في حفل عشاء عيد ميلاد والدي السبعين
في حفل عشاء عيد ميلاد والدي السبعين الفخم، لقيت أطفالي الصغار معزولين على ترابيزة صغيرة في الجنب بيبصوا لأطباق فاضية، في الوقت اللي أطفال أختي بياكلوا فيه ستيك فليتو فاخر على الترابيزة الرئيسية. ولما أختي ابتسمت ابتسامة صفرا خبيثة وقالت: “ممكن ياكلوا لما الضيوف الحقيقيين يخلصوا”، والدي هز رأسه بهدوء وموافق على كلامها. أنا معيطتش. وما اتجادلتش. أنا ببساطة رفعت جاكيتات أطفالي وقلت جملة هزت القاعة كلها:
”لا يا نيفين. أطفالي عمرهم ما هيتعلموا إن العيلة معناها يستنوا باقي الأكل.”
الصالة الخاصة الفخمة بقت ساكتة تماماً زي المقابر. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو رنة معلقة الفضة الخفيفة الحادة بتاعة بابا وهو بيقلب قهوته.
ابني يوسف اللي عنده حداشر سنة مسح دموعه بسرعة بكمه، وهو بيحاول يداري عياطه. وفريدة، اللي عندها تمان سنين بس، كانت بتطبق منديل القماش وتفرده بهستيريا، وكأنها بتحاول تصغر نفسها عشان تمنع ثلاثين فرد من العيلة إنهم يفضلوا يبصوا علينا.
على الناحية التانية من القاعة، أطفال نيفين كانوا بياكلوا الستيك بتاعهم بمنتهى السعادة تحت يافطة ذهبية كبيرة مكتوب عليها بالصدفة “العائلة أولاً”.
نيفين نزلت كاس العصير، وابتسامتها المزيفة اتقلبت لنظرة غل: “بلاش تعملي من الموضوع شو وديربي درامي يا شيرين.”
رديت عليها فوراً: “أنتي اللي عملتيه شو ومسرحية من اللحظة اللي حطيتي فيها طفلين جعانين معروضين قدام الناس كدة.”
بابا زق كرسيه الثقيل لورا من رأس الترابيزة، ووشه كان مظلم ومحذر: “لو طلعتي برة القاعة دي دلوقتي يا شيرين، متستنيش إنك ترجعي لما تهدي.”
لسنين طويلة، التهديد ده بالذات كان بيجيب نتيجة معايا. كنت بضعف في ساعتها، وأعتذر، وألطف الجو عشان أريح الكل، وأتظاهر إن الإهانة الصريحة دي كانت مجرد سوء فهم بسيط.
بس يوسف كان بيبص بذهول للطبق الفاضي اللي قدامه، وفريدة بطلت تماماً تبص ناحية الترابيزة الرئيسية.
بصيت في عينين بابا الباردة: “أنا أهدى دلوقتي من أي وقت فات خلال سنين.”
ساعدت فريدة تلبس الجاكيت، واديت يوسف جاكيته، وخدت أطفالي ومشتهم في وسط القاعة بالضبط. فجأة، قرايبي الجبناء بقوا مهتمين جداً بمدينتهم، بموبايلاتهم، أو بالأكل اللي في أطباقهم. ولا واحد فيهم اتكلم أو فتح بقه.
بنت عمي مريم بس هي اللي قامت. حطت بسرعة عيش فينو دافي في إيد فريدة الصغيرة ووشوشتني: “أنا آسفة أوي.”
برة المطعم، الجو كان تلج في شوارع القاهرة والبرد القارس ضرب وشنا، بس ولا واحد من أطفالي اشتكى ونحنا بنعدي الجراج.
يوسف استنى لحد ما دورت عربيتي وشغلت الدفاية قبل ما يتكلم:
”ماما؟ هو جدو مش شايفنا عيلة؟”
السؤال ده بالذات، اللي يكسر القلب، وجعني أكثر من أي سم نيفين أو بابا بخوه جوة المطعم.
سوقت وبهم على مطعم منور قريب. يوسف طلب برجر، وفريدة طلبت بان كيك وميكس شيك شوكولاتة، بس كانوا زعلانين جداً لدرجة إنهم مكلش. يا دوب لمسوا الأكل.
وفي الوقت اللي فريدة كانت بتلون فيه ببهتان على ورقة المنيو ويوسف بيزق البطاطس البردة في طبقها، موبايلي بدأ يرن ويهتز بقوة على الترابيزة.
نيفين اتصلت ثلاث مرات. وبابا اتصل مرتين.
سبت كل مكالمة فيهم ترن لحد ما تفصل…
وفجأة، جالي إشعار إيميل شغل من شركة “العالمية للمستلزمات المكتبية” — الشركة العائلية الكبيرة والمربحة اللي أنا كنت مسكاها وممشياها من تحت لتحت في السكوت في الوقت اللي بابا كان بيعمل فيه عملية المفتوح الصعبة، ونيفين مشغولة في خروجاتها وعزوماتها اللي مابتخلصش تحت مسمى “علاقات عامة”.
فتحت الإيميل، وأنا متوقعة تماماً إنه يكون طلب مغرور جديد متغطي في شكل حالة طوارئ عائلية.
لكن بدال ده، لقيت إخطار رسمي أوتوماتيكي بيبلغني إن صلاحيات أدمن النظام بتاعي على المرتبات، والمخازن، وكل حسابات الموردين تم إنهائها بشكل نهائي.
ساري فوراً.
بطني اتعصرت من الصدمة وأنا بقرأ التوقيت الرقمي للرسالة.
رسالة إنهاء الخدمات متبعتتش يدوي بعد ما أنا طلعت من المطعم وأنا غضبانة. دي كانت متجدولة ومجدول وقت بعثها من قبل ما العشاء يبدأ أساساً!
قبل ما نيفين تقعد ولادي جنب باب الخدمة اللي بيدخل هواء وثلج. وقبل ما بابا يهددني إنه هيطردني ويقطع علاقاته بيا عشان دافعت عنهم.
وده معناه إن الترابيزة المعزولة والمهينة دي عمرها ما كانت سهو أو عدم أخدان بال. الأطباق الفاضية مكنتش غلطة مطبخ أو مطعم. السهرة كلها من أولها لآخرها كانت كمين معمول بجدول زمني متقن ومحسوب، عشان يوروني بالظبط أنا وولادي مكانتنا فين من وجهة نظر بابا ونيفين.
وفجأة، ظهرت رسالة جديدة على شاشتي.
كانت مسج من مريم. ومرفق معاها فيديو مخفي هي صورته بالموبايل قبل ما نوصل المطعم على طول…