حماتي ضربتني

حصري لصفحة روايات رولا
حماتي ضربتني عشان رفضت أديلها باسورد وكود حساب البنك، وجوزي بدل ما يسألني لو كنت اتأذيت أو جرى لي حاجة، أمرني أروح أعتذر لها وأبوس رأسها. في الليلة دي فتحت ملف المراجعة المالية اللي بقالي شهور مخلياه في السر، ولقيت إمضته في مكان عمره ما كان المفروض يبان فيه.
​أول مرة نادية السعيد تمد إيدها عليّ، ما رفعتش صوتها خالص.
​قفلت باب شقتي في المعادي، حطت شنطتها على رخامة المطبخ، ومدت إيدها بثبات:
— هاتي كود الحساب البنكي.
​كانت الساعة سبعة وعشرة الصبح. أنا كنت لسه راجعة من شغل ليلي ومراجعة ميزانية مهدودة.
— حساب إيه؟
— حساب الاستثمار.. شريف قال لي إنك غيرتي الباسورد وما بقاش عارف يدخل.
​الحساب ده كان باسمي أنا وشريف، بس كل جنيه فيه تقريبًا كان من تعبي وشغلي. على مدار ست سنين، نادية ما سابتش حاجة ما اتكلمتش فيها: مصاريف إجازاتنا، مواعيد شغلي، أنا بساعد أمي بكام، وحتى هل يصح ست متجوزة تسافر المحافظات لوحدها عشان الشغل.
​كنت بسكت وبفوت عشان أعدي المراكب وسائر الأيام.
​بس الصبح ده.. لأ.
​— حضرتك مالكيش دعوة بحساب بيني وبين جوزي.
نادية مالت برأسها وجمعت حواجبها:
— اللي حيلته ابني يبقى ملك لعيلته كلها.
— خلاص، اطلبيه منه هو.
​القلم نزل على وشي قبل ما ألحق أرمش حتى.
​وبعدها مسكتني من معصم إيدي بقوة:
— من يوم ما دخلتي البيت ده وأنتِ فاكرة نفسك أذكى مننا كلنا!
— أوعي إيدك.. سيبي!
​حاولت أزقها وأبعد، فزقتني بغل. جنبي خبط في حرف نيش الصالون، وفازة الكريستال اترمى أثرها على الأرض وتدششت. نفسي اتقطع من الوجع.
​بصت نادية للفازة المتكسرة على الأرض بكل برود:
— بصي خليتيني أعمل إيه.. انتِ اللي اضطرتيني!
​مسكت تليفوني من على الترابيزة ورزعته قدامي:
— هتتصلي تقوليله إنك اتكعبلتي ووقعتي.. وبعدها هتيجي لحد عندي تعتذري لي.
​قمت بالعافية وأنا سانة ضهري على الحيطة:
— اترمي بره بيتي.
​الشقة دي كانت ملكي، كاتبها والدي باسمي قبل ما أعرف شريف بـ 3 سنين.
​نادية سحبت شنطتها وقالت عند الباب:
— أما يرجع ابني، هتعرفي مقامك كويس وتندمي على الطريقة دي.
​ومشيت.
​سوقت بال بالعافية لحد مستشفى في التجمع. في العيادة الخارجية، الدكتورة بصت لوشي وسألتني بالتفصيل إيه اللي حصل.
​طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن السكوت بيحمي البيوت، بس الصبح ده فهمت إن السكوت هو اللي بيخربها ويهدها على رأس صاحبها.
​— حماتي ضربتني وزقتني جامد.
​الممرضة والأخصائية وثقوا كل حاجة: الكدمة المزرقة في وشي، معصم إيدي الملوح والمورم، والشرخ اللي في أضلاعي. كتبوا التقرير وشرحوا لي إزاي أعمل محضر في القسم وأطلب عدم تعرض.
​شريف كان وقتها في العاشر من رمضان، في اجتماع مع موردين شركة “السعيد للإنشاءات” — شركة عيلتهم.
​طلبت رقم أنس تلات مرات.
ما ردش.
​الساعة عشرة وثمانية عشر دقيقة، وصلني منه مسج:
“امي حكت لي اللي حصل. بتقول إنك قيلتي أدبك عليها.”
​وبعدها ب دقيقة:
“مش عايزين فضايح ولمي الموضوع.”
​ودقيقة كمان:
“السبت الجاي عزومة العيلة الكبيرة بمناسبة السنوية. هتروحي المحضر ده تتنازلي عنه فورًا، والنهاردة تكوني عندها تبوسي على رأسها وتعتذري.”
​قريت الكلام تلات مرات.
ما سألش: انتِ فين؟
ما سألش: جرى لك حاجة؟ اتعورتي؟
كل اللي شاغل باله عزومة السبت ووجاهة العيلة.
​طول عمرهم كانوا بيقنعوني إن شريف مزقوق ومزحوم بين أمه المتسلطة ومراته اللي مش صابرة، بس الحقيقة كانت أبسط من كده بكثير.
​كل مرة كان بيقول لي فيها “كبري عقلك وعديها”، كان بيبقى أخد صفها واختار خلاص.
​رديت عليه بكلمتين:
“تمام.. أنا هعرف أتصرف وأحلها.”
​بعت لي إيموجي (لايك) وما كلفش نفسه يتصل.
​على الضهر خرجت من المستشفى بالتقرير الطبي: جزع في المعصم، وتجمع دموي وشبه شرخ في الأضلاع.
​ما طلعتش على بيت نادية.
طلعت على مكتبي.
​أنا عندي أربعة وتلاتين سنة، شغالة محاسبة قانونية ومراجعة مخاطر مالية. من 8 شهور، شريف كان طلب مني ألقي بصة “ودية” على دفاتر شركة “السعيد” عشان البنك كان عامل مشاكل ووقف تسهيلات.
قال لي وقتها: “بس بصة سريعة أكدي لي إن الدنيا نظيفة ومافيهاش لغط.”
​الدنيا ما كانتش نظيفة خالص.
​لقيت تلات شركات توريدات وهمية بياخدوا مناقصات، ومقيدين على نفس العنوان في العتبة، وفواتير لخدمات مالهاش أي وجود، ومبالغ بتتقسم لمبالغ صغيرة عشان تهرب من التوقيع المزدوج.
​في الأول افتكرت إن نادية هي اللي بتلعب بالفلوس من ورا الكل.
بعدها لقيت إيميلات من شريف هو اللي بيمشي كل العك ده ويوافق عليه.
​وبعدها لقيت المصيبة الأكبر.
​في ملف مبعوت للبنك عشان القرض الجديد، شريف كان كاتب نصًا:
“تمت المراجعة والتدقيق بواسطة المحاسبة القانونية: فريدة الألفي، ولا يوجد أي ملاحظات.”
​استغل اسمي، ومهنتي، وسمعتي اللي بنيتها بشقايا، عشان ينصب على البنك ويطمنهم!
المبلغ اللي كان متغطي باسمي عدى الـ 4.2 مليون جنيه.
​بقالى شهور شايلة النسخ، والإيميلات، والمستندات في كارت ميموري مشفر بعيد عن شبكة الشركة. ما رضيتش أتكلم وقتها لأني كنت لسه هبيلة وبفكر إزاي أحلها معاه من غير ما أخرب بيته.
​بس وأنا قاعدة على مكتبي، وإيدي ملفوفة بالرباط الضاغط، فتحت الفولدر الأساسي.
لأول مرة ما فكرتش فيه كزوج.. فكرت فيه كواحد بلبسني قض\ية توديني في داهية وتضيع شغلي وعمري.
​كلمت المحامية بتاعتي.
وبعدها كلمت الأستاذة إلهام، العضو المستقل الوحيد في مجلس إدارة شركة “السعيد”.
