خيانه حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
قاطعت جوزي وهو بيكلمني في السرير مع واحدة تانية، وفي نفس الوقت كان فيه شراب بيبي صغير لونه أوف وايت مستني في شنطتي.
أنا مصوتّش.
وقفت على باب الأوضة وفهمت، بوضوح يوجع البطن، إن الخيانة كانت مجرد أول أوضة في البيت اللي بناه حواليا.
شريف الألفي كان باين عليه إنه متضايق من الكركبة أكتر ما هو حاسس بالخزية.
ده الجزء اللي لاحظته قبل ما ألاحظ الملاية، قبل ما ألاحظ كاس النبيد، وقبل ما ألاحظ سارة وهي بتشد اللحاف الكتان الرمادي بتاعنا فوق كتافها العريانة كأن الحياء فجأة بقى مهم بعد ما كل حاجة تانية أتاخدت. شريف كان قاعد على طرف السرير، قميصه مفتوح، وشعره مفعوص من ناحية واحدة، وبؤه لسه متلطخ بروج أحمر بتاع واحدة تانية. برمشلي مرة، وبعدين بَصّ من ورايا ناحية الطرقة كأنه بيحسب أنا لحقت أشوف قد إيه من الشقة.
أوضة النوم كانت دافية. دافية زيادة عن اللزوم. شريف كان دايماً بيشغل التكييف على الساخن عالي، عشان كان بيقول إن الرفاهية المفروض تحس بيها من غير ما تشوفها. المطر كان بيبخ بشويش على الإزاز ورا السرير، مغبش على منظر النيل وأبراج القاهرة ورا الغيم الرمادي. شقتنا في الزمالك، بكل الخشب الأرو الفاتح والرخام الإيطالي اللي فيها، كانت ساكتة خالص، مافيش غير صوت زنة الإضاءة الخفية ونفس سارة اللي كان طالع نازل بسرعة.
بإيدي الشمال، كنت ماسكة الشنطة وضاماها على بطني.
وبإيدي اليمين، كنت عاصرة على المفاتيح جامد لدرجة إن سنونها سابت علامات هلالية غويطة في كف إيدي.
أنا كنت حامل في الأسبوع الخامس.
تحليل العيادة كان لسه متني جوة ظرف في شنطتي، ملفوف جنبه شراب أوف وايت صغنن أوي كنت اشتريته من محل أطفال في مول العرب عشان ملقيتش نفسي قادرة أعدي من قدام المحل بعد ما سمعت الممرضة بتقولي: “مبروك يا مدام الألفي.” الشراب كان شكله يتعب القلب. ناعم زيادة. بدري أوي. وفيه أمل أكتر من اللزوم. كنت مخططة أدهوله على العشا في المطعم اللي اتقدملي فيه من ثمان سنين.
عرض العميل اللي كان عندي اتلغى لأن المطر والموجة السيئة خلت طيران المشتري يتأجل. رجعت البيت الساعة ٣:١٧ الظهر، قبل ميعادي بأربع ساعات، شيلة خبر الحمل، وحجز العشا، وآخر نسخة حنينة مني هدخل بيها الأوضة دي في حياتي.
الجزمة اللوفر بتاعته كانت مرمية في الطرقة.
كاس فيه آثار روج كان محطوط على رخامة المطبخ.
بالطو أحمر حريمي كان مفرود على الكرسي اللي بفطر عليه كل يوم الصبح.
وبعدين سارة ضحكت من جوة الأوضة.
ماكانتش ضحكة توتر. ولا ضحكة خوف. كانت ضحكة واطية ومألوفة، ضحكة واحدة عارفة مكان الفتاحة فين وأنهي لوح خشب في الأرضية ببيزيق جنبة الدولاب.
”ندى،” شريف قالها، كأن اسمي كان مشكلة محتاج يديرها ويحلها.
دَوّر على البوكسر بتاعه بـ إيد واحدة ولبسه. حتى وقتها، وحتى وهو ممسوك في أبشع صور الخيانة العادية، كان بيتحرك بنفس الهدوء والكاريزما والسيطرة السريعة اللي عملت اسمه. مجلات الديكور والمعمار كانت بتسميه “المعاري المبتكر”. العملا الأغنية كانوا بيشوفوه بيفهم الذوق الطاير. وفي الحفلات والخيرية، كان بيحب يقول جملته الشهيرة: “البيت المفروض يخلي الناس اللي جوة يحسوا بالأمان.”
سمعت الجملة دي منه تلاتين مرة على الأقل، وأنا واقفة جنبه بفساتين هو اللي مختارها عشان بتطلع حلوة في التصوير.
”ندى،” كررهاني تاني. “أنا اقدر أفهمك.”
اسمي وهو طالع من بؤه خلاني أحس إني وسخة أكتر من المشهد اللي قدامي كله.
سارة كانت باصة في الأرض. خدودها حمرا. شعرها، اللي كان دايماً ملموم بنظام في الشركة، كان نازل على كتافها نكش. كان عندها سبعة وعشرين سنة، مهندسة جونيور في شركة الألفي للتصميمات. شريف كان بيوصفها دايماً إنها شاطرة بس “حساسة ورقيقة”، ومحتاجة حد ياخد بإيدها ويدربها.
دي ماكانتش غلطة.
”المفروض أمشي،” سارة همست بصوت يا دوب مسموع.
”خليكي،” شريف قالها بحدة وصوت ناشف.
سارة اتمطرت مكانها ومااتحركتش.
وبعدين بصلي وقال: “المناقشة دي مش محتاجة جمهور واقف في الطرقة.”
كانت جملة من جمل شريف النموذجية. متظبطة. هادية. ومتقالة بطريقة تخلي وصولي البيت هو الحدث الغلط والمش مناسب.
”من إمتى؟” سألت بصوت واطي.
وهو بيمد إيده يلم قميصه قال: “ما تقلبيهوش محضر ولا قضية.”
”من إمتى؟”
صوت سارة طلع بالعافية: “من سبتمبر اللي فات.”
شريف راسه اتلفتت ناحيتها بسرعة وغضب.
الغضب اللي على وشه جاوب على كل الأسئلة اللي لسه مالحقتش أسألها.
دي ماكانتش غلطة لحظة.
كان ليها قواعد.
ومواعيد.
وفنادق.
وكدب متراجع ومتدرب عليه.
”أنتِ ماكانش المفروض—” بدأ يقول، بس أنا مشيت وسبته قبل ما يكمل.
في المكتب الصغير اللي جنب الصالة، قفلت الباب بالمفتاح وشدت الدرج التاني من مكتبي. وتحت الدرج، كنت لازقة بفلاشة سودا رفيعة. كنت بدأت أجمع عليها ملفات من سبع شهور، من يوم ما لقيت فاتورة شركة توريدات عليها توقيعي الإلكتروني لشركة أنا عمرها ما سمعت عنها.
شريف وقتها ضحك وقال: “يا ندى دي مجرد تسوية حسابات. مش كل حاجة تخليكي تشكي كدة.”
شركة “الألفي للتصميمات” كانت محتاجة موافقتي على تحويلات معينة لأني بملك ٣٥٪ من الشركة. أبويا كان استثمر فلوس مكافأة نهاية خدمته وتأمينه لما أنا وشريف بدأنا الشركة من مكتب متأجر صغير من ثمان سنين. أنا اللي صممت قطاع العلاقات مع العملا، وأنا اللي جبت أول عقود الفنادق الكبيرة، وعملت علاقات شريف كان بياخدها ويقدمها للناس على إنها مجهوده. وبعد ما اتجوزنا، إقنعني أبعد عن الشغل اليومي عشان “اثنين طموحين مش هيعرفوا يبنوا بيت هادي.”
ساب نصيبي باسمي عشان يطمن المستثمرين إن الشركة عائلية ومستقرة.
وبس في نفس الوقت، ساب لنفسه صلاحية استخدام توقيعي الإلكتروني.
الفاتورة الغريبة الأولى جه بعدها تحويلات لشركات بأسماء وهمية. وبعدين تغيير كلمة السر في نص الليل. وبعدين إقرار ضريبي فيه دخل أنا عمري ما استلمته. وكل ما كنت بأسأله، كان يقولي إني بقيت شكاكة وعصبية من ساعة ما بابا مات. اقترح عليا أروح لدكتور نفسي، وبعدين استخدم موافقتي على الروحة دي كدليل إني مش متزنة نفسياً.
عشان كده بدأت أحتفظ بنسخ.
عقود.
كشوف حسابات.
إيميلات بفرودها لنفسي قبل ما يمسحها.
لقتات شاشة لتعديل سجلات الموافقة.
تسجيلات صوتية سجلتها لما وقف سادد الباب وقالي إن مافيش قاضي هيصدق ست عاطفية ومريضة على حساب مهندس ديكور محترم.
ماكنتش عارفة هعمل إيه بالدليل ده.
كنت بس عارفة إن كل ملف بيخليني أحس إني مش مجنونة.
حطيت الفلاشة في الجيب الداخلي لبالطويا، فتحت شنطة سفر صغيرة، ولميت فيها غيارين، وبلوزتين، وجينز، وأدويتي، وباسبوري، وأجندتي، وشراب البيبي. سبت حجز المطعم على المكتب. ماقدرتش أرميه. مش دلوقت. ده كان يخص النسخة اللي ماتت من اليوم قبل ما أدخل الأوضة.
شريف خبط على باب المكتب مرة جامد.
وبعدين استخدم المفتاح الاحتياطي وفتح.
كان اتدثر وخلاص لابس كل هدومه ما عدا الحزام. سارة كانت اختفت جوة الحمام. الشقة كانت ريحتها روج وريحة الورد اللي شريف كان دايماً بيحطه على التربيزة عشان بيطلع حلو في الصور.
”أنتِ فاكرة نفسك رايحة فين؟” سألني.
”بعيد عنك.”
”اتكلمي بجد،” بص للشنطة. “ده بيتك.”
الشقة كانت ٣٠٠ متر، رخام وزجاج وخشب أرو وسكوت. شريف كان مختار كل حتة فيها. رفض الكرسي الأصفر اللي كنت بحبه عشان “مش طراز قيم.” شال صور بابا المتبرقعة قبل تصوير مجلة وما رجعهاش تاني. المكان كان جميل بنفس الطريقة اللي بيكون بيها المتحف جميل بعد ما يقفل وبيمشي منه الناس.
”لا،” قلتله. “ده كان المعرض بتاعك. وأنا كنت قطعة ديكور ثانية حطيتها جواه.”
وشه اتغير.
الوش الهادي التايه اختفى، وظهر الوش اللي كنت بشوفه بس بعد ما الضيوف يمشوا.
”أنتِ زعلانة،” قال. “والناس الزعلانة بتعمل أخطاء مكلفة.”
”وهو نومك مع الموظفة بتاعتك كان مش مكلف؟”
مسك أكرة الشنطة.
”أنتِ مش هتمشي وتعمليلنا فضيحة.”
شديت الشنطة.
مسك إيدي من المعصم.
”سيب إيدي.”
”وطي صوتك.”
”سيبني!”
سارة ظهرت وراه وهي لافة البالطو بتاعها حوالين نفسها. وشها كان أصفر. عينها اتنقلت من إيده لإيدي.
”شريف،” قالت، “هي بتقولك سيبها.”
سابني بسرعة لدرجة إن أي حد يدخل الوقت ده كان هيفتكر إنه عمره ما لمسني.
”ندى عاطفية زيادة،” قالها. “بتمر بسنة صعبة.”
مشيت بالشنطة من جنبهم.
عند باب الشقة، اتكلم بصوت واطي يا دوب أنا بس اللي أسمعه: “لو أحرجتيني، هخلي كل شخص بتحترميه يعرف حقيقتك وإنك مش مضبوطة.”
أنا لفتله: “يبقى قولهم إني بطلت أحمي صورتك اللي رسمتهالي.”
أبواب الأسانسير اتفتحت وقفلت على وشه.
موبايلي بدأ يتهز قبل ما أوصل للرسبشن تحت. شريف اتصل ست مرات. ورسايله بدأت تيجى ورا بعض بشكل منظم وغريب:
ارجعي فوق.
أنتِ فهمتي اللي شفتيه غلط.
سارة كانت بتمر بأزمة.
متخلينيش أدخل مامتك في الموضوع.
أنتِ مش أمان لوحدك دلوقت.
الرسالة الأخيرة وقفت نفسي:
لو طلعتي حامل، افتكري إن المحكمة بتهتم بـ أنهي أب أو أم متزن أكتر.
أنا ماكنتش قولتله.
ماكنتش قولتها لأي حد غير الدكتورة.
بعدين افتكرت روشتة الصيدلية اللي كانت على حساب التأمين المشترك، وعلبة الفيتامينات اللي في دولاب المطبخ.
كان بيدور على حاجة يمسكها عليا قبل ما أنا أعرف إني محتاجة أحمي نفسي.
عم أحمد، بواب العمارة، شاف وشي وماسألش عن حاجة. كان شغال في العمارة من خمس سنين. شاف شريف وهو طالع بورد بعد ما ينسى عيد جوازنا، وشافني وأنا راجعة باللوحات الساعة ۱۲ بالليل وشريف مستضيف عملا في الروف فوق.
طلع للشارع، ووقف أول تاكسي في المطر.
”أعطله فوق يا مدام؟” سألني.
”تقدر؟”
”تعليمات العمارة بتقول أقدر أعطل الأسانسير بحجة الصيانة.”
التصرف الصغير ده كان هيخليني أعيط.
”شكراً يا عم أحمد.”
السواق حط الشنطة في الشنطة ورا.
”على فين يا مدام؟”
بصيت على العمارة. شريف كان باين كـ خيال ورا الإزاز الكبير بتاع المدخل، بيكلم عم أحمد بصلابة.
”محطة مصر،” قلتله.
قفلت موبايلي في التاكسي.
في المحطة، سحبت ألفين جنيه من حساب شريف نادر لما بيبص عليه، وقطعت تذكرة قطر للفيوم باسمي القديـم قبل الجواز، وقعدت جنب عيلة بتاكل بيتزا من علبة كرتون. إيدي كانت بترتعش لدرجة إن المية وقعت على أجندتي.
كتبت جملة تحت البقعة:
أنا مخسرتش جوازتي النهاردة.. أنا لقيت الباب اللي يخرجني منها.
القطر طلع من القاهرة بعد ما الليل دخل. المطر كان مغبش على النيل والأبراج لحد ما بقت شبه رسمة رصاص حد مسحها بأكمامه. كل شوية كنت بلمس جيب البالطو عشان أحس بالفلاشة. وبعدين ألمس بطني وأتساءل: إيه نوع الأم اللي تهرب من غير خطة؟
الرد جه قبل الفجر.
الأم اللي عاوزه بنتها تتعلم إن الحب مش محتاج إذن عشان تتنفس.
من الفيوم، أخدت عربية لـ “تونس”، قرية صغيرة ورايقة عليا من أيام ما كنت بروحها مع بابا. كان بيحب البيوت الطين والشوارع الهادية، وأنا كنت بحب بحيرة قارون والهدوء اللي فيها.
الساعة ٦:٤٠ الصبح، السواق نزلني جنب رصيف ساكت تحت سما لونها رمادي.
مشيت ورجلي بتتسحب والشنطة ورايا. المطر كان عامل طين على الجوانب. إيديا كانت متلجة. الترجيع والتعب بتاع الحمل ماكانش جه لسه، بس الخوف كان علم جسمي الفضا.
جنب الشارع الرئيسي، يافطة مكتوبة بالإيد كانت بتهتز:
ورد وزهور – نور الصواف.
صفيحة فيها فروع شجر ورد أبيض كانت ورا الإزاز المغبش. وورقة صغيرة مكتوب عليها:
أوضة للإيجار. اسأل جوة.
الباب كان مفتوح. جرس رن وأنا داخلة.
ست كبيرة بلابس كازلوك أخضر كانت واقفة على تربيزة شغل بتقص ورق شجر. شعرها الفضي كان معمول ضفيرة تقيلة واصلة لظهرها. بصت لساعة الحيطة، وبعدين بصتلي.
”بنفتح الساعة تسعة.”
”أنا جية عشان الأوضة.”
عينها مشيت على البالطو النظيف، والشنطة المبلولة، وإيدي الفاضية من الدبلة، ووشي التعبان. البصة كانت مباشرة بس مش قاسية.
”الأوضة صغيرة،” قالت. “ألف وخمسمائة في الشهر. حمام صغير، مافيش تدخين، ومافيش عزومات، ومافيش رجالة بتفتكر إن الزعيق كلام.”
كنت هضحك، بس الضحة تحولت لـ شهقة بكا.
وش الست هدي شوية.
”أنا حاجـة نور.”
”ندى.”
”هربانة من الحكومة يا ندى؟”
”لا.”
”هربانة من راجل؟”
إيدي أتحركت ناحية بطني من غير ما أحس.
”بحاول أنجي من راجل.”
حاجة نور حطت المقص من إيدها.
”الإجابة دي دايماً بيجي معاها مشاكل.”
”أقدر أدفع شهرين دلوقت.”
”الفلوس مش هي المشكلة اللي أقصدها.”
بصتلي وقت طويل، وبعدين مدّت إيدها تحت الترابيزة وحطت مفتاح نحاس جنب كوباية مية.
”الفرع المكسور لسه بيشرب مية،” قالت. “اطلعي فوق قبل ما تقعي من طولك.”
الأوضة اللي فوق محل الورد كانت بسقف مايل، وسرير عليه لحاف كروشيه، ووابور صغير، وشباك بيبص على جنينة صغيرة. كانت أصغر من أوضة اللبس في شقتي القديمة. نمت ١٤ ساعة متواصلة.
لما صحيت، شراب البيبي كان لسه في إيدي.
قعدت في الأوضة ثلاث أيام. حاجة نور كانت بتسيب شوربة برة الباب أول ليلة، وتوست الصبح، وسبت ورد في اليوم الثالث. عمرها ما خبطت بعد ما تحطهم. كان أول لطف أستقبله من سنين مش مطلوب مني أرد عليه في ساعتها.
في اليوم الرابع، نزلت وسألتها لو محتاجة مساعدة.
”تعرفي الورد البلدي من الجلاديولس؟”
”لا.”
”تعرفي تكنسي؟”
”أه.”
”يبقى لقينا شغلتك.”
كنت بكنس الأرض، وأشيل الورق الدبلان، وأغسل الأواني، وأوصل بوكيهات للبيوت والفنادق الصغيرة. الشغل كان بسيط يهدّي أفكاري بس فيه حركة تمنعني من التفكير الزيادة. المحل كان ريحته شجر، وورد، وقهوة، وطين. الناس كانت بتدخل وهي شايلة أعياد ميلاد، وأعذار، وجنازات، وخبيئة سكوت.
في الأسبوع السابع، التعب بتاع الحمل جه بقوة. ريحة الفل كانت بتخليني أجري على الشارع. حاجة نور عمرها ما سألتني لو كنت حامل. كانت تحط شاي بالجنزبيل جنب الخزنة وتنقل الفل في الثلاجة ورا.
ابنها يحيى كان شغال في ورشة نجارة وديكور في الوش. كان بيصلح أنتيكات وبيعمل ترابيزات خشب يدوي. كان عنده ستة وثلاثين سنة، ج/ثته عريضة، وساكت من غير ما تحسي إن سكوته عقاب.
أول كلام بينا ما كملش دقيقة.
لقاني قاعد على السلم ورا وحاطة راسي بين ركبي، فمدلي علبة بسكويت مالح.
”أمي بتقول ده طبيًا بيريّح المعدة.”
”أمك بياعة ورد.”
”هي مابتخليش الشهادات تحد من ثقتها في نفسها.”
ضحكت، وبعدين بكيت عشان ضحكت.
يحيى قعد على الطرف الثاني من السلم، وساب مساحة تكفي شخص ثالث بينّا.
”مش لازم تشرحي الردين،” قال.
أخدت الجملة دي ونطلعت بيها فوق وقعدت أفكر فيها بالساعات. شريف كان مربيني إني أقدم دفاع ودليل لكل إحساس بحسه. يحيى كان بيتعامل مع المشاعر زي الجو: حقيقية، ومؤقتة، ومش غلطة شخصية.
اشتريت خط كارت، وكلمت دكتورة النسا من برة. لغيت المواعيد القديمة في القاهرة وطلبت الملف بتاعي. فتحت إيميل جديد وبعت رسالة واحدة لأمي:
أنا كويسة وفي أمان. أرجوكي ما تقوليش لشريف أي حاجة. هكلمك لما أقدر.
ردها جه بعد تسع دقايق:
بيقول إنك جالك انهيار عصبي. ارجعي بيتك يا ندى قبل ما الموضوع يبوظ أكتر.
ما رديتش.
بالليل، كنت براجع الملفات اللي على الفلاشة باستخدام لابتوب قديم يحيى عارهولي. كل ما أبص أعمق، كل ما أخاف أكتر.
شريف كان عامل أربع شركات توريدات وهمية بتتشارك في عناوين مع شقق فاضية. أكتر من أربعة مليون جنيه اتتحولوا من خلالهم في ثمانية عشر شهر. بعض التحويلات كانت بتوقيعي. أنا كنت في مطروح، أو ألكس، أو نايمة جنبه لما التحويلات دي تمت.
وكان فيه مسودة جواب موجهة لدكتور نفسي أنا عمري ما قابلته. الجواب بيوصف حالة هلاوس، وصرف بغير وعي، وأوهام عن الخيانة الزوجية. الملف ده كان معمول قبل ما أقفشهم بست أسابيع.
هو ما اخترعش جينوني بعد ما مشيت.
هو كان بيجهزه وهو بيبوسني ويقولي تصبحي على خير.
قفلت اللابتوب وقمت أرجّع في الحمام.
في اليوم التسعطاشر، عربية جيب سودا وقفت قدام المحل. راجل ببالطو كحلي عدى من قدام الشباك الساعة ۱۰:۱۲ الصبح، ومرة ثانية ۱۱:۰٥، ومرة ثالثة بعد الغدا. وفي المرة الأخيرة، رفع موبايله وصورني من ورا الإزاز.
السبت اللي في إيدي وقع على الأرض.
حاجة نور بصت على بصلتي.
”قريبك ده؟”
”المخبر بتاع شريف.”
ماكنتش متأكدة، بس جسمي عرف الثبات والمشية دي.
حاجة نور قفلت الباب بالكلون وشدت الستارة.
”يحيى.”
يحيى جه من الورشة في ثواني، كان ماسك مفك في إيده قبل ما يستوعب. حطه ورا الترابيزة وبص من فتحة الستارة.
”نجيب الشرطة؟” سأل.
”مش عارفة.”
”عايزاه يمشي؟”
”أه.”
يحيى طلع برة. ما هددش الراجل ولا لمس العربية. وقف على الرصيف، ورفع موبايله بوضوح، وصور نمرة العربية.
العربية مشيت بسرعة.
أنا بدأت أترعش.
حاجة نور قلبت اليافطة لـ “مغلق”.
”دلوقت،” قالت، “أنتِ هتقوليلي الحقيقة عشان نعرف نحميكي.”
حكيتلهم عن شريف، والخيانة، والحمل، والتوقيعات المتروكة، والتهديد اللي بعته قبل ما أمشي. ما جمّلتش الحقيقة. الكلام بصوت عالٍ خلى الأوضة شكلها يتغير، كأن كل حقيقة بتشيل ثقل من جسمي وتحطه على الترابيزة عشان الناس تشوفه.
يحيى فكه اتشد، بس ما قطعتنيش.
حاجة نور كانت بتسمع وهي مربعة إيدها.
لما خلصت، زقت كاس الشاي بالجنزبيل ناحيتي.
”أنتِ مسبتيش جوز،” قالت. “أنتِ هربتي من راجل فاكر قبالة الجواز عقد ملكية.”
يحيى كتب اسم على ظهر فاتورة ورد.
”الأستاذة فريدة كامل. محامية في بني سويف والقاهرة. مسكت قضية استغلال لأخت صاحبي. هي هتقولك إيه اللي حقيقي، وإيه اللي خطر، وإيه اللي محتاج إثبات.”
”أنا مش عايزة أجركم للمشاكل دي.”
حاجة نور شخرت بشويش: “هو اللي وقف قدام محلي. هو اللي جر نفسه.”
الأستاذة فريدة بلغتني أقابلها ثاني يوم في مكتب. ست في الأربعينات، ببنطالون وقميص رسمي، بتسأل أسئلة بتركيز شادد.
”الملفات اللي نسختيها كان ليكي صلاحية تقريها؟”
”معظمها. وبعضها كان على كمبيوتر الشقة.”
”عدلتي في حاجة؟”
”لا.”
”شريف عنده س/لاح؟”
”طبنجة ترخيص في بيته.”
”هددك بأذى جسدي؟”
”مش بشكل مباشر.”
”سد عليكي طريق؟ مسكك؟ تحكم في فلوسك؟ راقب كشوفاتك؟ هدد سمعتك؟ أو لمح إنه هيستخدم العيل عشان يجبرك؟”
”أه.”
فريدة وقفت كتابة.
”ده أذى يا ندى. إن كان بيلبس بدلة وهو بيعمل كده ده مبيخليهاش أقل خطورة.”
راجعت الفلاشة مع خبير حسابات. لقوا تحويلات لشركات وهمية، وتعديلات في السجلات، وجدول تحويلات كان مفروض يحول ٥٠٠ ألف جنيه كمان خلال خمس أيام. فريدة بلغت بنك الشركة بوجود نزاع على التوقيعات، وبعتت إنذار رسمي لمحامي شركة الألفي.
”شريف هيعرف في اللحظة اللي البنك يوقف فيها الحساب،” حذرتني فريدة. “محتاجين خطة أمان قبل ما نبعت الإنذار.”
نقلت من الأوضة فوق المحل لـ أوضة الضيوف ورا بيت حاجة نور. يحيى ركب كاميرات بتبص على الممر والمدخل. والشرطة أخدت نمرة عربية المخبر. فريدة طلبت عدم تعرض مستعجل.
الساعة ٤:٢٦ العصر، الإنذار وصل.
الساعة ٥:٠٣، جرس المحل رن.
شريف دخل ماسك بوكيه ورد أبيض ولابس البالطو الكحلي.
بص في المحل بابتسامة بطيئة.
”محل ورد في الفيوم؟” قال. “طول عمرك بتخلطي بين التغيير والمسرح.”
حاجة نور طلعت من ورا الترابيزة.
”إحنا قافلين.”
”أنا جاي لمراتي.”
”يبقى جاي العنوان الغلط،” قلتله. “مراتك كانت الست اللي بتسكت.”
ابتسامته ثبتت، بس عينه قسيت.
”نقدر نتكلم لوحدنا؟”
”لا.”
حط الورد على الترابيزة.
”أنا بقالي أسابيع قلقان عليكي. مامتك هتتجنن. شركائي فاكرين إنك سرقتي ملفات في لحظة انهيار. أنا بحاول أصلح ده قبل ما الغرباء ياخدوا قرارات مفيهاش رجوع.”
”تقصد قبل ما البنك يسأل الفلوس راحت فين؟”
الابتسامة اختفت.
يحيى دخل من باب الجنينة ووقف على بعد خطوات من شريف.
شريف بص عليه من فوق لتحت.
”هو ده السبب اللي خليكي تهربي؟ نجار عايش دور المنقذ؟”
”أنا مشيت لأني لقيتك مع سارة.”
”سارة غلطت.”
”أنت عملت جدول مواعيد.”
أخد خطوة ناحيتي.
يحيى أتحرك، بس أنا رفعت إيدي. كنت محتاجة شريف يسمع صوتي من غير ما راجل ثاني يديه سلطة.
”ما تقربش.”
شريف وقف.
”أنتِ شايلة ابني.”
حاجة نور شهقت.
أنا ماكنتش قولتله إن الحمل اتأكد.
”ده مبيخلنيش ملكك.”
”ده بيخلي عدم اتزانك مهم للمحكمة. أقدر أطلب تقييم نفسي ليكي. أقدر أطلب وصاية. ولما البنت تتولد، أضمن إنها عمرها ما تقضي ليلة في أوضة فوق محل ورد.”
”وأنا أقدر أضمن إن النيابة تعرف إزاي شركة التوريدات وافقت على تحويل الملايين وأنا اصلاً ماكنتش في القاهرة.”
ولأول مرة من ساعة ما دخل، الخوف وصل لوشه.
”أنتِ مش فاهمة أنتِ نسختي إيه.”
”يبقى اشرح للبنك.”
وطى صوته: “ديني الفلاشة. وإمضي إقرار إنك كنتِ متلخبطة وارجعي البيت. أنا أنهي موضوع سارة. وهنقول للناس إنك كنت محتاجة راحة. حياتك لسه ممكن ترجع طبيعية.”
”حياتي عمرها ما كانت طبيعية.”
”هتندمي إنك أحرجتيني.”
”اطلع برة،” حاجة نور قالت.
شريف اتلفتلها: “المفروض تخافي على نفسك وأنتِ مأوية حد سرق أسرار شركة.”
يحيى شاور على الزاوية في السقف: “وأنت المفروض تخاف وأنت بتهددها تحت كاميرا بتسجل صوت وصورة.”
شريف بص مكان ما شاور.
كاميرا أمان المحل كانت بتنور أحمر.
الشرطة وصلت قبل ما يوصل للرصيف. ظبط البالطو، وادا أمين الشرطة كارت عمله، وتحول للزوج القلقان اللي اتدرب يكونه. التمثيلية كانت هتنجح لولا إن حاجة نور شغلت التسجيل.
(أنتِ شايلة ابني.. ده بيخلي عدم اتزانك مهم.)
الظابط أداه إنذار بعدم التعرض وكتب المحضر.
شريف مبصليش وهو طالع.
بص للكاميرا.
رسالته الأخيرة جت عن طريق محاميه بعد يومين. رفع دعوى طلاق، واتهمني بالسرقة والتخريب، وطلب السيطرة على كل الحسابات، وطلب من المحكمة كشف نفسي عاجل عليا.
ومع العريضة، كان فيه إقرار مشفوع باليمين من سارة.
قالت فيه إنها عمرها ما كانت على علاقة بشريف. وقالت إني دخلت الأوضة أثناء اجتماع شغل، واتخيلت مشهد حريمي، وهجمت عليهم هما الاثنين.
قريت الإقرار أربع مرات في مكتب فريدة.
كل قراءة كانت بتمسح حتة من الواقع.
البالطو الأحمر.
كاس النبيذ.
سارة وهي ماسكة الملاية.
شريف وهو بيدور على هدومه الداخلية.
وإجابتها لما سألتها من إمتى.
من سبتمبر.
”هي كدبت تحت اليمين،” قلت.
فريدة رجعت لورا: “أه.”
”ليه تعمل كده بعد ما قالتله سيبها؟”
”خوف. فلوس. شغلها. أمل. هو ممكن يكون وعدها بالحماية أو هددها. مش محتاجين نخمن. محتاجين نرد بالحقايق.”
العريضة كانت فيها صور للعلامات اللي المفاتيح سابتها في كف إيدي. شريف وصفها إنها إصابات ذاتية نتيجة حالة نفسية غير مستقرة. وكان فيها فواتير علاج نفسي من السنة اللي بعد وفاة بابا، وقائمة بأدوية أنا عمرها ما أخدتها، ورسالة بعتها لشريف من ثلاث سنين بعد أزمة هلع:
(بحس إني بختفي).
كان شايل وجعي كدليل للمستقبل.
”هو كان مخطط لكل ده،” همست.
”هو كان بيلعب على كل الكروت،” فريدة قالت. “الرجالة اللي زي شريف مبيشوفوش السيطرة قسوة. بيشوفوها إدارة مخاطر.”
المحكمة حددت جلسة مستعجلة بعد اثنا عشر يوم. لحد وقتها، حسابنا المشترك الأكبر اتجمد. كارت البنك بتاعي وقف في السوبر ماركت. وشركة شريف بعتت طلب بإني أسلم كل الملفات خلال ٢٤ ساعة. ومخبر خاص بدأ يكلم الموردين بتوع حاجة نور ويسألهم لو كانت مشغلة عندها واحدة هربانة ومريضة نفسياً.
عرضت إني أمشي.
حاجة نور كانت بتعمل فرع ورد مجفف. مبصتليش.
”لا.”
”هو بيهجم على شغلك.”
”أنا عشت في الفيوم بعد سيول، وأزمة اقتصادية، وموت جوزي، وثلاث رؤوس مجالس مدينة كانوا فاكرين الكارتة هي الاقتصاد. جوزك عنده بالطو نظيف وموبايل بس.”
”ممكن يرفع عليكي قضية.”
”أي حد يقدر يرفع قضية على أي حد.”
يحيى دخل شايل درج خشب متصلح.
”هي تقصد إنك قاعدة.”
”أنا فاهمة هي تقصد إيه.”
”كويس.”
لطفهم في الأول ما خلينش أحس بالأمان.
خلاني أحس بإن عليا دين.
شريف كان معلمني إن كل خدمة وراها فاتورة مستخبية. كنت بغسل الصحون قبل ما حاجة نور تصحي، وأرفض أخد فلوس شغل، وأعتذر كل ما التعب يبطئني.
بعد ما اعتذرت إني استخدمت فوطة نظيفة، حاجة نور حطت إيدها على الترابيزة وبصتلي.
”يا ندى، الشكر حلو. بس إنك تمسحي نفسك ده مش حلو.”
في بعد الظهر ده، فريدة وصلتني بـ أخصائية اجتماعية، ودكتورة نفسية في بني سويف اسمها د. هناء. أنا قاومت فكرة الدكتورة النفسية لأن شريف كان حول الصحة النفسية لس/لاح.
”ده بالضبط السبب اللي يخليكي تختاري الدكتورة بتاعتك بنفسك،” فريدة قالت. “مش عشان تثبتي عقلِك للمحكمة. عشان ترجعي تثقي في إحساسك.”
عادت د. هناء كانت فيها كنبة بنية، ومافيش لافتات تشجيعية. في أول جلسة، شرحت إن شريف عمره ما ضربني.
”إيه اللي كنتِ هتعتبريه ضرب؟” سألتني.
”علامة زرقا. عظمة مكسورة. حاجة تتشاف.”
”لما كان بيقف يسد الباب، إيه اللي كان بيحصل جوة جسمك؟”
”كنت بوقف نفس.”
”لما كان بيتحكم في الفلوس؟”
”كنت بطلب إذن عشان أشتري حاجات بفلوس أنا ساهمت في عملها.”
”لما هدد إنه ياخد ابنك؟”
إيدي اتقفلت على بطني.
”صدقته.”
د. هناء استنت شوية.
”الأجسام بتعرف القفص قبل ما العقول ترضى تسميه،” قالت.
بدأت أكتب الذكريات اللي كنت بكتف إيدي وأطنشها.
شريف وهو بيغير الباسورد بتاع التكييف عشان أنا بحب الأوضة دافية. شريف وهو بيتريق على كلامي لما اتكلمت مع أمي قدام مستثمرين. شريف وهو بيطلبلي في المطعم ويقول هازر إني معرفش آخد قرار. شريف وهو بيكلم عملائي ويقولهم إني واخدة إجازة شخصية قبل ما أنا أقرر أسيب الشركة.
مافيش ذكرة لوحدها كانت درامية كفاية تشرح ليه هربت.
بس مع بعض، عملوا سور.
في الأسبوع العاشر، سمعت نبض البيبي في العيادة. حاجة نور كانت ماسكة البالطو بتاعي. يحيى كان مستني في العربية برة لأنه هو اللي وصلنا بس ما افترضش إنه له مكان جوة الأوضة.
الصوت كان سريع ومتمرد، زي قلب عصفور صغير بيجري ورا ضلوعي.
عيطت في الملاية الورق.
قالولك لأسابيع كنت بفكّر في الحمل كـ حاجة شريف ممكن يستغلها ضدي.
سماع النبض رجّعلي البيبي.
سميتها “نور” في أجندتي.
ووعدت نور إنها عمرها ما هتحتاج تكسب الحنية بـ إنها تسكت.
الجلسة المستعجلة اتعملت فيديو عشان الجو كان مطر. شريف ظهر من أوضة اجتماعات الشركة ببدلة رصاصي، وشركيه الكبير الأستاذ حسين قاعد وراه. حسين كان يعرفني من يوم ما الشركة كانت ترابيزة بتتقفل وبلاطة. وهو اللي نخب بذكائي قبل كده لما جبت عقد فندق كبير.
على الشاشة، كان بيتجنب يجي في عيني.
محامي شريف، الأستاذ سامح، قال إني سرقت ملفات عملا، وسبت شغلي، وجالي أزمة هلاوس بسبب هرمونات الحمل. وقدم بيان سارة، وإقرار من دكتور نفسي ادعى إن شريف اتصل بيه من شهور خايف عليا.
فريدة سألت لو الدكتور ده كان كشف عليا قبل كده.
سامح اعترف إنه ما كشفش.
فريدة شغلت تسجيل محل الورد. وش شريف ثبت لما صوته هو ملا المحكمة الافتراضية:
(أقدر أطلب تقييم نفسي ليكي. أقدر أطلب وصاية.)
فريدة عرضت مسودة الجواب النفسي اللي اتعملت قبل ما أمشي والتاريخ اللي بيثبت إنها اتعملت على كمبيوتر مكتب شريف. وخبير الحسابات قدم تقرير التحويلات المزورة. ودكتورة النسا أكدت إني حضرت المواعيد، وتابعت النصايح، وما أظهرتش أي سلوك يمثل خطر على نفسي أو الحمل.
القاضية رفضت طلب شريف بالكشف الإجباري. ومدت قرار عدم التعرض، وإدتني حق الوصول لحساباتي الشخصية، ومنعت الطرفين من إتلاف أوراق الشركة. وأمرت إن الملفات تتحط عند خبير محايد بدل ما ترجع لشريف.
كان المفروض أحس بالانتصار.
بس الأستاذ سامح فتح موضوع الـ ٣٥٪ بتوعي في الملكية.
وطلع عقد تنازل عن الأسهم متأرخ من ١٤ شهر.
فيه توقيعي تحت بند ببيع فيه حصتي لشريف بـ ١٠٠ جنيه.
بصيت للشاشة.
”أنا عمرها ما مضيت ده.”
شريف بصلي أخيراً.
وشه كان عليه انتصار هادي.
”الأستاذ حسين وثق العقد بالشهر العقاري،” المحامي قال.
القاضية قالت إن الملكية محتاجة قضية لوحدها. ولحد وقتها، مش هتقدر ترجعلي الصلاحيات الكبيرة في الشركة غير المصاريف الأساسية.
بعد الجلسة، قفلت على نفسي في حمام حاجة نور وقعدت على الأرض. العقد المزور كان بيهدد أكتر من الفلوس. كان بيعيد كتابة تاريخ الشركة. كان بيقول إن تعب بابا، وعرقي، وعلاقاتي، وثمان سنين تضحية اتشروا بتمن غدا عشان شريف لقي شاهد يختمل الورقة.
يحيى خبط بشويش.
”أمي عاملة أكل يكفي الصعيد كله.”
”مش جعانة.”
”هي اتوقعت الإجابة وعملت صينية بسبوسة.”
فتحت الباب.
كان قاعد على أرض الطرقة وضهره على الحيطة، وسايبلي الممر فاضي.
”حسين كان صاحبي،” قلت. “أنا اللي عرفته بشريف. مسك إيد بابا في افتتاح الشركة وووعده إننا بنبني حاجة نظيفة.”
”يبقى خان الأمانة.”
”يمكن كل الناس كانت شايفاه على حقيقته إلا أنا.”
”أنا ما بفتكرش إن الناس اللي زي شريف بيمشوا يظهروا أوحش ما فيهم للناس.”
”حاجة نور عرفته في عشر دقايق.”
”أمي بتفترض إن أي راجل متألق مستخبي وراه مخالفة مباني. ده بيديها ميزة.”
ابتسمت رغم عني.
صوت يحيى هدي: “أنتِ صدقتي حد بتحبيه. ده مش زي إنك اخترتي اللي هو عمله بـ ثقتك.”
كنت عاوزة أحط راسي على كتفه.
ما عملتش.
وهو ما قربش.
رفضه لإنه يستغل وحدتي كان نوع من القرب لوحده.
فريدة هاجمت عقد بيع الأسهم من ثلاث نواحي. خبير الخطوط لقي اختلافات. والخبير المالي ملقاش أي إثبات لدفع الـ ١٠٠ جنيه. والبيانات المخفية في الورقة أظهرت إنها اتعدلت قريب رغم التاريخ القديم.
بس توثيق حسين خلى التزوير أصعب في الإثبات السريع.
هو أقسم إنه شافني بمضي في مكتب القاهرة.
شريف استخدم الورقة برة المحكمة كأن الموضوع انتهى. قال للموظفين إني بعت أسهامي وندمت وسرقت ملفات انتقاماً. جريدة اقتصادية نزلت خبر صغير عن نزاع بين مؤسسي شركة. عملا وقفوا مشاريع. والتعليقات على النت كانت بتقول إني ست طماعة بحاول أهد راجل بنى نفسه بنفسه.
كنت بكتب ردود الساعة اثنيتين بالليل وأمسحها قبل ما أبعت.
فريدة نصحتني بالسكوت.
د. هناء فكرتني إن عدم تصديق الناس مبيغيرش الحقيقة الخاصة.
السكوت كان تحسيه مختلف دلوقت.
في جوازي، شريف كان بيفرضه.
في القضية، أنا اخترته كـ خطة.
الاقنتاع بيه ما خلهوش مش مؤلم.
أمي اتصلت بمحل حاجة نور من خمس نمر مختلفة. رديت أخيراً يوم حد الصبح.
”ندى، الحمد لله،” صوت أمي كان مكسور. “شريف بيقول إنك رافضة تتعالجي.”
”شريف بيكدب.”
”وراني رسايل. وقال إنك سرقتي فلوس.”
”أنتِ قولتي له أنا فين؟”
السكوت استمر ثواني، بس جابلي الرد.
”كان خايف تعملي في نفسك حاجة،” قالت. “قال إن إشارة موبايلك راحت ناحية الفيوم. أفتكرت رحلتك مع أباكي هناك. أنا بس ذكرت القرية عشان افتكرت إنه عايز يرجعك بيتك.”
قفلت عيني.
المخبر ما جابش مكاني من الفيزا ولا التأمين.
أمي هي اللي سلمت مكاني لأن شريف لف السيطرة في شكل خوف وقلق.
”أنا طلبت منك ما تقوليلوش حاجة.”
”ده جوزك.”
”كان في سريرنا مع واحدة ثانية.”
”بيقول إن ده ما حصلش.”
”مصدقاه؟”
بدأت تعيط: “أنا مش عارفة أصدق مين.”
النسخة القديمة مني كانت هتهديها وتاخد جزء من المسؤولية عن حيرتها.
”يبقى أنتِ مش هتعرفي توصليلي دلوقت،” قلت. “أنا بحبك. وأنا في أمان. بس لحد ما تطلعي كلامه برة حياتي، أنا مش هرد على مكالماتك.”
قفلت السكة وأنا بترعش.
حاجة نور، اللي كانت عاملة نفسها برة بتعد الشرايط، إدتني كوباية شاي.
”دي وجعت،” قلت.
”الحدود دايماً بتوجع الشخص اللي عمره ما توقع إنك هتكوني ليكي حدود.”
الجو بدأ يدفى.
المطر قل والزرع طلع في الجنينة. بطني كبرت. بطلت أداريها تحت الهدوم الواسعة. حاجة نور علمتني أعمل بوكيهات العرايس. يحيى عملي كرسي واطي لترابيزة الشغل بعد ما لاحظ وجع ضهري. نعّمه وسابه جنب مكاني من غير ما يقول إنه هدية.
بقينا أصحاب بالتدريج.
فنجان القهوة اللي يتحط جنب إيدي.
مشوار للصيدلية.
ضحكة على عيش محروق.
حكى لي إنه كان خطب واحدة زمان وسابت الفيوم وراحت القاهرة. كانت عايزاه يروح معاها. كان هيوافق، وبعدين استوعب إنه بيوافق عشان خايف يتساب، مش عشان عايز الحياة دي.
”كنت بتحبها؟” سألته.
”أه.”
”لسه؟”
فكر في السؤال بدل ما يرمي إجابة تعجبني.
”بحب النسخة اللي كنا عليها وقتها. مش هطلب من أي حد فينا يرجع الشخص ده تاني.”
شريف كان هيستخدم اعتراف زي ده عشان يغيرني.
يحيى قدمه كـ تاريخ، مش كـ كارت ابتزاز.
في الأسبوع الثامنة عشر، حسيت بنور بتتحرك وأنا برتب ورد التوليب.
خبطة خفيفة تحت إيدي.
يحيى شاف وشي اتغير.
”في حاجة؟”
”اتحركت.”
عينه وسعت: “هي؟”
”السونار أكدلي إمبارح إنها بنت.”
”مبروك يا ندى.”
ساب إيده جنبه.
استوعبت إنه مستني يشوف لو هسمحله يشاركني اللحظة.
أخدت كفه وحطيتها على بطني.
نور ما عملتش حاجة.
”أخدت المواعيد الغلط من دلوقت،” قال.
وبعدين خبطت.
يحيى نفسه اتقطع.
وشه اتملا بانبهار حقيقي لدرجة إنها خلتني أبص الناحية الثانية.
في المسا، طرد وصل من غير عنوان راجع.
جواه كان شراب البيبي الأوف وايت اللي سبته على مكتبي، محطوط في كيس أدلة شفاف.
ورقة مكتوبة بالكمبيوتر:
أغراض العيلة المفروض ترجع لصحابها.
وقعت الطرد.
فريدة اتعاملت معاه كـ خرق لقرار عدم التعرض وبعتته للشرطة. محامي شريف ادعى إن سكرتيرة بعتت حاجات شخصية بالخطأ. الشرطة ماقدرتش تثبت مين كتب الورقة.
الصبح، صفحة “ورد وزهور” على النت املت تقييمات بنجمة واحدة بتوصف حاجة نور إنها خطافة وبتوصفني إني حرامية. مورد لغى التعامل. وحي الفيوم جه يعمل معاينة بعد بلاغات كاذبة عن الأوضة والورشة.
شريف كان بيكبس على كل مكان بيئويني.
”المفروض أنقل شقة ثانية،” قلت لحاجة نور.
خبطت السبت في الأرض: “بطل تقديم انتصارات هو ما تعبش فيها.”
”الموضوع مش عني بس.”
”صح. الموضوع عن هل الأغنية المؤذين هم اللي يقرروا أنهي محلات تفضل مفتوحة.”
يحيى قضا يومين بيظبط تراخيص ويركب باب طوارئ زيادة. الزباين بتوع القرية والناس اللي عارفانا ملوا الصفحة بتقييمات حقيقية. المخبز بعتلنا غدا. وصاحب أوتيل قريب طلب ورد لست شهور قدام.
الناس اللي ماكانتش تعرف قصتي الكاملة عرفت إن ده أذى لما شافوا الضغط حوالينا.
شريف كان دايماً يقولي الناس بتحب النجاح وبتعاقب الضعف.
تونس علمتني إن الناس بتعرف الجدعنة من شكل الضغط اللي على صاحبها.
في الأسبوع الـ ٢١، جالي إيميل من عنوان حروفه متلخبطة.
عنوان الرسالة:
أنا كدبت. وهو خاف يعرفك ليه.
الرسالة مافيهاش سلام.
شريف بيقول إنه هيدمرني لو اتكلمت معاكي. هو عمل شركات باسمي. أنا مَضيت الإقرار لأنه قال إني هروح السجن بسبب تحويلاته. أنا معايا الرسايل الأصلية. محتاجة أقول الحقيقة قبل ما يقرر إني أصلح أكون الجانية.
كانت متوقعة: سارة.
فريدة رتبت مقابلة في مكتب محاماة في الجيزة، بعيد عن أماكن شريف.
كنت هرفض أروح.
كنت عايزة سارة تتعاقب. كنت عايزة أسيبها في ذاكرتي كـ الست اللي كانت تحت ملايتي. التعقيد كان تحسيه رحمة هي ما تستاهلهاش.
د. هناء سألتني أنا عايزة إيه أكتر.
”الانتقام من سارة ولا الحقيقة عن شريف؟”
”الأثنين.”
”لو تقدري تاخدي الحقيقة بس؟”
كرهت الإجابة قبل ما أقولها.
”الحقيقة.”
سارة دخلت أوضة الاجتماع لابسة كاب ومن غير ميك أب. كانت باينة أصغر من ٢٧ سنة. فريدة قعدت جنبي. ومحامية سارة قعدت جنبها. ماحدش سلم بالأحضان.
”أنا آسفة،” سارة قالت.
”ما تبدأيش بجملة معمول عشان تخليكي تحسي أحسن.”
اتخضت: “تمام.”
”قوليلي إيه اللي حصل.”
شريف كان بدأ يطاردها من تسع شهور. قالها إن جوازنا بقى مجرد شغل وإننا بننام في أوض جدا. ووعدها إنه هينفصل بعد مشروع الأوتيل الكبير. لما قفشتهم، أمرها تسكت، وقضا الليل يقنعها إني مش متزنة وممكن أضر شغلها.
”أنتِ شفتيه وهو ماسكني.”
”أه.”
”سمعتيني وأنا بسأل من إمتى.”
”أه.”
”جاوبتي.”
عينها اتملا دموع: “أه.”
”وبعدين مضيتي إقرار إن إني اتخيلت ده.”
”وراني تحويلات لشركات باسمي. أنا ماكنتش اعرف إنها موجودة. قال إن التوقيعات شبه توقيعي وإن لو خالفته، هيبلغ النيابة إني عملت الشركات دي. وقال إنك سرقتي أوراق عشان تلبسينا إحنا الاثنين.”
سارة فتحت اللابتوب. محاميتها عرضت رسايل شريف بيكلمها فيها تنكر الخيانة، وتمسح محادثاتهم، وتوصفني إني أسلوبيعة وعنيفة. شات ثاني ورّاه وهو بيطلب منها نموذج توقيع عشان المرتبات من شهور.
تسجيل صوتي جابه وهو بيقول: (حمل ندى بيدينا وقت. أول ما تبان إنها مش متزنة، ماحدش يسأل ليه حميت الشركة).
الأوضة لفت بيا.
”هو كان عارف بالحمل قبلي،” قلت.
سارة هزت راسها: “شاف إشعار التحليل على حساب التأمين.”
”قال لي الحمل ممكن يلخبط خططنا.”
”خططنا؟”
وشها انهار: “قال لي إنه هيسيبك.”
قسوة الخيانة بقت فجأة أصغر من اللعبة اللي حواليها.
شريف ما خننيش بس مع سارة.
هو بنى سيستم محتاج الستين يشكوا في بعض وهو بيحط تحويلات مزورة تحت أسمائنا.
فريدة طلبت من سارة توثق كل رسالة وتسلم أجهزتها. سارة وافقت تعدل شهادتها وتتعاون مع الخبير المحايد.
قبل ما نمشي، اتكلمت تاني.
”في حاجة ثانية.”
وقفت عند الباب.
”عقد التنازل اللي شريف قدمه. الورقة اللي بتقول إنك بعتي حصتك. أنا شفت الأستاذ حسين بيتخانق معاه بسببها قبل الججلسة بتلات أيام. حسين كان بيصرخ ويقول: ‘أنا وافقت أخوفها، مش أغرق نفسي.’ شريف قاله إن ختم الشهر العقاري بيخليهم هما الأثنين ما يتقربلهمش.”
صوت فريدة شد: “تسبتي ده تحت اليمين؟”
”أه.”
في الجراج، ساندت على عربية فريدة وأخدت نفس من الجو البارد لحد ما نظري جلي. تحول سارة كان المفروض يحسسني بالنجاة. بس بداله، كسر وجع أعمق. أنا قضيت شهور بتساءل ليه ماكنتش كفاية لجوزي.
الحقيقة كانت أوحش بس مريحة بشكل غريب.
الحب ماكانش هو المنافسة.
شريف ما اختارش سارة عليا.
هو اختار السيطرة علينا إحنا الاثنين.
موبايل فريدة رن قبل ما نوصل للدائري. سمعت من غير ما تتكلم، كتبت اسم على الأجندة، وبصتلي.
”ده كان محامي الأستاذ حسين.”
”عايز إيه؟”
”عايز تسوية أو حماية.”
”من مين؟”
”من شريف.”
حسين طلب جلسة سرية مع النيابة. ادعى إن شريف استخدم صلاحياته عشان يحول ۲.۳ مليون جنيه لشركات وهمية، وزور توقيعات، وهدده بإنه يكشف تهرب ضريبي قديم لحسين لو رفض يوثق عقد البيع بتاعي.
الصاحب اللي ساعد شريف يمسحني كان بيجهز يثبت إن شريف حاول يمسحه هو كمان.
فريدة حذرتني ما أتلخبطش بين تعاون حسين وشجاعته.
”هو بيحمي نفسه،” قالت. “الشهود المفيذين مش شرط يكونوا ناس طيبين.”
حسين سلم نسخ السيرفرات، وتعليمات البنك، والرسايل اللي شريف افتكر إنه مسحها. السجلات أظهرت إن شريف عمل عقد التنازل بعد تسع أيام من مشيي من القاهرة، وأرّخه بتاريخ قديم، ونقل توقيعي من وثيقة تأمين قديمة.
حسين حط ختمه.
اسم سارة ظهر على شركتين وهميتين.
واسمي ظهر على أربعة.
صلاحيات حسين هي اللي أمنت التحويلات الكبيرة.
الخبير المالي المحايد أكد النمط. النيابة فتحت تحقيق رسمي في تزوير واستيلاء، ونقابة المهندسين بدأت تراجع ملف شريف المهني.
فريدة كانت بتفكرني إن التحقيق مش حكم. شريف لسه معاه فلوس، ومحامين، وقدرة على التعطيل.
وكان عنده كمان موهبة إنه يلاقي أكتر مكان حنين ويضغط عليه.
أمي جت محل حاجة نور في يوم مطرة من غير ما تتصل.
من الشباك، شفتها واقفة تحت شمسية، ماسكة الشنطة الجلد اللي معاها من وأنا صغيرة. جسمي اتشد.
حاجة نور استنت قراري.
”الباب هيفضل مقفول إلا لو قولتي غير كده.”
فتحت الباب.
أمي كانت باينة أصغر مما بفتكر. ما مدتش إيدها لي.
”أنا كنت غلطانة،” قالت.
”في أنهي جزء؟”
الدموع طلعت في عينها: “في إني افتكرت إن الخوف والقلق دايماً حب.”
كانت راحت الشقة بعد ما شريف طلب منها تساعده يعمل محاولة لترجيعي. وهو بيكلم في التليفون، شافت إيميلات مطبوعة على مكتبه بتوصف إزاي يستغل حملي كدليل على عدم اتزاني النفسي. ورسالة بتطلب منها تقول إني بيجيلي حالات هلاوس من صغري.
”كان عايزني أمضي عليها،” قالت. “قال إن ده هيساعد القاضي يرجعك البيت.”
”مضيتي؟”
”لا.”
فتحت شنطتها وطلعت صورة بابا المتبرقعة من الشقة، الصورة اللي شريف شالها قبل تصوير المجلة. مسكتها في حضنها بدل ما تقدمها كدليل.
”أنا قضيت جوازي أقول لنفسي إن غيرة أباكي كانت معناه إنه بيحبني،” قالت. “لما شريف كان بيحسسني إنه يتملكك، عرفت اللغة دي وسميتها حنية. أنا علمتك الترجمة الغلط.”
كنت عايزة اعتذار واحد يصلح كل حاجة.
ما حصلش.
الثقة مش باب بيتفتح بجملة صح.
”تقدري تقعدي في لوكاندة صغيرة هنا النهاردة،” قلت. “ونفطر بكرة سوا. ده اللي أقدر أقدمه.”
هزت راسها: “موافقة.”
الجلسة الرئيسية اتعملت وأنا في الأسبوع الـ ٢٩.
رجعت القاهرة لابسة فستان حمل نبيتي حاجة نور ظبطتهولي. فريدة قعدت على يميني. والأخصائية قعدت ورا. يحيى كان وصلني بس استنى برة المحكمة لحد ما طلب منه يدخل.
شريف دخل مع محامين اثنين. بدلت نظيفة جداً. وشه كان أرفع، بس الثقة كانت رجعتله لما شافني.
في الاستراحة، قرب من الشريط المخصص للمحامين.
”ندى، السيرك ده بيضر الشركة اللي أباكي ساهم في بناها.”
”أنت سرقت منها.”
”حسين اللي سرق. وسارة كدبت. بيستخدموكي عشان ينقذوا نفسهم.”
”هما مسؤولين عن اللي عملوه.”
قرب أكتر: “وأنتِ؟ نسختي ملفات. واختفيتي. ووقفتي الغرباء ضد أب ابنك.”
النغمة القديمة كانت لسه موجودة.
اتهام.
لخبطة.
عرض إنقاذ بتمن.
”أنا ما وقفتهمش ضدك،” قلت. “أنا بس بطلت أقف بينك وبين نتائج أفعالك.”
فكه اتشد: “فاكرة إن النجار ده هيعوزك لما الموضوع يبقى عادي؟ طفل بيعيط، ومصاريف قضية، ومافيش صحافة. الرجالة اللي زيه بيحبوا يعيشوا دور المنقذ. بيمشوا لما الجرح يلم.”
يحيى كان واقف على بعد خطوات. سمع كل كلمة.
ما أخدش خطوة لقدام.
بصيت في عين شريف: “حتى لو يحيى اختفى بكرة، أنا عمرها ما هرجعلك. أنت لسه فاكر إن لازم راجل ثاني يملك الباب قبل ما يتسمحلي أخرج منه.”
الحاجب قال لشريف يرجع لورا.
جوة القاعة، سارة عدلت شهادتها. محامي شريف هاجم أخلاقها وطموحها. اعترفت بـ كل حقيقة بيخة من غير ما تخليه يغير الحقيقة المركزية.
”أه، نمت مع راجل متجوز،” قالت. “لا، ندى ما اتخيلتش ده. لا، هي ما هجمتش علينا. شريف مسك إيدها، وهددها، وبعدين أمرني أكدب.”
الخبير المالي شرح التحويلات والتوقيعات المزورة. الخبير المحايد أكد البيانات المخفية. والدكتور النفسي اعترف في الاستجواب إنه كتب آرائه بناءً على كلام شريف بس وعمره ما قال لشريف إن الآراء دي تنفع للوصاية.
وبعدين حسين دخل.
وش شريف اتغير قبل ما حسين يحلف اليمين.
ماكانش خوف.
كان تحسيه خيانة.
كأن أكبر ذنب عمله حسين إنه رفض يفضل مفيد.
حسين اعترف إنه وثق توقيع ما شافوش. واعترف إنه طنش شركات مشبوهة وأخد فلوس من التحويلات دي. وبعدين فريدة عرضت رسالة شريف بعتها بعد ما مشيت:
(أرّخ العقد بتاريخ قديم. ندى عاطفية كفاية إنها تطعن، بس متلخبطة كفاية إنها تخسر).
رسالة ثانية ظهرت:
(أول ما البيبي يجي، ضغط الحضانة هيجيبها للترابيزة).
القاعة سكتت.
شريف بص للشاشة كأن الكلام مكتوب بـ إيد عدو لابس اسمه.
المحامي طلب استراحة.
القاضية رفضت.
لما أنا شهدت، فريدة ما طلبتش مني أعمل قوية. سألتني لقيت شريف فين، وعمل إيه لما حاولت أمشي، وليه نسخت الملفات، وتهديداته خلتني أصدق إيه.
محامي شريف لمح إني بقيت متعلقة عاطفياً بـ يحيى وعملت ادعاءات عشان أداري على خيانة مني.
”هل كان في علاقة مع أستاذ يحيى؟” سأل.
”لا.”
”بتحبيه؟”
فريدة اعترضت.
القاضية قبلت الاعتراض.
المحامي حاول تاني: “هل أستاذ يحيى أثر على قرارك بعدم الرجوع لجوزك؟”
”لا.”
”أومال إيه اللي أثر عليه؟”
بصيت لشريف: “جوزي هو اللي أثر.”
القاضية حكمت إن عقد التنازل مش حقيقي وحولت التزوير للنيابة العامة. وحافظت على قرار عدم التعرض، ورجعتلي حقوقي كـ مساهم في الشركة للقضية المدنية، ورفضت كل الادعاءات بـ الوصاية أو الكشف الإجباري. ولأن البيبي ماكانش اتولد، ما أصدرتش قرارات حضانة، بس قالت إن تهديدات شريف واستغلاله للملفات الطبية هترجع في أي قضية حضانة مستقبلية.
برة، الصحفيين اتجمعوا قدام المحكمة.
فريدة نصحتني ما أقولش حاجة.
شريف طلع ورانا.
صحفي سأله لو كان استخدم طفل لسه ما اتولدش كـ ضغط مالي.
لسنين، شريف كان بيعرف يطلع إجابة حلوة لأي سؤال.
بعد الظهر ده، مافيش إجابة جت.
مجلس إدارة “الألفي للتصميمات” وقف شريف عن العمل خلال ٤٨ ساعة. العملا الكبار وقفوا العقود. حسين استقال وبعدين اتسحبت منه رخصة التوثيق وشغله. سارة عملت تسوية وسبت الشركة. أنا ما بقيتش صاحبتها. كتبت بيان بيدعم الظروف اللي اتعرضت لها بس رافض يعفيها من الأذى اللي اختارته.
الرحمة، اتعلمت، مش محتاجة أعمل نفسي ما شفتش الس/كينة.
شريف خرق قرار عدم التعرض بعد ثلاث أسابيع بـ إنه بعت تعليمات عن طريق أمي. أمي بعتت الرسالة لـ فريدة من غير ما ترد عليه.
التصرف ده ما رجعش كل الثقة.
بس حط طوبة.
في الأسبوع الـ ٣٤، النيابة أعلنت اتهامات تزوير، واستيلاء، وتزييف أوراق رسمية. شريف قال إنه مش أذنب وقال إنها مؤامرة. شروط الكفالة منعت اختلاطه بالشهود، وبيا.
ولأول مرة من ساعة ما مشيت، السكوت جه من غير مجهود.
استخدمت حقوقي في التصويت مع أعضاء المجلس المتبقين عشان نشيل اسم “الألفي” من الشركة. بقينا “مكتب ندى للترميم والتصميم”. ما رجعتش القاهرة دوام كامل. فريق إدارة جديد ظبط المشاريع، ورجع الفولس المتأثرة من التأمين، وقدم للموظفين استشارات مستقلة.
حصتي الـ ٣٥٪ بقت ضغط للحقوق بدل ما تكون سلسلة ربطاني بـ شريف.
تسوية الطلاق اتمضت بعد ۱۱ شهر من يوم ما لقيته في سريري. احتفظت بـ ملكيتي. واستثمار بابا اتعترف بيه رسمياً، وشريف تنازل عن أي مطالبات في أرباحي المستقبلية. وأنا تنازلت عن أي حاجة تخص ورثه. وما كانش فيه بند سرية يمنعني أتوصف الأذى أو أتعاون مع النيابة.
بنتنا، “نور”، اتولدت قبل الحكم النهائي في يوم من أيام يونيه بعد ۱۷ ساعة ولادة. حاجة نور كانت على شمالي. أمي كانت على يميني. ويحيى كان مستني برة لحد ما النيرس نادته.
لما النيرس حطت نور على صدري، فتحت عينين سودا وطلعت صوت زعيق كبير أوي على جسمها الصغير.
ضحكت لحد ما عيطت.
شريف طلب رؤية بإشراف من مكتب محاميه. المحكمة طلبت تقييم بناءً على أوراق حقيقية، مش الملف الفبركة اللي كان عملهولي. ولحد ما قضية الجنايات تخلص ونور بيبي، المحكمة سمحت بس بزيارات تحت الإشراف في مركز محدد.
هو فوّت أول ميعادين وقال إنها ظروف شغل.
أنا وثقت كل حاجة ورفضت أحول غيابه لقصة نور تكبر تكره نفسها بسببها.
”هي هتعرف الحقيقة بـ حتت تناسب سنها،” د. هناء قالتلي. “الهدف مش إننا نخليها تكرهه. الهدف إننا نضمن إنها عمرها ما تلخبط بين اختياراته وبين قيمتها.”
يحيى خلص السرير اللي كان بدأ يعمل كـ تدريب. حفر فروع شجر صغيرة على الخشب وما دهنش حاجة، ساب الخشب بلونه. ركبه في أوضتي وأنا ماسكة نور جنب الشباك.
”مش لازم تفضل عشان عملت السرير،” قلتله.
”عارف.”
”مش لازم تنقذنا.”
”عارف دي كمان.”
”أنا مش هقدر أوعدك إني أثق بسهولة.”
بصلي بنفس الصبر اللي كان عنده على السلم ورا.
”أنا مش بطلب وعد عن خط النهاية. أنا بسأل لو أقدر أخدك نفطر يوم السبت.”
”نور هتيجي معانا.”
”أنا افترضت إن هي اللي بتمشي المواعيد.”
أول خروجة لينا استمرت ٤٣ دقيقة.
نور قشطت على قميصه قبل ما القهوة تيجي.
يحيى بص للبقعة وقال: “أخيراً، تقييم صريح.”
ضحكت بطريقة ما بقتش توجع.
شريف في الآخر أقر بذنبه في تهم مخففة بعد ما أوراق حسين ورسايل سارة اتقبلت. أخد حكم بسجن، ومطالبات رد فلوس، وحظر لسنين من إدارة أموال عملا. والنقابة سحبت رخصته.
النتيجة ما رجعتش السنين اللي قضيتها بشك في نفسي.
العدل ماكانش مكنة بترجع اللي أتاخد.
كان بس اللحظة اللي العواقب بطلت تطلب من الضحية تشيلها.
حاجة نور عرضت تبيعلي “ورد وزهور” لما قررت تقلل ساعات شغلها.
بدل كده، عملنا شراكة.
أنا جبت عملا ومواسم وسيستم شغل. وهي فضلت مسؤولة عن الفن ولونها. يحيى حول الأوضة فوق لـ ستوديو تصميم بقيت أشتغل منه لأوتيل معينة من غير ما أرجع للحياة اللي شريف كان بيفصلها لي.
أمي بقت بتزورنا مرتين في الشهر.
بنينا تاني بالراحة.
اعتذرت بأفعالها: احترمت الأبواب المقفولة، وبقت بتسأل قبل ما تقول أخبار، ورفضت تخلي حدودي حجة للمسامحة.
في الذكرى الثانية لـ وصولي الفيوم، لقيت صفحة الأجندة المبلولة بمية المحطة. نور كانت نايمة على كتفي. تحت، حاجة نور كانت بتتخانق مع مورد على أسعار الورد. ويحيى كان بينعم ترابيزة في الجنينة، ونور العصاري كانت مالية الأوضة اللي كان مأجرها لـ واحدة غريبة.
قريت الجملة اللي كتبتها وأنا فاكرة إني بهرب من غير مكان أروحه:
أنا مخسرتش جوازتي النهاردة.. أنا لقيت الباب اللي يخرجني منها.
وتحتها، أضفت سطر أخير:
الخروج ماكانش اللحظة اللي بقيت فيها من غير خوف.. كان اللحظة اللي الخوف بطل ياخد فيها الصوت الوحيد.
نور اتحركت، ومسكت صباعي بإيدها الصغير، وفتحت عينها.
طول جوازي، شريف كان بيوصف البيت إنه حاجة هو بناها.
رخام.
إزاز.
مساحة.
عنوان يبهر الغرباء.
كان غلطان.
البيت كان الأوضة اللي ماحدش طلب مني أختفي فيها كـ شرط لإني أفضل موجودة.
كان المحل اللي الفروع المكسورة لسه بتشرب فيه مية، والجنينة اللي الخشب القديم بقى مفيد فيها تاني، والسرير الممعمول بـ إيد صبورة، والمفتاح اللي حاجة نور حطته جنب كوباية مية، والحياة اللي لقيتها بعد ما راجل سمى نفسه مهندس حاول يحول وجودي لـ ورقة يقدر يرّخها بتاريخ قديم ويمضيها.
شريف كان بيصمم بيوت لناس عايزه جمال من غير ما تسأل الأمان بيكلف إيه.
أنا اتعلمت إن الأمان مش رخام، ولا إزاز، ولا سكوت.
الأمان كان باب مقفول أنا بس اللي بختار أفتحه.
وشاهد بيقول الحقيقة.
وطفل نبض قلبه ما يخصش خطة حد.
وست واقفة في أوضة صغيرة فوق محل ورد، فاهمة أخيراً إن المشي ماكانش هدم لـ بيتها.
كان أول أساس نظيف وحقيقي تحطه في حياتها كلها.