اتصلت بكريم

حصري لصفحة روايات رولا
في يوم تلات بعد الظهر، اتصلت بكريم لسبب عادي جداً: كنت عايزة اعرف لو أعمل عشا يكفي فردين ولا لأ. صوته بان عليه الضيق فوراً، وفضل يتهمنا إني بتابعه وأراقبه، مع إني دوبك سألته ناوي يرجع البيت الساعة كام. اعتذرتله عشان الاعتذار بقى أسهل بكتير من وجع الدماغ والمشاكل، وقلتله إني بحبه، واستنيت الكلمة اللي متعود أسمعها منه من غير تففكير. بس مردش، والخط بقى هادي بطريقة غريبة. وساعتها بصيت في الشاشة ولاقيت العداد بتاع المكالمة لسه شغال وبيعد.
​وقبل ما ألحق أدوس على زرار الإنهاء الأحمر، سمعت صوت ضحكة ست قريبة منه جداً. صوت كريم اتحول في ثانية من واحد مستعجل ومزهقان لواحد رايق ويهزر وفرحان، ووقفت مكاني متسمرة جنب السخان بتاع الببرونة وأنا سامعة نسخة من جوزي ما سمعتهاش من شهور. كان بيشتكي إني طول النهار ببعتله صور البِنت وبسأله هيرجع إمتى، وكأن رغبتي في إنه يكون أب ويهتم ببته الرضيعة دي عبء وثقيل عليه. وبعدين الست دي قالت حاجة بصوت واطي ما قدرتش ألقطه كويس. كريم ضحك ورد وقال: “طبعاً بكرها.”
​لحظة واحدة ما قدرتش أخد فيها نفسي، بس هو ما كانش خلص كلامه لسه. قالها إنه بالكاد بيلمسني اليومين دول، ووطى صوته أكتر، ووعدها إنه هيطلقني ويتجوزها. صوت بوسة جه من السماعة في الوقت اللي كانت فيه حبيبة نايمة على بعد خطوات قليلة تحت البطانية البمبي اللي مامت كريم جابتها لها. إيدي كانت بترجف لدرجة إني دلقت اللبن البودرة على الرخام أول ما السخان زمر. ومع ذلك، ما ضربتش ليه تعدي المكرمة، ولا صرخت، ولا كسرت أي حاجة خالص.
​بدل ده كله، شلت بنتي ورضعتها وكل جملة لسه سامعاها بتتعاد في دماغي تاني وتالت. حبيبة لفت إيديها الصغيرين على صباعي، وهي ولا على بالها خالص إن أبوها لسه مفجر الحياة اللي كنت فاكراها مستقرة. كنت عايزة أعرف اسم الست دي إيه، ومن امتى الحكاية دي بدأت، وهل كل لحظة غريبة عدت عليا وأنا حامل كان ليها معنى تاني. بس وأنا باصة لبنتي، فهمت كويس إن أي خطوة هاخدها بعد كده ماينفعش تكون مبنية على الغضب وبس. أنا كنت محتاجة أدلة وأرقام وحقائق قبل ما كريم يعرف إني عرفت أي حاجة.
​في نفس الليلة، جه البيت وماسك في إيده بوكارد ورود بلدي صفراء، مع إنه كان عارف كويس إن أكتر ورود بحبها هي الياسمين والفل. باس جبهتي، وقالي يا “يا حبيبتي”، وقالي إنه كان مشتاق لمراته وبته، وبكل برود سأل لو فيه أي حاجة تتاكل. وقفت أتفرج على الراجل اللي لسه واعد واحدة تاني بالاتحاز والجواز وهو فاتح تلافتنا وعمال يطلع بواقي الأكل اللي أنا طبختهاله. كان فيه ركنة برفيوم غالية قوية فايحة من هدومه، نفس الإزازة اللي كنت جبتهاله في عيد ميلاده، ولأول مرة سألت نفسي هو كان حاطط البرفيوم ده عشان مين بجد. وبعدين ابتسمت وسبته عايش في وهم إن سره في بير ومحدش عارفه.
​الليل ده، كريم نام جنبي والتليفون بتاعه تحت مخدته، وأنا قمت لوحدي لما حبيبة فضلت تعيط الساعة اتنين بالليل. قعدت في أوضة الأطفال أرضعها وسمحت لنفسي أخيراً أعيط، بس بصوت واطي عشان مفيش مخلوق يسمعني. عيطت لاني قضيت أسابيع طويلة بسأل نفسي هو أنا بقيت مملة، ولا عصبية، ولا شکلي بقى وحش، ولا طلباتي كتيرة، ولا بقيت مهووسة بالأمومة وبس. لمت نفسي على جسمي وتعبى وأسئلتي وحتى على إني كنت عايزة جوزي يقعد في بيته مع بنته. كريم سابني أصدق كل الأفكار دي وهو بيبني قصة تانية في مكان تاني خالص.
​الصبح، بصيت على نفسي في المراية بتاعة الحمام وفهمت ليه كريم كان فاكر إنه كسب اللعبة. كنت تعبانة، شعري مربوط بطريقة عشوائية، وفيه آثار لبن على هدومي، وغالبية وقتي ضايع بين مواعيد الرضاعة، والغُيارات، ومحاولة النوم لأكتر من كم ساعة على بعض. هو اتخعى في التعب واعتبره ضعف، وافتكر انشغالي وطيبتي هبل. عشان كده، طول الأيام اللي بعد كده، ما نطقتش بحرف واحد وهو بقة ثقته زايدة في نفسه. وكل ما كنت بقل كلامي، كل ما هو كان بيقل حرصه.
​غير باسوورد تليفونه، وبقى يدخل بيه حتى الحمام، ويقلب الشاشة على وشها كل ما أدخل أوضة، وبقى يتطوع يقول مبررات أنا ما طلبتهاش أصلا. بقا فيه اجتماعات شغل متأخرة، وسهرات مع الزملاء، وعملاء مهمين، ومشاوير بقت بقدرة قادر تحتاج قميصه السورسي الغالي والبرفيوم بتاعه. وكل مرة كنت ببتسم وأقوله “تمام”، كتافه كانت بترتاح شوية زيادة. كان واثق تماماً إني تعبانة أكتر من أني ألاحظ اللي بيدور حوالي. اللي ما كانش فاهمه بقى إني بطلت أتكلم وأتخانق لاني ابتديت أتفرج وأراقب.
​وبعدين، يوم الخميس بعد الظهر، وأنا حبيبة كانت نايمة، دخلت أوضة المكتب الصغيرة ولقيت تابلت قديم مرمي جوه درج المكتب. كريم ما كانش فتحه من سنين، بس أول ما حطيته على الشاحن، الأكونت بتاعه كان لسه مفتوح، والرسايل ابتدت تحمل أول ما اتصل بالواي فاي بتاع البيت. الست التانية كان اسمها “حبيبة” برضه أو استنى.. “نور”، وكان فيه مئات المحادثات اللي بترجع لأيام أبعد بكتير من اللي كنت متخيلتها. واحدة من أحدث الرسايل كانت بتقول: “كمان ست أيام”، وكريم رد عليها وقال إنه هيسيبني بعد عيد زواجنا. وساعتها فهمت إن عُشا يوم الأحد ما كانش احتفال بالنسبة له خالص؛ ده كان العرض الأخير بتاعه قبل ما يدمر جوزنا يوم الإثنين.
قريت رسالة كريم تاني، وأنا بتمنى أكون فهمتها غلط. يوم الأربعاء الصبح، كل حاجة هتكون جاهزة، زي ما كتب لكلوي. عشا يوم الأحد ده آخر حاجة لازم أعديها، وأول ما الكل يشوف الأمور كويسة بينا، مفيش حد هيصدق إنها ما كانتش عارفة إن ده هيحصل. وتحت كده كانت فيه جملة أبرد بكتير: ممكن تاخد البنت وتروح لأهلها، وأنت وأنا نقدر نبدأ بجد بقى.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *