لو كسرتي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
لما جيت أرفع أطباق الزبون اللي مابسبليش ولا مليم تبس، لقيت ورقة كاتبلي فيها إنه مستعد يدفعلي مصاريف دبلومة كاملة. طليقي قدام ابننا اللي عنده أربع سنين قلب الموضوع وحش وشكك فيا، وقال: “الراجل ده مش هيعمل معاكي كده لله وللوطن”. وقتها مادخلتش معاه في نقاش، أخدت الورقة وشيلتها وكملت في طريقي ومذاكرتي. وبعدها بياض كام يوم اكتشفت إنه راح بالكدبة دي لحد مكان شغلي.
الجزء الأول
​— لو كسرتي حاجة تاني يا ماريان، يبقى بلاش تيجي بكرة أحسن. أنا مش شغال عندي شغالة في مطعم بتترعش وكأنها هتقع من طولها قدام الزباين!
​طبق الصيني لسه متدشدش مية حتة على أرضية المطعم، وكل اللي قاعدين لفوا وشهم وبصوا عليّ.
​ست هدى، صاحبة مطعم “برنس الطريق” على طريق إسكندرية الصحراوي، كانت واقفة على بعد مترين، مفيشة دراعاتها ولابسة الوش الخشب اللي يخليكي تحسي إنك مذنبة حتى وأنتِ بتتنفسي.
​— هخصمه من طليعتي يا ست هدى — ووطيت على الأرض بلم الفتافيت المكسورة.
​— أكيد هتتدفعيه! ده ثالث طبق يتقصف عمره الأسبوع ده!
​ما ردتش.
​ما كانش فيه أي فايدة إنها تفهم إن يوسف، ابني اللي عنده أربع سنين، قضى طول الليل صدره مقفول ودرجة حرارته طالعة للسما. إن أنام ساعتين بالعافية. إن أبوه بقاله خمس شهور ما رميش ولا مليم نفقة، ولما أبعت أترجاه في رسالة يطنش ويقولي:
​”أنا كمان عليا أقساط ويا دوبك مكفي نفسي، اتصرفي يا ماريان!”
​شغالة في المطعم ده بقالي يجي ثلاث سنين. بخرج من بيتي والشارع لسه كحل، وساعات برجع بالليل بعد ما يوسف يكون نام وراحت عليه نومة.
​تاني يوم الصبح، دخل راجل غريب عمري ما شفت وشه قبل كده.
​في أوائل الستينات تقريبًا. قميص أبيض وبليزر رمادي، جزمته بسيطة بس بتلمع. قعد جنب الشباك، والغريبة إنه ما طلعش الموبايل من جيبه ولا مرة.
​— تأمر بآيه يا فندم؟
​— إيه اللي حلو عندكم النهاردة؟
​— شوربة الكوارع مضبوطة أوي، وطاجن البامية باللحمة ست أم أحمد بتعمله على أبوه.
​— تمام، هاتيليهم. وقهوة سادة بعد الأكل.
​خدمته زي أي زبون عادي.
​لما راجل كبير في السن في الترابيزة اللي جنبه دلق كوباية الشاي بالغلط، جربت بالفوطة ومسحت قبل ما يلحق يعتذر.
​— ولا يهمك يا حاج، حصل خير، فداك ألف كوباية.
​وساعدت كابلز جديد مش عارفين يختاروا إيه، واستحملت ست هدى وهي بتهزأني قدام الناس كلها عشان حطيت المناديل مقلوبة.
​الراجل صاحب البليزر الرمادي كان متابع كل الحركة دي بعينيه.
​حاسب بالفيزة.
​التبس: صفر. ولا مليم!
​قلت في نفسي: “تمام، حتى الناس العالية بتطلع إيدهم ماسكة!”
​بس لما جيت أرفع الأطباق من على الترابيزة، لقيت تحت الطبق كارت وورقة متطبقة.
​سحبتهم بسرعة وحطيتهم في جيبي.
​دخلت المخزن وفتحت الورقة.
​كان مكتوب فيها إنه كان بيمرقب طريقة تعاملي مع الناس، وخصوصًا وأنا بعاملهم بذوق في وقت محدش مقدر فيه تعبي ولا حد بيقول كلمة شكر.
​وفي آخر الورقة كان كاتب:
​”دي مش بقشيش. لو حابة تعرفي دي إيه، كلميني. وأنتِ مش ملزمة بأي حاجة خالص.”
​الكارت كان مكتوب عليه:
​مهندس خالد عبد الرحمن. خبير تدريب وتطوير شركات.
​بالليل حكيت لرانيا أختي وصاحبتي.
​— إياكي تفكري حتى! — ردت عليا في ساعتها — راجل معدي الستين سايب ورقة لوحدة صغيرة وقاعدانة لوحدها… وأنتِ لسه بتسألي عايز إيه؟!
​— ما طلبش مني أي حاجة!
​— بكرة يطلب!
​سكت وما ردتش.
​رانيا عارفة الدنيا دايقة عليا قد إيه. وعارفة كمان إن هشام طليقي اتجوز وقفل باب رزق ابنه ونسي إن عنده ولد أساسًا.
​بس الصراحة… الورقة دي كانت شاغلة تفكيري ومش قادرة أعديها.
​اتصلت بيه تاني يوم.
​باشمهندس خالد كان دغري جدًا.
​قال إنه عنده مركز تدريب صغير، وكل سنة بيتكفل بتكاليف دبلومة كاملة لإدارة الأعمال لشخص شايف إنه مجتهد بس الظروف دايسة عليه.
​— أنا حابب أقدم لك منحة كاملة — قالها ببهدوء.
​اللساني اتعقد.
​— طب ليه أنا بالذات؟
​— عشان أنتِ بتشتغلي بذمة حتى وأنتِ مظلومة وبتاكلي في نفسك. والضمير ده حاجة مش بتتدرس في كتب.
​— ومقابل إيه؟
​— ولا حاجة.
​— محدش بيدي حاجة بلاش في الزمن ده!
​— جايز ده الوقت اللي تعرفي فيه إن لسه فيه ناس بتعمل خير لوجه الله.
​وافقت.
​لما هشام عرف باللي حصل بعد أسبوعين، جالي البيت وهو بيضحك بستخفاف.
​— والله برافو! راجل كبير بيصرف عليكِ وبيدفع لك كورسات؟ حلوة السبوبة دي!
​— دي منحة دراسية من المركز!
​— اه طبعًا.. وهيشغلك عنده كمان ولا إيه؟
​ما لحقتش أرد.
​مسك الموبايل وطلب أمه، وقال بصوت عالٍ:
​— أمي كانت صح! يا دوب سبتك كام شهر ولقيتي اللي يشيلك ويصرف عليكِ!
​يوسف كان واقف ورا باب الأوضة.
​وسمع كل كلمة.
​بالليل دي، ابني سألني سؤال قطّع قلبي مية حتة:
​— ماما… هو أنتِ ست وحشة عشان بتدسي؟
​حضنته وعيني مليانة دموع ومش عارفة أرد أقوله إيه.
​بس الصدمة الحقيقية والكابوس بدأ تاني يوم… لما اكتشفت إن هشام ما اكتفاش باللي قاله قدام الولد.
​ده كان حكى القصة المتألفة دي لحد شغال معايا في المطعم.
​ولما دخلت من باب المطعم الصبح، لقيت النظرات كلها اتغيرت، والهمس شغال من تحت لتحت.
​ما كنتش متخيلة الكلام ده هيوصل لحد فين… ولا اللعبة دي هتترد له إزاي.الجزء الثاني
​الشائعات في المكان الصغير مش محتاجة أدلة.. محتاجة بس بني آدم عنده ضمير ميت وقابل لإعادة الكلام.
​على اليوم الثالث، اتنين زمايلي في المطبخ بطلوا كلام أول ما دخلت. والشقاوة خدت واحد من الطباخين فابتسم وسمعني سؤال خبيث: “هو الباشا ولي النعم بيدفع مصاريف السفر كمان ولا كورسات بس؟”
​ست هدى ما كانتش بتتكلم، بس عينها بقت عليا في كل حركة وكل سكنة.
​وأنا؟ كملت ذاكرت.
​أول ما يوسف يروح في النوم، أفتح اللاب توب على ترابيزة البلاستيك في المطبخ، وأقعد أذاكر: تكاليف، مشتريات، جرد، وإدارة مطاعم.
​في ليلة على الساعة اتنين بعد نص الليل، يوسف طلعلي بالبيجامة وهو حاضن الديناصور القماش بتاعه:
— ماما.. مش بتنامي ليه؟
— بذاكر يا حبيبي.
​طلع قعد على رجلي وبص للشاشة:
— فيه أرقام كتير أوي.
— كتير أوي يا يوسف.
​سكت شوية وبصلي بجدية وقال:
— أنتِ هتعرفي تفهميهم كلهم.
​ما قالش “يارب”. ما قالش “إن شاء الله تعرفي”. قالها بثقة وكأنها حقيقة تحصيل حاصل! وبعدها قام رجع سريره.
​وأنا كملت المحاضرة للاخر.
​مع الوقت، بقيت أبص للمطعم بعين مختلفة تمامًا.
​اكتشفت إننا بنهدر خضار وبضاعة بالكوم لأن فيه أطباق في المنيو ما بتطلبش غير ثلاث مرات في الشهر. اكتشفت إننا بنشتري القهوة بأغلى من سعر السوق بـ 20%! وإن شفتات الشغل بتتقسم على حسب مين فاضي يجي، مش على حسب أوقات الزحمة اللي المحل محتاج فيها ناس!
​طول ثلاث أسابيع بقيت أسجل كل حاجة.
​عملت ورقتين.. حاجة بسيطة خالص. تكاليف، وهادر، وتعديلات ممكن تتعمل من غير ما نصرف مليم زيادة.
​دخلت مكتب ست هدى يوم الإثنين:
— ممكن أوري حضرتك حاجة؟
​قرت الورقتين وهي ساكتة تمامًا.
— مين اللي عمل ده؟
— أنا.
​حكيت لها عن الدبلومة.
​وشها اتغير.. ما كانتش منبهرة، كانت حاسة إنها أتهانت!
— بقيتي مديرة ومسؤولة يعني؟
— لا، أنا لسه بتعلم، وقلت يمكن الورق ده يفيد المكان.
​رمتلي الورق تاني:
— أنا بقالي 22 سنة فاتحة المحل ده يا ماريان، مش مستنية حتة ويترة تيجي تفهمني أوديره إزاي!
​بعدها بيومين، نزلتني شفت 6 الصبح.. أصعب وأرخف شفت! تقريبًا مفيش زباين ومفيش تبس.
​ولما فضي مكان مشرف الشفت، أدته لشيماء اللي بقالها سنة واحدة بس شغالانا معانا.
​شيماء جيت قعدت معايا وقالتلي بصراحة:
— ست هدى بتقول إنك مش سلكانة يا ماريان.. بتقول إنك بتدرسي عشان تسيبيهم، وغير كده ليكي.. علاقات!
​وشي جاب ألوان:
— علاقات إيه؟!
​شيماء بصلت للأرض وما ردتش.. ما كانتش محتاجة تشرح. هشام طليقي وصل الشائعة لحد قلب شغلي.
​في نفس اليوم بعد الشفت، روحت له وأنا بغلي:
— بطل تتكلم عليا وبطل قلة أدب!
— أنا ما بتبلاش عليكِ!
— بتقول للناس إن بيني وبين باشمهندس خالد حاجة!
— طب أثبتي إن مفيش!
— أثبت إزاي حاجة ما حصلتش أصلاً؟!
​ضحك باستهزاء:
— دي مش مشكلتي..
​وبعدين بص حوليه في الشقة وقال:
— عمومًا، لو الدنيا زهدت معاكي وبقيتي بتقبضي كويس، أنا هطالب إن يوسف يجي يعيش معايا وقت أطول.. مش معنى إنك هتتنططي وتكبري إنك تاخدي ابني وتنسي إني أبوه!
​في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
هو ما كانش غيران ولا فارق معاه شرفي.. هو كان مرعوب!
​كان مريحك أوي يشوفني تعبانة، بقلب في القروش، وبتحايل عليه عشان يرمي مليم نفقة لابنه. استقلالي ونجاحي كان خنقه أكتر من فقري!
​بالليل اتصلت بباشمهندس خالد وحكيت له.
— ناوية تعملي إيه؟ — سألني.
— هكمل الدبلومة.
— فيه فرصة تانية.
​إداني رقم الأستاذ مصطفى صاحب كافيه صغير في المهندسين، كان محتاج حد يمسك الإدارة.
​— دي مساعدة تانية؟ — سألته — حضرتك بتجيبلي شغل كمان؟
— لا، أنا بديكي فرصة انترفيو.. الشغل ده أنتِ اللي هتكسبيه بشطارتك.
​وافقت.
​بعد ثلاث أيام، ست هدى فاجأتني وأنا بنضف البار:
— عرفت إنك بتدوري على شغل تاني.
— أيوة.
— قبل ما تمشي عايزة أقولك حاجة.
​كنت مستنية تهزيق جديد، بس هي اتنهدت من قلبها وقالت:
— الأرقام اللي أنتِ عملتيها في الورق.. كانت صح.
​بصيت لها وأنا متفاجأة:
— طب طالما صح.. عاقبتيني ليه؟
— عشان دخلتي عليا بالحل جاهز، وحسستيني إني ست كركوبة بقالي 20 سنة بشتغل غلط!
​ما عرفتش أرد.
— كان المفروض أستأذنك وأتناقش معاكي الأول — اعترفت لها.
​هزت رأسها:
— بالظبط! في المكان الجاي، اسمعي الأول قبل ما تفرضي شطارتك.
​وبعدين مسكت شنطتها وقالت وهي طالعة:
— وحاجة كمان.. أنا عارفة إن الراجل ده مش عشيقك ولا حاجة، أنا اتصلت بالمركز اللي بتدرسي فيه وسألت.
​اتسمرت مكاني:
— ولما عرفتي الحقيقة.. سبتي الناس تأكل في وشي ليه؟
​بصت للأرض وقالت بصوت واطي:
— عشان كنت زعلانة منك.. ولأن هشام طليقك جه بنفسه واتكلم معايا.
​الهوا اتسحب من المطبخ:
— قالك إيه؟
​ست هدى ضغطت على شفايفها:
— كلام عنك وعن ابنك وعن الراجل ده.. كلام عيب تسبهيه من حد غيره!
​ساعتها عرفت إن الشائعة دي كانت مجرد بداية للعبة القذرة اللي هشام كان بيلعبها عشان يكسرني.
​الجزء الثالث
​طلعت من المطعم ورجلي مش شيلاني.
كلمت هشام من الشارع:
— أنت قلت إيه لست هدى؟
— أنتِ بتتكلمي عن إيه؟
— أنت جيت المطعم وقابلتها!
— اه.. وطيب؟
​قالها ببرود خلاني عايزة أصرخ:
— عملت كده ليه؟
— عشان أمي هي اللي قالتلي روح اسأل واعرف أصل وفصل اللي بيحصل!
— أمك مش هي اللي بتسيرك! أنت راجل راشد!
— اتكلمي عدل يا ماريان!
— قولi قلت إيه!
​اتنهد بزهق:
— قلت إنك مش مظبوطة الفترة دي.. مش بتنامي، ودماغك مش في البيت، وإن فيه راجل كبير بيدفعلك فلوس كورسات، ولازم نكون واخدين بالنا من يوسف!
​اتقهرت:
— أنت بتلمح إني أم مش محترمة ومشهورة؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *