المستخبي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
يا عم خلي المستخبى ينفعهم، وأنا وحياة كل كلمة قالهالي زمان ما هسيب حقه يضيع!
الجزء الأول: طريق طرة
”لو أبوك خرج قبل الفرح، بيتوه في الجرن ورا مع المواشي لحد ما الليلة تعدي.. مش ناقصين فضايح ولا حد يعرف إنه كان رد سجون.”
شادية قالت الجملة دي ونفس البرود اللي بتطلب بيه رغيف عيش زيادة على الطبلية. قالتها وهي باصة لبرقع صورة المرحومة أمي الحجة فاطمة، وفازة الورد البلاستيك اللي على الترابيزة كأن في حد لسة بيدعي للبيت ده بالستر!
جوزي، طارق، ما فتحش بقك ولا اتكلم.
ولا حتى عمي صبري، اللي نازل كلام طول الوقت عن “أصل العيلة وسمعة الخولي” وكأن الاسم ده هو اللي بيغسل المواعين، أو بيدفع الأقساط، أو بيطبطب على الكبار لما الكل بيستعر منهم.
كنت ماسكة الجواب المفتوح في إيدي وإيدي بـتترعش. الورقة الرسمية بتقول إن الحاج خليفة الخولي هينور الدنيا ويخرج من سجن طرة يوم الجمعة 27 نوفمبر، بعد ما قضى خمس سنين كاملة في ق\ضية توظيف أموال واختلاس من الجمعية الزراعية.
خمس سنين.
خمس سنين وسبعة وعشرين فلاح من أهالي البلد قاعدين مستنيين قرشين ما جولهمش أبداً. في البلد كلها، من القناطر لغاية طنطا، كانوا بيقولوا عليه حرامي وواكل مال النعام. بطلوا يسلموا على مراته، وبطلوا يشتروا محصول أرضه، والست ماتت بحسرتها من غير ما تشوفه طالع تاني للدنيا. أما إبراهيم، ابنه الصغير، فاختفى من يوم القعدة الكبيرة في القسم وما حدش بقى ينطق اسمه غير بوطي صوت.
بس أنا.. أنا كنت فاكرة حاجات تانية خالص.
فاكرة الحاج خليفة يوم فرحي، لما قرايب طارق قعدوا يتغزغزوا ويتغمغموا على الحلق الفضة القشاطي اللي كنت لبساه، وده كان حيلة أمي الله يرحمها من حارة اليهود. يومها الحاج وقف حيله، ومسك إيدي قدام الكوشة كلها وقال بصوت هز القاعة:
”الفقر عمره ما يعيب بني آدم ولا يوطي راسه.. العيب والحرمانية في قساوة القلب!”
وفاكرة كمان لما كنت بسقط وبموت وأنا بأولد سيف، طارق يومها جاله ذهول وقعد يتنح، وشادية نازلة صريخ ولطم في التليفون، والحاج خليفة قام في ساعتها وباع رأسين مواشي من أنضف ما عنده عشان يدفع للمستشفى الخاص لأن الميري كان هضيعني أنا والولد.
الراجل ده عمره ما عاملني كـ “الكنة الفقيرة”.. عاملني زي بنته وزيادة.
عشان كده دموي فار وصدري اتقاد نار لما اكتشفت إن طارق جوزي كان قافل على الجواب ده بقاله ثلاث أسابيع في درج مكتبه، تحت العقود القديمة وفواتير الكهرباء!
زعقت فيه: “أنت بجد كنت فاكر إن أبوك هيخرج لوحده يركب الميكروباصات ويمشي أكتر من خمسطاشر ساعة على الطريق وهو راجل مريض؟”
طارق ما رفعش عينو من على الأرض: “ما تفتحيش سيرة يا ميرفت! إسلام ابن اختي شادية خطوبته وفرحه الشهر الجاي، ونسابوه ناس أصحاب أطيان وتجار معلمين.. لو عرفوا إن أبويا لسة طالع من السجن كل حاجة هتتهد وهنروح في داهية!”
إسلام ده ابن شادية.. والفرح قلب منظرة وفشخرة كدابة: قاعة بالآلاف، ومغني شعبي، وأكل أشكال وألوان، وورد طبيعي مدفوع فيه مبالغ ربنا وحده يعلم جاية منين ولا من أنهي مصيبة!
بالليل قعدنا كلنا على الترابيزة الكبيرة: شادية، طارق، عمي صبري، إسلام، وأنا. ولادي، ندى وسيف، كانوا جوة في الأوضة بيكتبوا الواجب.
”أوعي تخليه يدخل البيت!” شادية قالتها وهي بتبصلي بقرَف: “الراجل مش مكسح يعني.”
رديت عليها والغل ياكل فيا: “ده عنده ثمانية وستين سنة! طالع من السجن بشنطة خيش فيها غيارين وجزمة مقطوعة!”
عمي صبري اتكلم وهو بيمصمص شفايفه: “على العموم.. هو اللي جابه لنفسه، مش كان كوش على الفلوس؟”
عصرت الورقة في إيدي لحد ما اتقطعت: “البيت اللي أنتوا قاعدين فيه ده مكتوب باسمه! والمخازن، والأرض اللي هتعملوا فيها كتب الكتاب بالليزر والأنوار.. كل ده حلاله وبتاعه! وجايين دلوقتي عاوزين ترموه في الدوار ورا مع الحمام والعفش القديم؟”
طارق ضرب بقبضته على الترابيزة بكل قوته: “أبويا غرقنا ودمر حياتنا ونشف ريقنا!”
الضربة خلت الكبابي ترن على الطبلية. إسلام وطي رأسه وما نطقش.. كان شاب كبير وعارف إن السكوت في المواقف دي خسة.
شادية فطست ذراعاتها وقالت ببرود: “هي كام يوم لحد ما الفرح يعدي.. هتنضفله الأوضة اللي ورا الجرن، وتحطله كنيشة ومرتبة وفروة. ما حدش هيشوفه ولا يحس بيه.”
تاني يوم الصبح بدري، نزلت من الشركة اللي شغال فيها محاسبة. عدت على المحطة، فتشت العربية، فولت بنزين، واشتريت شريط دواء الضغط بتاعه، وجاكيت صوف دافي، وشرابات وجزمة مريحة. وأنا بفتح باب العربية، لقيته طارق واقف وش جابني.
”لو مشيتي خطوة واحدة ناحية طرة ومسكتي السكة دي، ما ترجعيش تندمي يا ميرفت.”
بصيت في عينيه وقلتله: “أنا ماشية عشان في حد واحد بس في العيلة دي لسة فاكر الحاج خليفة كان مين قبل ما كلكم تدفنوه وهو حي!”
طارق جز على أسنانه بس ما قدرش يمسكني.
سقت أكتر من أربعمائة كيلو لغاية القاهرة.. ظهري اتدشدش وعيني جفت من كتر التفكير والحرقة. على الضهر كده يوم 27، شفت الحاج خليفة طالع من بوابة السجن الكبير، ماسك في إيده كيس بلاستيك أسود فيه بقجة هدومه. شعره بقى زي القطن، الجلابية سحلانة عليه، والجزمة دايبة ومتاكلة من الحافية.
وقف يبص على السكة والطيارة.. استنى دقيقة.. دقيقتين.. وبعدين فهم إن ما حدش من عياله جاله ولا افتكره.
بدأ يجر رجله ويمشي ناحية الموقف بالراحة.
جريت عليه وأنا دموعي سابقتاني، وحضنته بكل قوتي.
جسمه اتخشب في الأول، كأنه نسي يعني إيه حد يحضنه أو يطبطب عليه. وبعدين لف دراعاته الهزيلة حولي، وطلع تنهيدة طويلة شالت هموم السنين.
”وطارق؟ وشادية؟ والعيال؟” سألني بصوت مكسور.
كدبت عليه وقلتله: “مشغولين بتجهيز الفرح يا حاج.. بس بعتوني جاري عشان أخدك في إيدي.”
ما صدقنيش.. شفت الكدبة في عينيه وهز رأسه بس ما كسفنيش.
ركبنا العربية، ومشينا شوية في صمت رهيب، لحد ما طلع ورقة مبلولة ومطبقة من جيب جلابيته الداخلي.
”ما تودينيش البلد دلوقتي يا ميرفت..” قالها بصوت وطي خالص: “قبل ما نرجع.. خذيني على العنوان ده في الجيزة، قبل الساعة ثلاثة.. وأمانة عليكِ ما تقوليش لطارق ولا كلمة.”
أخدت الورقة منه.
كان عنوان في شقة قديمة ورا الموقف في الجيزة.. وتحت العنوان، مكتوب بخط إيد اترعش من التعب اسم كان محرم يتقال في بيتنا بقاله خمس سنين:
إبراهيم.
وساعتها بس فهمت.. إن رجوع الحاج خليفة ما كانش نهاية الفضيحة اللي خايفين منها.. دي كانت بداية السر الكبير اللي العيلة كلها كانت فاكرة إنها دفنته، وما حدش هيقدر يستخبى منه تاني!
الجزء الثاني: الشقة القديمة في الجيزة
العنوان وصلنا للاندق قديم ومكسر دهان أزرق، ورا مطعم كوارع ولحمة رأس ريحة الشوربة والعيش المحمص مالية المكان. المحامي الأستاذ فهمي كان مستنينا على الباب، أنا أعرفه بالاسم بس؛ الأستاذ فهمي اللي ما سابش ق\ضية حمايا من أول يوم.
طلعنا الدور التالت، شقة 307. الأستاذ فهمي خبط تلات خبطات، استنى، وبعدين خبط خبطتين تانيين.
الباب اتفتح بالوربة.
الراجل اللي وقف قصادنا ما كانش هو إبراهيم اللي أعرفه. إبراهيم زمان كان مالي هدومه، قميصه مكوي وريحة برفانه سابقة خطوته. دلوقتي واقف بدقن طويلة متنعكشة، وعينين غرقانة في الحزن، وإيدين بترعش.
أول ما شاف الحاج خليفة، انهار.
وقع على ركبه في الأرض: “سامحني يا أبا.. سامحني والنبي يا أبا!”
الحاج ما حضنوش في ساعتها، مسكه من كتافه وقومه بالعافية: “قولي بس، مراتك والولد بخير؟”
إبراهيم هز رأسه وعينيه بتشر دموع: “عايشين.. بس المستخبيين والمطاردين.”
جوة الأوضة كان في لاب توب قديم، ودوسيهات، وكشوفات حساب، وصور فواتير، وأختام مضروبة، وارتاس محطوط على الترابيزة. الأستاذ فهمي قفل الباب بالمفتاح، وحسيت الجو جوة بقى خنقة ومكتوم.
إبراهيم بدأ يتكلم.
في 2019، الجمعية الزراعية نزلها بتاع تمانية وتلاتين مليون جنيه ملك للغلابة الفلاحين بتوع الذرة. إبراهيم، بعد ما ضحك عليه راجل أعمال كبير اسمه توفيق الزيات، أخد جزء من الفلوس عشان يدخل بيهم في تشغيل “مؤقت” يدبل الفلوس ويرجعها قبل ما حد يحس. استغل أوراق ممضية على بياض وأختام طارق أخوه كان سايبها في المكتب من باب الكسل والسلكان.
بس توفيق الزيات طار بالفلوس وصفى الحسابات.
ولما إبراهيم هدد يبلغ، بعتول صور لمراته وهي طالعة من مستشفى الولادة، وكان عندها ثقب في القلب وأي خضة كانت هتقتلها هي واللي في بطنها.
الحاج خليفة عرف كل حاجة.
وبدل ما يسلم عياله للبوليس، راح باع حتة أرض، ودفع للي قدر عليهم من الفلاحين، وراح وقف قدام النيابة وقال: أنا اللي طيرت الفلوس وأنا اللي تصرفت.
سألته وأنا جسمي بتنفض: “حضرتك كنت عارف إن إبراهيم هو اللي عملها؟”
الحاج نزل عينيه في الأرض وما نطقش.
إبراهيم حط الفلاشة على الترابيزة: “هنا كل الإيميلات والتسجيلات والتحويلات.. وفي دليل كمان يدين توفيق. أنا كنت هسلم ده للنيابة النهاردة، بس صوروا ابني الصغير وهو داخل الحضانه الصبح.. أنا لازم أهرب الليلة دي!”
”لا!” الحاج خليفة قالها بصوت كالرعد.
إبراهيم بصله بفرع: “أنت مش فاهم يا أبا! الناس دي ما بتهزرش!”
”أنا عطيتك خمس سنين من عمري في السجن عشان أحميك!” الحاج رد عليه وهو بيتنفض: “واللي اتعلمته إنك تجري وتستخبى؟”
”عملت كده عشان بيتي وعيالي!”
”وأنا عملت كده عشانكم كلكم.. وشوف النتيجة والخراب اللي إحنا فيه!”
الصوت علي والأوضة اتكهربت. إبراهيم بيرتعش، والحاج خليفة نفسه بقى يعلى ويهبط، وفجأة حط إيده على صدره ووقع على الترابيزة!
صرخت من الخضة!
الأستاذ فهمي أخدنا وعلى أقرب مستشفى. الدكتور قال إنها مش جلطة الحمد لله، بس الضغط عالي جداً والقلب مجهد للتلات، وجسمه مهدود كأن السجن أكل عضمه.