​— محتاجة أقابلك ضروري النهاردة.
— خير يا فريدة؟ الموضوع خطر؟
​بصيت للتقرير الطبي وللملف المفتوح قدامي:
— خطر أكتر ملي كنت متخيلة.. وأكتر ما أتحمل.
​الساعة أربعة العصر، نزلت الشقة في المعادي ومعايا أختي وظابط أمن إداري من مكتبي. لميت هدومي، ورقي، أدويني، ولاب توبي في شنطتين.
​حطيت ميدالية مفاتيح شريف على ترابيزة الصالون.
وجنبها ورقة واحدة مطبوعة:
“تقرير المراجعة المالية المبدئي — شركة السعيد للإنشاءات”.
​وكتبت تحتها بخط إيدي:
“واستعملت اسمي وسمعتي كمان؟”
​نزلت وأخدت كل حاجة تخصني.
​الساعة ستة وواحد وأربعين دقيقة، التليفون بدأ يتهز على الكنبة.
شريف وصل الشقة.
​على الساعة سبعة، كان عندي 19 مكالمة فائتة.
​وبعدها وصلني منه مسج يرعش:
“فريدة.. قولي لي إنك مابعتيش الملحق رقم 7 لأي حد.. انتِ هتروديني في داهية!”
الجزء الثاني
​الساعة سبعة وناشر دقيقة رديت عليه.
— عملتي إيه؟ —سألني شريف بصوت متوتر.
— عملت اللي عمرك ما فكرت تعمله.. راجعت كل حاجة ودققت فيها.
— بعتي التقرير لمين؟
— للجهة اللي كان لازم تشوفه من الأول.
تنفس بعمق وقال:
— أمي بتقول إن دي مصاريف شرعية ومشروعة للشركة.
— يبقى المراجعة المالية والتدقيق هما اللي يثبتوا الكلام ده.
​أخد نفس أعمق وقال بنبرة حدة:
— انتِ مش فاهمة الشركات العائلية بتدار إزاي!
— دي مشكلتك الكبيرة.. افتكرت إني لما بطلت أجادل، بطلت أفهم وافهم اللعب.
— لما أرجع القاهرة نقعد ونصلح كل حاجة.
— أنا كنت في المستشفى بنزف ومكسورة، وانت كل اللي كان هامك إني أحمي عزومة السبت!
— ما كنتش أعرف إنك اتأذيتي جامد كده!
— عشان عمرك ما سألت أصلًا!
​ساد صمت تقيل، وبعدها قال بصوت واطي ومذعور:
— قولي لي إنك مابعتيش الملحق رقم 7 للبنك…
الملحق 7 ده كان الملف اللي حشر فيه اسمي وادّعى إني راجعت العمليات بنفسي.
— دلوقت بس بقيت خايف وقلقان من اللي عملوه فيّ؟
​قفلت السكة في وشي.
​في الليلة دي، المحامية بتاعتي بدأت إجراءات المحضر وعدم التعرض، ورسميًا بدأنا خطوات الانفصال. في نفس الوقت، الأستاذة إلهام دعت لاجتماع طارئ لمجلس الإدارة. ما طلبتش منهم يصدقوني بالكلام، حطت قدامهم الفواتير، الإيميلات، المعاملات البنكية، وخطوط سير التحويلات.
​تاني يوم الصبح، مكتب مراجعة خارجي استلم الشركة، وشريف ونادية اترفعت إيديهم مؤقتًا عن أي توقيعات أو مصاريف استثنائية.
ده كان بالنسبة لهم ألعن وأقسى من أي خناقة معايا.. لأنهم فقدوا السيطرة على مين بيسأل ومين بيفتش.
​على الضهر، طارق عبد المجيد، المدير الإداري، طلب يقابل إلهام، وسلم سكرين شوتس ورسايل حقيقية من جهازه:
“قسّم المبالغ.. مش عايز أي تحويل يعدي الحد الأقصى عشان ما يحتاجش توقيعين.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *