصوص.
بصدمة خرج صوتها بعدما تذكرت أمر الخالة “صفية”.
_ أنا إزاي نسيت اكلم أبلة “صفية”.
التمعت عينين “عزيز” ببريق عابث وارتسم المكر على شفتيه.
_ لازم تنسي يا “ليلى”، ما أنتِ شاغله عقلك بس إزاي تعطلي في أمر الخطوبة وكل شوية نطلع بحِجة شكل.
ردت بدفاع وقد عاد شعور التخبط والقلق يحتل قلبها.
_ أنا كنت بأجل عشان الشقة.
تنهد “عزيز” بقوة لتواصل كلامها.
_ أنت برضو لسا مصمم نكتب كتب الكتاب مع الخطوبة؟
احتارت من صمته وقد وصلها صوت أنفاسه الذي صَار مُرتفعًا بعد كلامها وسُرعان ما كان يخرج صوته بنبرة رخيمة وبطيئة.
_ خلاص نخلي الموضوع كتب كتاب وفرح على طول، أنا شايف إن المماطلة ملهاش داعي اهو حتى أعرف أفك عُقدة لسانك.
تدفقت الدماء إلى وجهها من شدة الحرج لتهتف قائلة قبل أن تنهي المكالمة.
_ تصبح على خير يا “عزيز” بيه.
هذه المرة كانت تقصد عدم تجريد اسمه؛ فابتسم وهو يحك فروة رأسه ثم تنهد بوعيد.
_ ماشي يا “ليلى”، كلها يومين ونشوف موضوع “عزيز” بيه.
حاول “عزيز” النوم بعد مكالمتهما التي أنعشت فؤاده لكن النُعاس غادر جفنيه، نهض من فوق الفِراش واِتجه نحو الشُرفة وهو يطلق أنفاسه براحة.
زوى ما بين عينيه في حيره وهو يحدق بالنظر نحو أولاد شقيقه الجالسين فى الحديقة بهذا الوقت المتأخر.
ظلت عيناه مثبته عليهما بجَبين مقطب إلى أن انشق ثغره بإبتسامة صغيرة عندما رآهم يتمازحون.