الكرسي

الجزء الأول

​—”الكرسي ده ميعتبش سفرتي تاني.. أظن كلامي واضح؟”

​صوت نادين كسر هدوء الصالة زي الموس.. السفرة كانت مفروشة لتمان تنفار، كاسات بلور، ورد أبيض لسه جافينه، وعشا يتكلف مرتب سنة لواحد من الشغالين. بس الوحيدة اللي ملهالاش مكان كانت الحجة فاطمة، أم جوزها.

​رضوى، الطباخة الجديدة، مسكت ضهر الكرسي المتحرك بإيدها وماتحركتش خطوة لورا:

—”بس الست الكبيرة هي اللي طلبت تعود تأكل هنا.”

​ردت نادين وهي بتخبط الشوكة بالراحة على طبق الصيني:

—”الست الكبيرة بقت تخرف وما بقتش عارفة هي بتقول إيه.. خديها على أوضتها.”

​الحجة فاطمة وّتت رأسها في الأرض. كان عندها تمانية وثمانين سنة، ومن حوالي تلت شهور تقريباً وهي مش بتمس الأكل. ابنها، شريف الألفي، صاحب شركة مقاولات كبيرة ولها مشاريع في التجمع، العاصمة الإدارية، وإسكندرية، جابلها سبع دكاترة استشاريين.. ولا واحد فيهم عرف يوصل لسبب طبي يفسر ليه أمه بتدبل وتتطفي يوم عن يوم بالشكل ده.

​ونادين كانت دايماً بتقول نفس الجملة:

—”ده السن يا شريف.. لازم نرضى بقضاء ربنا.”

​رضوى كان بقالها أربعة وعشرين يوم بس شغالة في الفيلا دي في التجمع الخامس، بس لمحت حاجة محدش من الدكاترة كتبها في تقاريره: الحجة فاطمة مش مريضة.. الحجة فاطمة عمالين يمسحوا وجودها بالبطيء.

​عشان كده، رضوى عملتلها النهاردة صينية كشك بالفرخ وفطير مشلتت زاي اللي كانت بتحبه زمان في بلدها في الشرقية. أول ما قربت الطبق منها، ريحة السمنة البلدي مع الطشة ملأت الصالة.

​إيد الحجة فاطمة كانت بترعش وهي بتمسك المعلقة.. أخدت أول معلقة.. وبعدين الثانية.

​عينيها دمعت، وبصت لنادين وقالت بصوت جاف:

—” بقالي أكتر من سنة ممنوعة أقعد على السفرة دي.”

​في اللحظة دي، باب الفيلا الرئيسي اتفتح.

​دخل شريف، شال البلازر على دراعه وماسك ملف عقود تحت إبطه. اتسمر مكانه لما شاف أمه قاعدة على السفرة وبتاكل بنفس مفتوحة بقاله شهور مشافهاش.

​—”إيه اللي بيحصل هنا؟”

​نادين قامت من مكانها على طول:

—”أمك متلخبطة يا شريف.. ورضوى الطباخة اتصرفت من دماغها وزودتها أوي.”

​بس الست الكبيرة مبصتش لنادين، بصت لابنها وقالت:

—”أنا مش متلخبطة يا شريف.. أنا موجوعة ومكسورة.”

​السكوت كان تقيل لدرجة إن السواق اللي كان داخل بشنطة الهدوم وقف مكانوش ومقدرش يتحرك.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *