حماتي ضربتني

“فريدة ما تشوفش نسخة من الكلام ده خالص.”
ومسج أخير بإمضاء شريف:
“لو البنك سأل، قول لهم فريدة راجعت ورجعت كل حاجة بنفسها.”
​شريف ما كانش زوج مغلوب على أمره أو أمّه ممشياه.. شريف كان بيستغل اسمي وعمري بوعي كامل وقصد.
​بعدها بيومين، شريف ظهر تحت العمارة عند أختي في الشيخ زايد. الأمن منعوه يدخل، فنزلت له ومعايا جوز أختي.
— خمس دقائق بس يا فريدة.
— دقيقتين بالكتير.
— أمي اتجننت وعقلها طار.. أنا مش بدفع عنها والله!
— انت دافعت عنها ودست عليّ قبل ما تطمن حتى أنا بتنفس ولا مت!
— أنا غلطت.. غلطة وتعدي.
— دي ما كانتش غلطة واحدة.
​طلعت له صورة الإيميل اللي حاطط فيه اسمي للبنك.
وشه اتخطف ولونه اتغير:
— جبتي ده منين؟!
— من الملف اللي حضرتك كتبت فيه إني راجعته واعتمدته.
— أنا كنت محتاج البنك يفك التسهيلات والأئتمان بس، وكنا هنظبط كل حاجة بعدين!
— تزور باسمي وسمعتي؟!
— دي كانت مجرد شكليات!
— اسمي وشغلي وعمري مش شكليات يا شريف.
​حاول يقرب مني، فجوز أختي أخد خطوة لقدام، فشريف وقف مكانه.
— انتِ كده بتهدي بيوت وتشرّدي أكتر من أربعين عيلة شغالة في الشركة!
— اللي شرد العيلات وهد البيت هو اللي سرق الفلوس ونصب على البنك ولبسها لمراته!
— ممكن نرجع الفلوس ونقفل الموضوع!
— رجعوا الفلوس.
— يبقى توقفي التفتيش والمراجعة دي فورًا!
— اللعبة مش بإيدي خلاص.
​نبرة صوته اتغيرت وظهر على حقيقته:
— انتِ كمان ممكن تروحي في داهية.. اسمك مكتوب في الأوراق والورق ما بيرحمش!
وده كان شريف اللي أعرفه بجد: تهديد ووعيد مستخبين في شكل نصيحة.
— وعشان كده بالظبط أنا شايلة كل الإيميلات الأصلية والنسخ الموثقة بعيد عنكم.
​لفيت وطلعت.
​بعد تلات أيام، ظهر تحويل بنكي جديد ما كنتش شفته قبل كده. جزء من الفلوس دخل في حساب شركة “الأفق للاستثمار”، وشريف طلع هو المستفيد الخفي منها.
يعني ما كانش ببيحمي أمه نادية بس.. كان بيأمن نفسه وبيسرق لحسابه هو كمان.
​وكانت لسه فيه حقيقة ثانية مستنية تظهر.
تفريغ كاميرات العمارة في المعادي أثبت إن نادية دخلت شقتي لوحدها وقعدت أربعين دقيقة. والبنك أكد إن في نفس التوقيت، اتعملت تلات محاولات فاشلة للدخول على الحساب البنكي من تليفونها.
هي كانت جاية تاخد الكود والباسورد بالعافية.
كذبتها إني كنت جاية “أفض مجالس وأتكلم بالحسنى” اتدمرت كليًا.
​في الليلة دي، مسحت عزومة السنوية بتاعة عيلة السعيد من أجيندتي.
وفي الوقت اللي كانوا بيحاولوا يبرروا فيه غيابي قدام القرايب، كنت أنا بوقع على رفع دعوى الطلاق.
​شريف بعت لي من رقم غريب:
“لسه في أمل نصلح اللي اتكسر ونرجع.”
عملت له بلوك.
لأني أخيرًا فهمت.. هو ما كانش عايز ينقذ جوازنا، هو كان عايز يرجع الست الهبيلة اللي بتخلط بين الخضوع والاستحمال وبين الحب.
​لو جوزك استغل اسمك ومهنتك عشان يغطي على بلاويه، كنتِ هتديله فرصة يشرح ولا كنتِ هتسيبيه للحقيقة تأكله؟
​الجزء الأخير
​بعد ست شهور، دخلت جلسة التسوية والطلاق، وشفت شريف قاعد قدامي. كان فقد منصبه كمدير تنفيذي، وما بقاش يتكلم بالغرور واليقين بتوع زمان إن فيه حد دايماً هيلم وراه القذارة.
​المراجعة المالية أثبتت وجود 4.6 مليون جنيه معاملات بدون أي مستندات أو ورق رسمى. جزء منها قدروا يستردوه، وجزء تاني كان مربوط ب شركات نادية وشركة “الأفق”. مجلس الإدارة تفاوض مع الدائنين، وباعوا أصلين مش أساسيين في الشركة، وقدروا يمشوا شركة “السعيد” بإدارة جديدة ونظيفة.
الشركة ما أفلستش.
والموظفين حافظوا على أكل عيشهم.
اللي انهار فعلاً هو الكذبة اللي عاشوا فيها إن نادية وشريف ضحايا محاسبة حاقدة وعايزة تخرب بيوتهم.
الإيميلات كانت بالتوارايخ، التحويلات بمساراتها، والتوقيعات بالأسماء.
​محامي شريف قرا شروط الطلاق. أنا هتحفظ بشقتي بتاعة المعادي اللي شرياها من قبل الجواز، محدش يطالب التاني بأي حاجة تخص شغله، وشريف يشيل كل الديون والالتزامات المربوطة باستثماراته ويثبت تنازله عن إقحام اسمي في شركة “الأفق”.
​لما جه وقت الإمضاء، شريف ساب القلم على الترابيزة وبص لي:
— هي النهاية كده؟ بالبساطة دي؟
— النهاية كانت من ست شهور يا شريف.
— انتِ اليوم ده كنتِ غضبانة بس..
— اليوم ده أنا كنت مكسورة ومضروبة، وانت قررت إن المشكلة الوحيدة هي إن أمك ما تروحش العزومة متضايقة!
​وطّى صوته وقال:
— أمي هي اللي خربت بيتنا ودمرت حياتنا..
حسيت بحزن، مش عشان خسارته، بس لأنه لسه لحد النهاردة محتاج يشاور على شماعة ويرمي عليها غلطه.
— نادية ضربتني، وانت أمرتني أروح أعتذر لها وأبوس رأسها. نادية لعبت في الفلوس، وانت وافقت على الميزانيات المضروبة. هي حاولت تسرق كود الحساب، وانت حطيت اسمي للبنك في التزوير. انت مش مسؤول عن اللي عملته أمك، بس مسؤول تماماً عن اللي عملته إيدك.
​شريف بص لي بكسرة.. وبعدها وضع إمضته.
​المحضر والدعوى ضد نادية كملت في مسارها. الصور الطبية، تسجيلات الكاميرات، وتقرير البنك حسموا القض\ية. محاميها ما قدرش يدافع عن فكرة “الزيارة العائلية”، والقض\ية انتهت بأحكام بعدم التعرض وغرامة والتزامات قانونية.
أنا سبت التفاصيل كلها للمحامية. ما كنتش محتاجة أخلي عقابهم هو شغلانتي الجديدة.
​التحقيقات المالية خدت مجراها وشريف ونادية شالوا الشيلة المادية. الأستاذة إلهام كلمتني لما مجلس الإدارة الجديد اعتمد نظام الرقابة والتدقيق اللي كنت بنصحهم بيه من سنين.
— أخيرًا اعتمدوه يا فريدة.
— جيه متأخر أوي.
— بس المهم إنه جيه.
— تمام، ينفعهم عشان محدش يستغفلهم تاني.
​بعد تمان شهور، فتحت مكتب “الألفي للمراجعاة المالية والمخاطر” في التجمع الخامس.
كونا فريق من تلات أفراد، مكتبين مستعملين، وباشرنا الشغل.
وكنت حاسة بسعادة وراحة بال في المكان الصغير ده أكتير من أي عزومة فخمة كنت بفبرك فيها ابتسامتي وأمثل إن كل حاجة تمام.
​العملاء بدأوا يجوا بالسمعة: مراجعات داخلية، شركاء شاكين في اختلاسات، وقضايا طلاق فيها أطراف بتخبي أصول وممتلكات.
في يوم دخلت عليّ “لأولى”، عندها ست وأربعين سنة، ماسكة ملف مليان كشوف حسابات.
— جوزي بيقول لي إني باتخيل وبتلكك وبخرب البيوت..
الكلمة رنت في ودني.
مش لأن قصتها زي قصتي بالظبط، بس لأني عارفة يعني إيه تشكي في عقلك وعينيك لما اللي قدامك يفضل يقنعك سنين إنك بتبالغي.
​راجعت الحسابات، ولقيت تحويلات صغيرة بتم كل يوم جمعة.
— مش هقدر أقول لك ده إيه بالظبط دلوقت —شرحت لها هدوء— بس إنك تسألي وتدوري ده حقك، وما يخليكيش ست نكدية ولا خرابة بيوت.
لأولى بكت من قلبها.
بعد تلات أسابيع اكتشفنا أصل واستثمار مخفي جوزها كان كاتبه باسم حد تاني. وبعد شهور بعتت لي صورة بناتها قدام البيت اللي قدرت تحافظ عليه:
“شكراً إنك صدقتيني.”
رديت عليها:
“إحنا بنمشي ورا الأرقام.. اللي قررت تفتح عينها وما تغمضهاش تاني هي انتِ.”
​أيام جوازي، شريف كان بيتهمني إن شغلي مخليني شكاكة، ونادية كانت بتقول إن الست الأصيلة ما تدققش ورا جوزها. وأنا عشان أثبت إني زوجة مطيعة، قللت شغلي، ورفضت قضايا كبيرة، وألغيت سفريات.
من غير ما أحس، كنت بتمسح وبختفي بالتدريج.
​بعد سنتين من الصبحية الشؤوم دي، مكتبي بقى فيه تسع محاسبين ومراجعين.
اليوم اللي يركبوا فيه اليافطة: “الألفي للمراجعة المالية والتفتيش” على المكاتب، جيت بدري قبل الكل.
مشيت إيدي على الحروف.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *