بصيت ل ابويا

بصيت لأبويا في عينه واديتها التحذير الأخير: “لو مراتك جابت سيرة تحويشة شغلي في الجيش تاني، الكلام الزوق هيخلص. أنا اللي هتعامل معاها بنفسي، وهفهمها مقامها كويس جدًا—وليه مش هتشوف مليم واحد من فلوسي. فاهم؟”
​التحذير على العشا
​”لو سمعت كلمة واحدة تانية عن فلوسي، الكلام الزوق هيخلص.”
​صوتي ما عليش.
وده كان السبب إن السفرة كلها سكتت.
​أبويا، جلال، كان قاعد على رأس الترابيزة، ماسك مج القهوة بإيديه الاتنين. وقدامي، مرات أبويا، سهام، اتجمدت والشوكة على بعد سنتيمترات من بقها.
​من ثواني بس، كانت بتضحك.
مش ضحكة طيبة.
ضحكة سهام دايماً كان ليها رنة حادة، زي ما تكون بتخبط معدن في إزاز.
​كانت لسه قايلة: “يعني ما هي مي تبارك الله محوشة قد كده من شغلها في الجيش.. ولو العيلة احتاجت مساعدة، أظن مش هتهون عليها يعني وتشوفنا بنتعفرت.”
​وبعدين بصت حوالين الترابيزة، مستنية أبويا يضحك ومستنياني أرجع للبدلة اللي لبستهالي سنين طويلة.
بنت الزوجة الممتنة.
البنت الهادية.
البنت اللي بتبعت فلوس للبيت لأن شعور الذنب بالنسبة لها كان أسهل من المشاكل.
​بس أنا بقى عندي تسعة وعشرين سنة.
بقيت مسعفة مقاتلة في الجيش، مش البنت الخايفة اللي كانت بتقعد على رخامة المطبخ وتعمل نفسها مش سامعة الكبار وهما بيتكلموا عنها وكأنها فاتورة مش مدفوعة.
​أنا اتعلمت إزاي أوقف النزيف في الضلمة.
إزاي أعرف الخوف والارتباك قبل ما حد ينطق بكلمة.
إزاي أفضّل هادية وثابتة أول ما أقرر خطوتي الجاية إيه.
​عشان كده بصيت لأبويا في عينه وعدتها تاني: “لو سمعت كلمة واحدة تانية عن فلوسي، الكلام الزوق هيخلص.”
​سهام نزلت الشوكة.
أبويا بدأ يتكلم: “يا مي…”
وبعدين سكت.
​دي كانت موهبته طول عمره—يبدأ ينطق اسمي وكأنه هيصلح بيه الدنيا، وبعدين باقي الكلام يختفي لأن عينين سهام بتحذره إنه ميكملش.
​حطيت المنديل جنب طبقي.
الأوضة كان ريحتها ملمع خشب بالليمون، وأكل مبهر أكتر من اللازم، وشمعة الفانيليا اللي سهام دايماً بتولعها لما تعوز البيت يبان راقي وأغنى من حقيقته.
​قلت وأنا لسه باصة لأبويا: “أنا بنفسي هشرح لمراتك مقامها فين بالظبط، وليه فلوسي مش ملكها ولا ليها حق فيها.”
​سهام حطت الشوكة على السفيرة بكتكة خفيفة.
“أنا كنت بهزر على فكرة.”
رديت: “لا، مكنتيش بتهزري.”
​ابتسامتها اشتدت وضقت.
كانت كبرت في السن بجمال.. من نوع الستات اللي بيصرفوا فلوس غيرهم على إضاءة هادية، ومستحضرات تجميل غالية، ومرايات بتجاملهم.
​بس عينيها مأتغيرتش من وأنا عندي سطاشر سنة.
باردة.
بتقيس وتحسب.
دايماً بتشوف البنادم عنده إيه، بيكلف إيه، وممكن يتعصر منه كام.
​أبويا كان باين عليه صغر في كرسيه. كان عنده سبعة وخمسين سنة بس، بس كل ما سهام تدخل مكان، كان يبان أكبر.. وأصغر في الحجم. زي راجل بيحاول يختفي جوه بيته.
​سهام قالت: “أمانة عليكِ يا مي، هو الجيش خلاكي دراما كده ليه؟”
رديت: “لا، الخدمة في الجيش خلتني حاسمة ومحددة.”
​السكوت تقل في الأوضة.
قمت وقفت.
أبويا أخيراً رفع عينه. عينيه كانت تعبانة وخايفة، بس مكنش متفاجئ.
​وده كان الأهم.
إن مش متفاجئ دي معناها إن الكلام ده اتفتح قبل كده من غيري.
سهام كانت خلاص اتكلمت في تحويشتي، ومكافآتي، ومستقبلي، ويمكن حتى منحة الوفاة بتاعة الخدمة العسكرية وكأن أي حاجة من دول ممكن تبقى ملكها لو طمعت فيها كفاية.
​وده كان التحذير الأول.
​وأنا سايقة عربيتي وطالعة من الشارع الهادي في التجمع الخامس ليلتها، معدية على الشجر وصندوق البوست النظيف بتاع سهام، قعدت أقول لنفسي إني بأفور.
أقول لنفسي إنها طماعة بس مش خطيرة.
وإن أبويا ضعيف بس مش شريك معاها.
​بعد تلات أيام، وأنا جوه أوضة المعسكر في سينا على بعد مئات الكيلومترات، عرفت أنا قد إيه كنت غلطانة.
الجزء الثاني: كشف الحساب
​لما رجعت القاعدة العسكرية، كل حاجة رجعت لمنطقها وطبيعتها اللي متعودة عليها. ريحة الطرقات دايماً مطهرات، والنور الفلورسنت يزن فوق الدماغ، وصوت الجزم العسكرية يرجع في البلاط من قبل شروق الشمس. بره، عربية نقل كبيرة بترجع لورا بصوت الصفارة المميز، والظابط بيزعق في حد عشان يتحرك بسرعة.
​أنا بحب العالم ده.
الناس فاكرة إن العساكر بيموتوا في الفوضى، بس الحقيقة إن معظمنا بيعيش وبيستحمل عشان بنحب النظام. كل حاجة مترتبة ومحطوطة في مكانها، الشنط والمعدات متستفة بنفس الطريقة، والأوراق متمضية ومراجعة ومتصورة ومحفوظة في ملفاتها. في الميدان، التوتر والخوف بيموتوا صاحبه، وفي الحياة العادية، بيخلوك تتصرف بعشوائية وتغلط.
​حد الصبح، كنت قاعدة على السرير الفردي بتاعي في السكن، اللاب توب مفتوح قدامي، وكباية القهوة المرة جنب مني بدأت تبرد.
كنت بعمل المراجعة الأسبوعية بتاعتي. معظم البنات اللي في سني أول ما بيصحوا بيفتحوا الرسائل والسوشيال ميديا، أنا بفتح حسابات البنك، وتقرير الائتمان، وإخطارات التأمين، وأي ورقة فيها اسمي. دي مش فوبيا ولا مرض، دي صيانة لحياتي.
العربية بتفضل ماشية عشان فيه حد بيكشف على الزيت قبل ما الموتور يجيب جلبة. والحياة بتفضل ماشية ومستقرة عشان فيه حد بيتأكد إن الباب مقفول بالترباس قبل ما يتفتح.
​أنا اتعلمت ده وأنا بَكبر في بيت كانت الخصوصية فيه بتتعامل معاملة قلة الأدب. شيرين كانت زمان بتفتح جواباتي ببيخار المية وتلزقها تاني بطريقة غبية. كانت بتقلب في جيوبي قبل ما الغسيل يتغسل، وتقرأ أجندة مدرستي، ومرة فتحت الإيميل بتاعي على ترابيزة المطبخ وقالتلي ببجاحة: “اللي عايش تحت سقفي ومتقفل عليه باب واحد، ملوش أسرار.”
​أنا دخلت الجيش جزء منه عشان التعليم، والجزء الأكبر عشان أبعد. حساب التوفير بتاعي، والمرتب، والدرجة الائتمانية، كل حاجة كانت تمام وواضحة. لحد ما نزلت بالسهم على العمليات الأخيرة.. وسطر واحد وّقف نفسي.
​شركة “سلفة جولد للاستثمار والتمويل العقاري” — استعلام رسمي عن الائتمان — 14 أكتوبر.
​بصيت على الشاشة وأنا مش مصدقة.
“سلفة جولد” دي مش بنك عادي. دي من شركات التمويل الجشعة اللي بتوعد بقروض سريعة وشروط “مرنة”. بمعنى أصح: فوائد تخرب البيت، وبدون أي ضمير.
​الاستعلام ده حصل من 48 ساعة بس. أنا لا قدمت على قرض، ولا ضمنت حد، ولا طلبت تمويل من أي داهية. معيطتش، ولا صرخت، ولا قفلت اللاب توب بعنف. بكل هدوء مسكت التليفون وطلبت أبويا.
​رد عليا في الرنة الربع، وصوته كان مجهد ومقطوع.
“أيوة يا مريم.. خير يا حبيبتي؟ فيه حاجة؟”
“هو ليه شركة قروض واستثمار بتستعلم عن صحيفة الائتمان بتاعتي وباسمي؟”
​سكت. مش سكوت حد مستغرب، ده سكوت راجل بيفكر في كذبة تنطلي عليا وتعدي.
“يا مريم…” قالها بالراحة، “مفيش حاجة، موضوع بسيط.”
“فهمني البسيط ده يعني إيه؟”
​في الخلفية، سمعت صوت ضلفة دولاب المطبخ بتتقفل، وبعدها صوت شيرين المكتوم وهي بتتكلم.
“طنطك شيرين كانت بتشوف كذا اختيار للاستثمار والتطوير،” قالها أبويا. “وأنتي عارفة الموقع الإلكترونية دي.. شكلها دست على زِرار غلط بالظلمة.”
“غلط؟ وهي بتدوس غلط، كتبت رقم بطاقتي القومية بالصدفة؟”
​سكت تاني.
“هي مكنتش تقصد حاجة وحشة يا مريم.”
​أهي ظهرت اهيه. المشكلة مش إنها “معملتش كده”، ولا إن “ده مستحيل يحصل”، لا.. المشكلة إنها “مكنش قصدها حاجة وحشة”!
أبويا طول عمره بيدافع عن شيرين بإن يغير نوع التهمة. لو شتمتني، يبقى كانت مضغوطة. لو فتحت جواباتي، يبقى كانت خايفة عليا. لو قالت على المنحة الدراسية بتاعتي إنها “حسنة من الدولة”، يبقى تفكيرها قديم. عمره ما قال إنها بريئة، بس دايماً نيتها أهم عنده من الخراب اللي بتعمله.
​”هاتها على التليفون،” قلتله.
“يا مريم، أرجوكي بلاش مشاكل وتبدأي خناق.”
كنت هضحك من كتر البجاحة.
“لأ،” قلتله. “المشاكل بدأت لما حسابت اسمي وفلوسي بقوا ملكية عامة للعيلة.”
​صوته وطي: “هي تحت ضغط كبير الأيام دي…”
في اللحظة دي، افتكرت الموقف ده.
​كان عندي ستاشر سنة، قاعد على السفرة وفاتحة كتاب الهندسة بذاكر، وشيرين قاعدة بتدفع الفواتير.
“الكهربا غليت، والمية زادت، وأسعار الأكل بقت مهزلة،” قالتها وهي بتضرب الأرقام على الآلة الحاسبة. وبعدين بصتلي وقالت: “أنتي فاهمة يعني إيه مصاريف بني آدم عايش معانا؟ أنتي بتستهلكي تكييف، وصابون، وغاز، وأكل، ووقت، ومساحة.. كل خطوة بتخطوها هنا بفلوس.”
​أبويا كان قاعد في الصالة مشغل التلفزيون، سمعها، وما حركش ساكن ولا دخل يرد.
غمضت عيني وأنا ماسكة التليفون.
“بابا.. هي عملت إيه بالظبط؟”
“مفيش حاجة اتقفلت رسمي لسه.”
​أصابعي اتجمعت بعنف حوالين التليفون. كلمة “مفيش حاجة اتقفلت رسمي” دي معناها إن فيه كلام وخطوات بدأت بالفعل.
​”أنا حتصرف،” قلتها بصوت هادي.
“مريم، عشان خاطري بلاش تكبري الموضوع.”
قفلت السكة في وشه. الموضوع أكبر من كده بكتير أساساً. ولأول مرة، فهمت إن شيرين مش مجرد ست طماعة.. هي في دماغها مش بتسرقني، هي شايفاني مجرد فاتورة قديمة وجيه الوقت اللي تحصل فيه فلوسها!
الجزء الثالث: المواجهة والورق العريان
​بعد ما قفلت السكة مع أبويا، الأوضة حواليا بقت خرم إبرة. مكنش ينفع أقعد أستنى لما أرجع إجازتي الجاية. أي حد اشتغل في الميدان عارف إن الضربة الاستباقية هي اللي بتحدد مين بيخرج عايش ومين بياكل ضرب.
​فتحت اللاب توب تاني. شغلي كمسعفة في الجيش خلاني أتعلم إزاي أفرز البيانات وأوصل لأصل المعلومة في ثواني. دخلت على موقع هيئة الاستثمار والخدمات المالية، وبدأت أنبش باسم شيرين، وباسم أبويا “محمود Carter”، وباسمي أنا كمان.
​اللي لقيته خلى الدم يغلي في عروقي.
​شيرين مكنتش بتجرب موقع ولا بتدوس على زرار غلط بالصدفة. شيرين كانت محتاجة توكيل رسمي أو إقرار بالضمان عشان تاخد قرض بمليون ونصف جنيه باسم شركتها الجديدة — شركة تجارية وهمية لتوريد المستلزمات، مسجلاها باسمها واسم أبويا. وعشان البنك يوافق على مبلغ زي ده لشركة ملهاش أي أوراق مالية قوية، كانت محتاجة “ضامن متضامن” عنده دخل ثابت وبدلات وخدمة مستقرة.. ومين أفضل من بنت جوزها الظابط المسعفة اللي عندها حسابات توفير ومكافأة نهاية خدمة مضمونة من القوات المسلحة؟
​كانت ناوت تزور إقراري، أو تسحب القرض بنسخة من بطاقتي القومية القديمة اللي سابتها عندها في البيت، معتمدة على إن أبويا هيسكت، وأنا لما أعرف هخاف على منظر أبويا أو هكسف أعمل مشكلة قانونية مع عيلتي.
​قفلت اللاب توب، لميت حاجتي، وطلبت إذن طارئ 48 ساعة.
​بعد ست ساعات، كنت نازلة من الميكروباص في محطة المترو، ومنها على المعادي. الشوارع كانت زحمة ومخنوقة، بس دماغي كانت أهدى من أي وقت فات. الهدوء اللي بيسبق العاصفة بالظبط.
​وصلت قدام البيت الساعة ثمانية بالليل. الشجر العالي حوالين الفيلا، والأنوار الدافية المترتبة بذكاء، وصندوق البوسطة اللي بيلمع. كل حاجة كانت بتقول إن المكان ده فيه ناس راقية، بس من جوه كان عبارة عن مصيدة بيزنس رخيصة.
​فتحت الباب بالمفتاح اللي معايا.
صوت مفاتيحي وهو بيخبط في الخشب رن في البيت.
شيرين وأبويا كانوا قاعدين في الريسيبشن، قدامهم كباب وكفتة من محل غالي، وشفشق عصير مانجو. شيرين كانت لابسة عباية بيتي حرير، ومستريحة في قاعدتها كأنها ملكة.
​أول ما شافوني، الحركة اتجمدت. أبويا وقف بسرعة، والشوكة وقعت من إيده على الطبق.
“مريم؟! أنتي جيتي إمتى؟ محدش قال إن عندك إجازة!”
​مشيت بخطوات ثابته لحد ما وقفت قدام ترابيزة الأكل. طلعت ملف أسود من شنطتي وحطيته في نص الترابيزة، بين طبق الكباب وشمعة الفانيليا.
​شيرين بلعت أكلها بصعوبة، وحاولت ترسم نفس الابتسامة المجهزة: “أهلاً يا مريم.. خطوة عزيزة، كنتي قوليلنا نجهزلك…”
​”افتحي الملف يا شيرين،” قلتها بصوت هادي أوي، صوت أقرب للهمس بس مسموع في البيت كله.
​أبويا بص للملف وخاف يمد إيده: “إيه ده يا مريم؟”
​”ده استعلام رسمي من محامي القوات المسلحة،” كدبت بثبات انفعالي درسته في التدريبات. “ومعاه بلاغ بالاحتيال والتزوير والشروع في سرقة بيانات شخصية عسكرية. أصل أنا لما لقيت استعلام سلفة جولد على حسابي، كلمت الشؤون القانونية في قطاعي فوراً.”
​لون شيرين اتخطف. الوش الوردي المترطب بالكريمات الغالية بياضه طار في ثانية، وبقت زي الجثة.
“أنتي… أنتي بتعملي إيه؟ أنتي اتجننتي؟ بلّغتي عننا؟”
​”أنا مبلّغتش عن ‘عيلتي’،” بصيت لأبويا في عينه، “أنا بلّغت عن الشركة اللي حاولت تستخدم رقمي القومي ودرجتي الائتمانية عشان تاخد قرض بمليون ونص. والبنك أداني أسماء الناس اللي قدموا الطلب، والأيباد اللي اترفع منه أوراق البطاقة… الأيباد بتاعك يا شيرين، المربوط بنفس شبكة الواي فاي بتاعة البيت ده.”
​أبويا بص لمراته بذهول، كأنه أول مرة يستوعب إن المصيبة دي بجد وإنها مش مجرد “فضول”: “شيرين… أنتي رفعتي صور بطاقتها؟ أنتي عملتي كده بجد؟”
​شيرين وقفت، ووشها اتحول من الخوف للهجوم البربري. الأقنعة الناعمة كلها اترميت في الأرض.
“أيوه عملت!” زعقت وهي بتخبط إيدها على السفرة. “وما عملتش حاجة عيب! هي جابت الفلوس دي منين؟ مش من البيت ده؟ مش أبوها اللي كبرها وأكلها وشربها لحد ما بقت طول الباب ودخلت الجيش؟ هي فاكرة نفسها إيه؟ جاية تتأنعر علينا بقرشين محوشاهم من خدمتها؟ أنا وأبوكي مديونين، والشركة لو مأخدتش القرض ده هنفلس، والبيت ده هيتباع في مزاد! هي قاعدة في السكن العسكري بياكل بلاش وبيشرب بلاش، وإحنا هنا بنغرق!”
​أبويا وطى راسه في الأرض، حاطط إيديه الاثنين على وشك، راجل مكسور ومش قادر يرفع عينيه فيا ولا في مراته.
​قربت من شيرين خطوة واحدة. مكنتش محتاجة أزعق.
“أنا الفلوس دي ما أخدتهاش بالساهل يا شيرين،” قلتلها ونبرة صوتي ثابتة زي المشرط. “أنا الفلوس دي أخدتها ثمن دم، وشفت ناس بتموت قدام عيني وأنا بحاول أوقف نزيفهم، وعشت سنين في صحرا وبرد وضغط نفسي أنتي ما تستحمليش تعيشي فيه يوم واحد. أنا مش فاتورة قديما جاية تحصليها. أنتي ما صنعتينيش، ولا ليكي فيا جنيه واحد.”
​شيرين بصتلي بغل: “أبوكي اللي عملك!”
​بصيت لأبويا، اللي كان قاعد زي الخيال.
“أبويا سابني ليكي من وأنا عندي ستاشر سنة تحسبيلية اللقمة والمية، وسكت لما كنتي بتقوليلي إني عبء عليه. أبويا اختار إنه يبيع سكوتي عشان يشتري راحة باله معاكي.”
​لفت وشي لشيرين تاني وطلبت منها أخير: “الورق ده فيه تنازل رسمي وإقرار بعدم التعرض، وتعهد إنك مش هتستخدمي اسمي ولا بياناتي في أي جهة مالية أو بنكية مدى الحياة. قدامك دقيقتين تمضي عليه.”
​”ولو ممضيتش؟” شيرين سألت بتحدي زائف، بس شفايفها كانت بترتعش.
​”لو ممضيتش، الورقة التانية اللي في الشنطة هي قضية تزوير واستغلال بيانات عسكرية. والقضايا دي بتتحول مباشرة للنيابة العسكرية والمدنية بجرائم الاحتيال الإلكتروني. مش هتشوفي الشارع بتاع المعادي ده تاني، وهتقضي باقي عمرك في المحاكم والقروض دي هيتم الحجز بيها على كل أصولك… بما فيها عربيتك والبيت ده.”
​الأوضة رجعت ساكتة تاني.
صوت شمعة الفانيليا وهي بتسيح كان هو الصوت الوحيد المسموع.
​شيرين بصت لأبويا بتدور على أي طوق نجاة: “محمود! هتسيبها تعمل فيا كده؟ قولها حاجة! دي بنتك!”
​أبويا ما رفعش راسه. قال بصوت ميت ومبحوح: “امضي يا شيرين… امضي وخلي الأيام دي تعدي. هي مش بتهزر.”
​سحبت شيرين القلم من على الترابيزة. إيدها كانت بترتعش لدرجة إن التوقيع طلع معوج ومش مظبوط. حطت القلم بعنف على الورق.
​أخدت الورقة، راجعت التوقيع والتاريخ، وحطيتها في ملفي بكل نظام.
​وقفت قدام الباب قبل ما أخرج، وبصيت لأبويا للمرة الأخيرة.
“أنا كفلت نفسي من يوم ما تمت ثمانية وعشرين سنة ودخلت خدمتي. من النهاردة، أنا ماليش بيت هنا، وماليش فلوس عند حد، ومحدش ليه عندي قرش. لو اسمي اتقال في البيت ده تاني بأي طريقة… المرة الجاية مش هاجي المعادي، المرة الجاية الأوراق هي اللي هتتحرك.”
​فتحت الباب وخرجت.
الهوا بتاع المعادي كان بارد، بس ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إني بقدر أتفس بحرية كاملة. مشيت في الشارع الشجرة العالية ورجلين جزمتي بتخبط بثبات على الرصيف، وأنا عارفة إن الصفحة دي اتقفلت للأبد، وإن حقي خدته بالحرف وبالقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *