حماتي قالتلي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
حماتي قالتلي إني بقيت بلا فايدة ولا لازمة لمجرد إن الحمل مخليني مش قادرة أنضف البيت زي الأول. ولما رديت عليها، جوزي زقني بكل قوته على التلاجة وضربني بالقلم على وشي وأنا في الشهر السابع. وقاللي بتهديد: «إياكي تتكلمي مع أمي بالأسلوب ده تاني!».. قضيت الليلة دي بضلوع متكسرة وورم وألم رهيب في ضهري. ولما رجعت البيت في الهدوء تاني يوم الصبح، حماتي ابتسمت بانتصار.. ماكنتش تعرف إن في عربيتين رسميتين كانوا خلاص في طريقهم للبيت.
القلم لف وشي ناحية التلاجة قبل ما أستوعب أصلاً إن حسام ساب كتفي. وأنا في الشهر السابع من الحمل، ماكنتش خايفة من الوجع بقدر ما كنت خايفة من السكوت المفاجئ اللي حسيت بيه جوة بطني.
حماتي، الحاجة صفاء، كانت واقفة جنب الحوض وماسكة فوطة مسح في إيدها، والشماتة مالية وشها. طول بعد الظهر كانت ماشية ورايا من أوضة لأوضة، تشاور على بصمات الإيدين، والعفرة، وسلة الغسيل اللي مابقتش أقدر أشيلها بأمان. قالتلي بصوت مليان لؤم: «الحمل ما خلكيش خايبة يا ندى.. الحمل بس أدالك حجة عشان تطلعي كسلك وخيبتك على أصلهم.»
رديت عليها ووضحت لها إن دكتورة النسا محذراني من الشيل والحط والتوطية عشان بدأ يجيلي انقباضات وولادة مبكرة. حسام دخل من باب المطبخ في نفس اللحظة اللي كنت بقولها فيها: «لو البيت مش عاجب نضافته يا طنط صفاء، اتفضلي نضفيه بنفسك.»
ما لحقتش أطلع النفس، لقيت حسام بيزقني لورا بكل قوته ورزعني في التلاجة. الماجنتس ولعب التلاجة اتطوّرت على البلاط. كف إيده نزل على بؤي، وجع رهيب ضرب في ضلوعي أول ما دراعه زنقني وحبس نفسي.
«إياكي تتعدي حدودك أو تردي على أمي تاني!».. ده اللي قاله وهو بيبصلي بتهديد.
صفاء ابتسمت وقالت له: «سيبها.. خليها تعتذر دلوقتي.»
وطيت عيني للأرض، مش استسلام، لكن عشان ألحق أضغط على زرار الطوارئ في ساعتي الذكية. كاميرا المطبخ المخفية كانت بتسجل كل حاجة. كنت مركباها من أسبوعين لما حسام كسر طبق فاكهة كبير جنب دماغي، وراح بعدها للاستشاري الأسري يقنعه إني بتهيأ وبتبلى عليه وبأتخيل عصبيته.
وقبلها بأسبوع، كنت خلاص سحبت نسخ إلكترونية من عقد الشقة، وحسابات البنك، وأوراق التأمين ورفعتها على حساب مشفر.
«أنا آسفة..» هَمست بيها وأنا بشتري وقت لحد ما حسيت بالساعة بتهتز في إيدي، علامة إن تسجيل الفيديو اتنقل خلاص لحساب محدش فيهم يعرف عنه حاجة.
ليلتها، استنيت لحد ما ناموا، أخدت بطاقتي وشنطة الهدوم الصغيرة بتاعة المستشفى، وطلعت على مستشفى دار الفؤاد. جهاز نبض الجنين لقط دقات قلب بنتنا في اللحظة، قوية وسريعة وكأنها بتمسك في الحياة. بكيت بحرقة لدرجة إن الممرضة مسكت إيدي وقعدت تهديني. الدكاترة اتجنبوا الأشعة، بس التقرير الطبي وثق كل حاجة: كدمات شديدة في الضلوع، ورم في الشفايف، ألم حاد في الضهر، وانقباضات رحمية ناتجة عن الصدمة والاعتداء.
لما الأخصائية الاجتماعية في المستشفى سألتني لو عندي مكان آمن أروح فيه، طلعت الموبايل ووريتها الفيديو. خلال ساعة واحدة، كان ظابط المباحث بياخد أقوالي ومعاه الفيديو، غير ثلاث صور قديمة ورسايل صوتية حسام كان باعتها ونسي يمسحها. والمحامية بتاعتي، الأستاذة ماجدة، قدمت بلاغ عاجل وطلب للنيابة بصدور أمر حماية وتعهد بعدم التعرض قبل ما الفجر يطلع.
رجعت البيت الساعة تمانية الصبح لأن الظابط كان محتاج حسام يكون متواجد في البيت، ولأن ماجدة المحامية اكتشفت حقيقة واحدة إضافية قلبت الموازين كلها. صفاء فتحت الباب، شافتني واقفة بالهدوء ده ومعايا شنطتي، وابتسمت بانتصار وكأن الخوف والطاعة سكنوا عظامي خلاص.
ورايا، بعيد عن عينها وقبل اللفة بتاعة الشارع، كانت في عربيتين رسميتين بيلفوا يدخلوا الشارع بتاعنا…الحاجة صفاء أوسعتلي السكة بحركة كلها كبر وتنكة: «كنت عارفة إنك هتعقلي وترجعي لوعيك.»
دخلت المطبخ.. كان حسام قاعد على الرخامة بيشرب قهوته، ولابس القميص الكحلي اللي بيلبسه في الاجتماعات المهمة في الشغل. دوبك بص بصه سريعة على شفتي المورمة.
قاللي بكل برود: «قولي لأمي إنك متأسفة.»
تليفوني كان بيسجل جوة جيب الجاكيت. قلت له: «أنا طلعت على المستشفى بالليل.»
فنجان القهوة وقف في الهوا قبل ما يوصل لبؤه. الحاجة صفاء لحقت نفسها بسرعة وقالت: «مستشفى إيه؟ عشان خناقة عابرة؟»
رديت بثبات: «عشان الضلوع اللي حسام كسرها والانقباضات اللي تسبب فيها.»
حسام قام بسرعة وقرب مني: «أنتي قلتي لهم إني ضربتك؟»
«الكاميرا هي اللي قالت لهم.»
وشه اتغير في ثانية.. بص ناحية العدسة السودا الصغيرة اللي فوق دولاب الخزين، وبعدها بص لأمه. صفاء سحبت كرسي وجريت تحاول تطولها وتفكها، بس أنا قلت لها: «الفيديو اتنقل خلاص على السيرفر، المجهود ملوش لازمة.»
حسام هجم على شنطتي الصغيره ومسكها قلبها في الأرض. فيتامينات الحمل، فرشة السنان، ونسخ من التقرير الطبي اتطوحوا على بلاط المطبخ. زعق فيا: «هتمسكي تليفونك حالاً وتكلمي اللي كلمتيهم وتصلحي المصيبة دي!»
قلت له بكل هدوء: «لأ.»
مسك إيدي بجنون.. وقفت مكاني وثبتت بالرغم من إن كل خلية في جسمي كانت ب scream إنها تبعد. من شباك الصالة، المحت نور الشمس وهو بيعكس على زجاج عربية شرطة ملاكي نزل منها رجال المباحث وقفت قدام البيت.
صفاء لمحته هي كمان، وشها اصفر وقالت: «أنتي عملتي إيه يا مقصوفة الرقبة؟»
بصيت حوليا للبيت.. المطبخ الأرو الفاتح اللي اخترته مع خالتي الله يرحمها، أبواب الجنينة اللي كانت بتحبها، الشقة اللي كتبتهالي ملك خالص قبل ما أعرف حسام بتلت سنين. كان طول الوقت بيقول عليها “شقتنا”، وصفاء بدأت تتعامل مع المكان إنه بيتها من بعد ما جائت تقعد في أوضة الضيوف “أسبوعين” من ست شهور وما مشيتش.
قلت له: «أنا أخيرًا قريت ورق التنازل والتأجير اللي ضغطت عليا عشان أوقعه.. والأستاذة ماجدة المحامية قريته هي كمان.»
حسام ضغط على إيدي أكتر.. الورق ده ما نقلش الملكية زي ما هو وأمه كانوا فاكرين وفاهمين. كانت محاولة غبية منهم عشان يعملوا عقد إيجار صورى ويحطوا إيدهم على ملكي الشخصي. حتى ورقة الإمضاء كانوا مغيرينها بعد ما مضيت على ورقة مصاريف البيت العادية. بس المحامية ماجدة كان معاها النسختين لأن أنا كنت باعتالها النسخة الأصلية على الإميل في نفس اليوم.
ماجدة كانت شرحتلي الخطة كلها في جراج المستشفى.. قالتلي أدخل الشقة بعد ما أبعت مسج للظابط طارق، وأسيب باب الشقة مفتوح وارب موارب، وأفضل واقفة جنب الخروج. القوة هتوصل في ثواني وتستنى بس يسمعوا رد فعل حسام وشتمته، وتتدخل فورًا. رجوعي في الهدوء ما كانش استسلام.. كان تسليم واستلام منظم.
العربية التانية، عربية نجدة بوكس، وقفت ورا عربية المباحث.
صفاء شدت صور التقارير الطبية من الأرض وقطعتها نصين بجلل: «أهو! أديني قطعتهم.. وريني هتعملي إيه بقى من غير ورق!»
ولأول مرة من فترة طويلة، ابتسمت: «دي نسخ يا طنط.. الأصول في النيابة.»
حسام زقني بغل.. وسطي خبط في رخامة المطبخ، بس مسكت فيها وثبت جسمي بالعافية. رفع إيده تاني عشان يضربني، بكل جنون وعدم فارقة، في نفس اللحظة اللي باب الشقة اتفتح فيها وراه.
صوت راجل جه من الصالة بصوت جهوري هز المكان: «حسام الألفي!.. حط إيدك فوق دماغك واثبت مكانك!»حسام جمَد إيده في الهوا، الصدمة مشلّعة وشه. الصوت الجهوري اللي طلع من الصالة ما كانش صوت عابر، ده كان صوت المقدم طارق رئيس المباحث، وجنبه أمين شرطة واثنين من العساكر دخلوا المطبخ في ثواني معدودة.
حسام اتلفت ببطء وشه أصفر زي الليمونة، إيده اللي كانت مفرودة عشان يضربني نزلت جنب جنبه بقلة حيلة. المقدم طارق بصلها، وبعدين بص للورق المتقطع على الأرض، وشفتايا المورمة، ولمح رجلي اللي كانت بتترعش بالعافية عشان أصلب طولي.
«إيه اللي بيحصل هنا؟» الحاجة صفاء صرخت بصوت مخنوق ومفزوع، ونزلت من فوق الكرسي وهي بتمسك في دراع حسام: «أنتوا دخلتم بيتنا إزاي؟! البت دي افترا، دي بتتبلى على ابني! ده بيتنا وهي اللي طالعة بلسانها علينا!»
المقدم طارق مشي خطوتين بثبات، وبص لصفاء بنظرة حادة جمدتها مكانها، وبعدين بَص لحسام وقاله ببرود: «حسام إبراهيم الألفي؟ صدر ضدك أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بناءً على البلاغ المقيد برقم طوارئ وحماية الأسر، بتهمة الاعتداء الجسدي والضرب والمباشرة في إيذاء حبة وحامل في الشهر السابع، مع تعريض حياة جنين للخطر.»
«يا باشا افهم بس!» حسام بدأ يتلعثم وصوته يتهز، الوش الجسور المرعب اللي كان عامله عليا اختفى في ثانية: «دي خناقة زوجية عادية.. هي اللي استفزت أمي وردت عليها بأسلوب مش كويس، وأنا بس مسكتها من دراعها عشان أهديها!»
المقدم طارق ابتسم ابتسامة خفيفة مليانة تهكم، وطلع موبايله من جيبه: «تهديها؟ تقرير مستشفى دار الفؤاد اللي قدام النيابة من الفجر فيه كدمات بالضلوع وورم بالوجه وانقباضات رحمية مبكرة.. غير الفيديو الصوت والصورة اللي متسجل من كاميرا المطبخ دي»، وشاور بإصبعة على الكاميرا المخفية اللي فوق الدولاب.
صفاء شهقت وحطت إيدها على بؤها، عينها راحت للكاميرا وبعدين راحتلي وبصتلي بكره وغضب مش طبيعي: «يا خائنة يا بائعة الشرف! بتصوري جوزك في بيته؟ بتفضحينا عشان شوية دلع حمل؟!»
في اللحظة دي، دخلت الأستاذة ماجدة المحامية من باب الشقة المفتوح، لابسة بدلتها الرسمية وجزمتها بتعمل صوت مع كل خطوة على البلاط. أول ما دخلت شافت الموقف، طلعت ملف أسود من شنطتها وقالت بثبات: «سيادة المقدم، أرجو إثبات محاولة المتهم الاعتداء على الموكنة ندى للمرة الثانية فور دخولكم، وإثبات قيام والدته بإتلاف أدلة ومستندات طازجة وهي التقارير الطبية. وأنا كمان بطلب إثبات واقعة التزوير واستيلاء بالباطل على ملكية العقار.»
حسام عينه وسعت برعب: «تزوير إيه؟! الشقة دي بيتي!»
الأستاذة ماجدة فتحت الملف وطلعت أصل عقد الشقة المسجل في الشهر العقاري باسمي من قبل جوازنا بثلاث سنين، وطلعت جنبه ورقة “عقد الإيجار المزيف” اللي هما حاولوا يبدلوه. «الشقة دي ملك خالص للمدام ندى، والورق اللي حضرتك خليتها تمضي عليه بطريقة الاحتيال مثبت بالدليل الإلكتروني إنه تم التلاعب بيه، والرسائل الصوتية اللي باعتها على الواتساب بتهددها فيها إنك هترميهالها بالشارع لو ما تنازلتش عن الشقة، كلها بقت في ملف النيابة خلاص.»
حسام بص لأمه بصة جنونية، وكأنه بدأ يفوق على حجم المصيبة اللي لبس فيها: «أنتي مش قلتيلي الورق ده هيضمن حقنا؟ مش قلتيلي إنها مش هتسترجي تتكلم؟»
صفاء اتوترت وبدأت تتراجع لورا وهي بتأتأة: «أنا.. أنا كنت بحافظ على حقك يا ابني! الشقة دي كبيرة عليها، وهي كده كده مش حابة وجودي..»
«هتتكلموا في النيابة»، المقدم طارق شاور للعساكر: «هاتوه.»
العسكري قرب من حسام وكلبش إيده لورا. الصوت بتاع الحديد وهو بيقفل على إيده كان زي النغمة اللي ريحت قلبي بعد شهور من الخوف. حسام بدأ يتلفت حواليه زي المجنون: «ندى! ندى ارجعي لعقلك! أنا جوزك وده ابننا اللي في بطنك! هترضى لي السجن عشان خناقة؟ كبرتي الموضوع ليه؟ اتكلمي قولي حاجة!»
أنا ما تحركتش من مكاني، بصيت في عينه بجمود تام، ولأول مرة من ست شهور حسيت إن نفسي بيطلع ويدخل بكرامة وبدون خوف. رديت عليه بصوت واطي بس كل اللي في المطبخ سمعوه: «أنا ما كبرتش الموضوع يا حسام.. أنت اللي استصغرتني، واستضعفتني وأنا شايلة بنتك في بطني. أهانتك وأمك ليا انتهت من اللحظة اللي مدّيت إيدك فيها عليا.»
العساكر سحبوه لبرا وهو بيصرخ وبيحاول يقاوم، وصوته مالك الشارع وهو بيتوسل ويهدد في نفس الوقت. أما الحاجة صفاء، فالمقدم طارق بصلي وقالي: «المدام تقدر تقدم بلاغ منع تعرض فوراً ضد والدته، وإذا رفضت تخلّي المكان حالاً، المباحث هتنقلها بقوة القانون لأن المكان ملكك الشخصي ولا يحق لها التواجد فيه.»
صفاء جثيت على حيلها، الشماتة والتنكة اللي كانوا على وشها من ساعتين اتمسحوا تماماً وحل محلهم الخوف والانكسار. بدأت تبصلي برجاء: «يا ندى يا بنتي.. استهدي بالله، أنا زي أمك، هترضي يعني إبن أختك يدخل التخشيبة وأنا أترمى في الشارع في السن ده؟»
قربت منها خطوتين، وبصيت لسلة الغسيل اللي كانت بتجبرني أشيلها وأنا بين الحيا والموت، وقيلت لها بكل هدوء: «أمي ما كانتش بتفرح في وجعي يا طنط صفاء.. وأنا مش هرميكي في الشارع، أنا هديكي بالضبط نص ساعة تلمي فيها هدومك وكركبتك كلها وتطلعي من بيتي.. لأن لو الساعة تسعة جت وأنتي هنا، الظابط هيرجع ياخدك مع ابنك.»
سيبتها وطلعت على أوضتي، قفلت الباب عليا. قعدت على طرف السرير ومسكت بطني بإيديا الاثنين. حسيت بحركة البنت جوة بطني، ضربة صغيرة قوية وكأنها بتقولي “إحنا بخير”. بكيت، بس المرة دي ما كانش بكاء ضعف أو وجع.. كان بكاء الحرية اللي استرديتها، والبداية الجديدة اللي هتبدأ أول ما بنتي تتولد في بيت مليان أمان، ومن غير خوف.