ازاي جاية حصري لصفحة روايات رولا
— “ازاي جاية وجايبة معاكي طفل تاني بعد ما جوزك القديم ساب بنتك عندها 6 سنين تموت محبوسة في شنطة سفر؟”
السؤال نزل زي الصاعقة على الترابيزة، وفي ثانية، المطعم كله بقى في حالة صمت يقطع الأنفاس.
فاليريا — أو زي ما بيسموها فريدة المندوه — كانت لسة واصلة اجتماع دفعة الكلية في مطعم معروف في حي الزمالك بالقاهرة. كانت شايلة ابنها “مالك”، عنده 3 سنين، نايم على كتفها لأن الدادة اعتذرت في آخر لحظة.
ناس كتير سابوا الأكل من أيديهم.
وناس تانية عملوا نفسهم يبصوا في الموبايلات بقلة حيلة.
فريدة حضنت ابنها الصغير جامد لصدها وردت بصوت ثابت بس مليان وجع:
— “أنا ممرجعتش لسامح.. احنا اتطلقنا من سنين، ومالك مش ابنه.”
الست اللي سألت السؤال فتحت عينها على آخرهم وتشاور ناحية الباب:
— “يبقى الأحسن تروحي تشرحي له الكلام ده بنفسك!”
فريدة لفت بوشها.
سامح الألفي كان واقف جنة الباب.
كان عدى 7 سنين كاملين من آخر مرة شافته فيها.
شعره بقى مليان شيب، ووشه فيه تجاعيد غريقة، وكان لابس البدلة الرسمية لرتبة عسكرية سابقة. بس فريدة عرفت النظرة دي فوراً.. نظرة عمرها ما تنساها.
سامح مكنش بيبص على أي حد في المطعم.
عينيه كانت متعلقة بـ “مالك” بس.
ولما عينيهم اتقابلت، فريدة سمعت جوة دماغها صوت الخبط والصرخات اللي هدت حياتها الأولى حتة حتة.
بنتها ريناد كان عندها 6 سنين.
فريدة كانت طبيبة برتبة مقدم في القوات المسلحة المصرية، وفي الأسبوع ده كانت في تدريبات ومناورات ميدانية بعيد عن العمارة السكنية الخاصة بالضباط اللي كانوا عايشين فيها في مدينة نصر.
الساعة 3:47 العصر، جيلها إنذار حركة من كاميرا المراقبة اللي حاطاها في صالة الشقة.
فتحت الابلكيشن على الموبايل.
لثواني معدودة مكنتش فاهمة هي بتشوف إيه..
وبعدها سمعت الصرخة.
ريناد كانت جوة شنطة سفر كبيرة من الشنط الفايبر الناشفة.
الغطاء كان مقفول بالسوستة.
والبنت بتخبط من جوة الشنطة بكل قوتها.
— “يا مامي! يا مامي طلعينيييي!”
فريدة اتصلت بسامح فوراً، وهي بترتعش:
— “افتح الشنطة دي حالا يا سامح!!”
رد سامح كان هادي بطريقة تجن:
— “ريناد حبست دكتورة “ياسمين” في الأسانسير النهارده..زميلتي في الشغل لازم تتعلم إن تصرفاتها ليها عواقب.”
ياسمين دي كانت ظابطة معاه في نفس القطاع.. وكانت هي نفس الست اللي سامح بقاله شهور بيتأخر بسببها، بيلغي أعياد ميلاد بنته عشانها، وبيرد على مكالماتها في نص الليل.
— “دي عيلة عندها 6 سنين يا سامح! أكيد كان حادثة وبتلعب!”
— “أنتي دايماً بتلاقي لها أعذار وتدلعيها!”
في اللحظة دي فريدة سمعت صوت ريناد بتعيط بكسرة من وراء صوت أابوها:
— “بابا خلاص مش هالعب تاني.. أنا خايفة أوي يا بابا!”
فريدة حسيت بدمها بيتجمد في عروقها:
— “اسمعني كويس يا سامح.. لو مخرجتهاش حالا أنا هابلغ عنك، وأول ما ارجع ه ارفع ق\ضية خلع وتطلقني!”
سامح ضحك ضحكة جافة وباردة:
— “أه طبعاً.. وعشان تكملي تمثيلية الجري على عمي اللواء عشان تدُمري مستقبلي وشغلي!”
عم سامح الكبيرة، اللواء المتقاعد عبد الحكيم الألفي، كان لسة ليه علاقات وكلمة مسموعة تقيلة جداً.
— “بنتنا مش عارفة تتنفس جوة الشنطة!!”
المكالمة اتقتلت في وشها.
فريدة اتصرفت بلهفة وأخدت طيارة هليكوبتر تبع الإخلاء الطبي كانت راجعة للقاهرة.
ولما وصلت العمارة السكنية في مدينة نصر، لقيت عربية إسعاف واقفة تحت المبنى.
طلعت السلم جري..
ريناد كانت مغمى عليها ومرمية على نقالة الإسعاف.
عيونها كانت مقفولة تماماً.
— “أنا أمها! أنا دكتورة ضابط.. سيبوني أشوفها!”
مسعف الإسعاف نزل عينيه في الأرض بأسى:
— “يا فندم.. احنا وصلنا متأخر أوي..”
ريناد ماتت بعد ساعات قليلة في المشفى العسكري.
سامح مكنش هناك.
ومحدش كان عارف هو اختفى فين بالظبط.
فريدة اكتشفت بعدين إنه خرج من العمارة والمجمع العسكري كله ومعاه ياسمين بحجة “مهمة إدارية طارئة”.
بعد 3 أيام، دفنت بنتها الوحيدة.
وفي نفس اليوم بالليل، راحت تقابل اللواء عبد الحكيم الألفي.
الراجل الكبير أول ما شافها داخلة عليه مكتبه وشه جاب ألوان وقام وقف:
— “فريدة…”
حطت ورق القضايا والبلاغات على مكتبه:
— “ابن أخوك موت بنتي.”
اللواء عبد الحكيم دموعه نزلت:
— “أنا مش عارف أقولك إيه..”
— “مش عايزة كلام.. أنا كل اللي عايزاه إن محدش يحمي سامح أو يغطى عليه.”
قدمت بلاغ رسمي في النيابة العسكرية وسلمت كل تسجيلات الموبايل والكاميرا.
افتكرت إن بكده الكابوس بدأ ينتهي.. بس كانت غلطانة.
ليلتها وهي طالعة بعربيتها من جراج مبنى عسكري، حد هجم عليها من الضهر وضربه على دماغها.
صحييت ولقيت نفسها مربوطة بسلاسل جوة خزان مية كبير من بتوع تدريبات الغوص والإنقاذ.
كان فيه زجاج سميك قدامها..
وناحية التانية من الزجاج، كان واقف سامح.
المية بدأت تنزل وتملى الخزان.
سامح اتكلم في الإنتركوم بصوت صارم:
— “اسحبي البلاغ ده يا فريدة.. وقولي إنك كنتي بتهولي والأمر اختلط عليكي.”
فريدة حاولت تفك حبستها وهي بتصرخ:
— “ريناد ماتت يا مجنون!”
سامح كشر ووشه اتغير غضب:
— “بطل تستخدمي اسم بنتنا عشان تلعبي بمشاعري وتلوميني!”
المية وصلت لغاية وسط فريدة.. وقفت حركة لثانية ومسكت نفسها:
— “انت بتقول إيه؟!”
— “بقولك بطل كذب! ياسمين قالتلي إن ريناد قاعدة عند أمتك في الإسكندرية وإنك اختلقتي القصة دي كلها عشان تدمريني أنا وهي!”
فريدة حسيت برعب أشد مائة مرة من مية الخزان اللي وصلت لصدرها.
سامح كان فعلاً حبس بنته..
واختفى بعد الكارثة..
وكان بيحاول يسكت فريدة بالقوة..
بس بطريقة مرعبة وغير معقولة.. كان فاكر إن ريناد لسة عايشة!
وده مكنش ليه غير معنى واحد بس:
فيه حد بقاله أيام مخبي عليه اللي حصل بجد في الليلة دي!غمي على فريدة بعد الكلام ده ببوقت قصير.
صحت لقيت نفسها في أوضة في المستشفى العسكري بالمعادي، إيديها عليها علامات السلاسل ومحروقة، وفيه عسكري حراسة واقف برة الأوضة.
محدش رضي يشرح لها مين اللي طلعها من خزان المية.
المحامي بتاعها مابقاش يرد على تليفوناتها.
اتنين من الشهود طلبوا لنفسهم نقل فوراً لمحافظات تانية.
وواحد ثالث قال فجأة إنه مش فاكر أي حاجة خالص عن اليوم ده!
البلاغ اللي قدمته كان بيتدمر وبيدوب قدام عينها حتة حتة..
لحد ما ياسمين دخلت عليها الأوضة بنفسها.
كانت شايلة في إيدها شنطة سوداء.
— “جيبتلك حاجة تخصك.”
فتحت الشنطة.. كان جواها أواني حفظ الرماد بتاعة الموتى (الـ Urn) بس كانت فاضية.
فريدة نفسها اتقطع من الصدمة:
— “فين رماد بنتي؟!”
ياسمين ابتسمت بخبث ورفعت إيدها تشاور على خاتم خطوبة في إيدها:
— “يمكن المفروض تهتمي بالأحياء أكتر وتتعلمي إزاي تخسري بأدب بدال ما تدوري على الأموات.”
فريدة حاولت تقوم من على السرير بالعافية:
— “أنتي اللي قولتي لسامح يحبس ريناد!”
— “أنا قولت إنها محتاجة تربية وانضباط.. هو اللي اختار الطريقة.”
— “دي كانت بنته!”
ابتسامة ياسمين اختفت وقالت بغل:
— “وعشان هي بنته.. كانت دايماً واخدة مكان أنا عمري ما عرفت آخده!”
باب الأوضة اتفتح فجأة.
4 ضباط من التحريات العسكرية دخلوا ومعاهم طبيب برتبة مقدم عنده يجي 40 سنة.
— “المقدم ياسمين الكردي.. أنتي مقبوض عليكِ بتهمة التستر والمشاركة في قتل قاصر والتلاعب بأدلة واستغلال النفوذ.”
ياسمين رجعت لورا بذهول:
— “أنت مين أصلاً؟!”
— “المقدم دكتور شريف عبد الرحمن.. النيابة العسكرية وقطاع التحقيقات.”
شريف حط شاشة تابليت قدام فريدة:
— “احنا استلمنا الفيديو ده من 72 ساعة.”
كان فيديو الكاميرا.. بس مش النسخة اللي فريدة شافتها.
التسجيل كان جايب ريناد وهي بتطلع من الشنطة أول مرة.. البنت كانت بتعيط ومسيحة دموعها:
— “خلاص أنا حرمت يا بابي.. وحياة ربنا مش هاعمل كده تاني، بلاش تحبسني تاني!”
ياسمين ظهرت في الكادر وقالت لسامح:
— “هي لسة لسة ما اتعلمتش الأدب.”
اتنين من العساكر اللي كانوا واقفين ترددوا.. بس ياسمين شاورت على الشنطة بغضب:
— “دخولها تاني جوة الشنطة!”
بعدها بدقايق ظهر سامح.. ريناد جريت عليه وحضنت رجله:
— “بابا!”
سامح مسكها من كتافها.. فريدة كانت متوقعة تشك إن سامح هيحضنها، بس الفيديو أظهر إنه ساب العساكر يسحبوها منه تاني وهو بيقول بجمود:
— “سيبوها كمان خمس دقايق بس.”
فريدة بصلت الناحية التانية وهي مش قادرة تتحمل:
— “مين اللي جابلكم التسجيل ده؟”
— “محدش يعرف.. الملف ده خرج من نسخة احتياطية حد كان مسجلها ومخبيها قبل ما السيرفر الرئيسي يمسح كل حاجة.”
شريف شرح لها إن فيه نقيب اسمه هشام كان اختفى الصبح اللي بعد وفاة ريناد على طول، وعربيته اتلاقت مرمية على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي:
— “احنا شاكين إنه هو اللي نسخ التسجيلات دي.”
— “ورماد ريناد؟”
— “شاكين برضو إن حد بدّله عشان يمنع ياسمين إنها تتخلص منه أو تدمره.”
بعد يومين لقوا بقايا ريناد الحقيقية في مشرحة عسكرية تحت رقم ق\ضية ورقم أرشيف مزور.
بس الاكتشاف الأكبر جه بعد 3 أسابيع..
النقيب هشام ظهر وهو عايش!
كان مستخبي لأنه اتلقى تهديدات بالقتل. وفي أقواله أمام النيابة، طلب إنه يتكلم مع فريدة بوشه.
— “يا دكتورة فريدة.. لازم تعرفي حاجة مهمة قبل ما المحاكمة تبدأ.”
فريدة بصت له من وراء الزجاج.
هشام بدأ يعيط:
— “لما فتحنا الشنطة في المرة الثانية.. ريناد كانت لسة بتتطلع النفس وبتتنفس!”
فريدة حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها:
— “يعني.. يعني كان ممكن تترحق وتتنقذ؟!”
هشام غمض عينيه:
— “أيوه.”
— “وليه مأنقلتوهاش المستشفى فوراً؟!”
هشام قعد ثواني ساكت ومش قادر ينطق، وبعدين قال:
— “لأن فيه أوامر جتلنا إن عربية الإسعاف تقف وما تتحركش من مكانها!”
ولما هشام كشف مين الراجل اللي أصدر الأمر ده.. فريدة فهمت إن موت بنتها ريناد مكنش مجرد قسوة وجنان من أب وخيانته مع واحدة ثانية..
كان فيه شبكة كاملة من أصحاب النفوذ واقفين وراء الـ 18 دقيقة دول!
أقوال هشام قلبت القضايا والتحقيقات رأساً على عقب.
— “ريناد اتحبست مرتين،” هشام بيشرح للنيابة العسكرية: “المرة الأولى كانت دقايق بسيطة.. والمرة الثانية بدأت بعد ما المقدم ياسمين أصرت إن البنت حبستها في الأسانسير بالعنوة.”
— “وهل الرائد سامح الألفي كان عارف إن بنته جوة الشنطة؟”
— “أيوه.”
— “وسمع البنت وهي بتستغيث؟”
هشام بلع ريقه بصعوبة:
— “احنا كلنا سمعناها.”