وأنا واقفة برة مستنية الحاج يفوق، بصلت حولي مالقيتش إبراهيم. افتكرته فص ملح وذاب وهرب.
ساعة زمن، والتليفون رن مع الأستاذ فهمي. إبراهيم كان راح بنفسه وركب ورايح مديرية الأمن ومعاه الفلاشة واعتراف كامل باللي حصل!
على وش الفجر، المحامي فهمنا إنهم ممكن يعملوا إعادة إجراءات للحاج خليفة، بس المشكلة إن الحاج كان معترف رسمياً في التحقيقات القديمة، وده مش بيتمحي بسهولة.
فتحنا تسع إيصالات من بتوع الجمعية.. التسعة عليهم توقيع طارق جوزي الحي والحقيقي، قبل ما ينكتب فيهم أي مبالغ ولا أسماء!
حسيت بتمثيلة تلج نزلت في بطني: “طارق كان عارف إن الأوراق دي بتترمي كده ومسبوبة على بياض!”
الحاج خليفة سكت.. بس السكوت كان أبلغ من أي كلام.
فهمت ساعتها إن الراجل ده ما دخلش السجن عشان يشيل عن ابن واحد.. ده دخل عشان يداري على ولدينه الاثنين!
حكيت للحاج على كل اللي حصل في البيت.. الجواب المشتال.. أوضة الجرن.. وفكرة إنه يتدارى لحد ما الفرح يعدي. كل كلمة كانت بتطفي وش الراجل أكتر وأكتر.
همس وهو مكسور: “يمكن أنا بقيت فعلاً وصمة عار في حياة عيالي..”
مسكت إيده وقلتله: “لا يا حاج! أنت راجع تدورلهم على أعذار تاني؟ مين هيشوفلك أنت عذر طوال الخمس سنين دول؟”
الحاج خليفة سكت فترة طويلة، وبعدين قام وقف على حيله بهيبة وشموخ رغم التعب: “رجعينا البلد يا ميرفت.. المرة دي أنا مش هداري على حد، والولد اللي عمل حاجة يشيل شيلته.”
وكنا خلاص راكبين العربية وراجعين طنطا، لما أجا مكالمة ثانية من الأستاذ فهمي غيرت خط السير كله.
واحدة ست شغالة في الجمعية وافقت تتكلم، ومعاها النسخ الأصلية اللي تثبت مين اللي زور المستندات دي كلها.
بس اشترطت شرط واحد: الحاج خليفة ما يقربش منها ولا يظهر في الصورة، لأن لو حد لمحهم سوا، ممكن تتقتل قبل ما توصل باب النيابة!
الجزء الثالث: المواجهة والستر المكسور
الست كان اسمها ماجدة، وكانت الموظفة الحسابات القديمة في الجمعية. قابلتنا في سوق الخضار على أطراف الجيزة، وسط زحمة الناس وفرش البطاطس والفاكهة. كانت لابس عباية سمراء ونظارة شمس كبيرة رغم إن الجو كان مغيم.
الحاج خليفة قعد في العربية على بعد الشارع، وأنا والأستاذ فهمي مشينا لها.
ماجدة ما سلمتش حتى، فتحت شنطة الخضار وطلعت منها أجندة بلاستيك، وفلاشة، وإيصالات مطبوخة.
قالت وهي بتتكلم من تحت أسنادها: “أنا شفت الفواتير وهي بتبوظ وتتغير.. في فواتير اتعملت والحاج خليفة كان في المستشفى بيموت من التهاب رئوي وما كانش يقدر يمسك القلم! التحويلات المالي طلعت قبل التواريخ اللي قالوا إن الحاج ماضى عليها.”
المحامي قلّب في الورق وسكت: “ده يثبت التزوير واللعب في السستم.”
قالت ماجدة: “ويثبت كمان دور طارق.. طارق ما سرقش الفلوس بيده، بس رفع أوراق ممضية على بياض للسستم بعد ما إبراهيم غرق وحصل اللي حصل.. ولما عرف، خاف وضم إيده وسكت.”
سألتها: “وليه ما تكلمتيش من خمس سنين؟”
بلعت ريقها: “علشان توفيق الزيات بعتلي صورة بنتي وهي طالعة من المدرسة وقال لي: الأم العاقلة بتنسى.”
السوق كان هيص حولينا، بياعين بينادوا على المانجو وصوت الخلاط في محل القصب، بس بالنسبة لي الدنيا كانت ساكتة وميتة. كنا واقفين قدام الخراب الحقيقي بتاع عيلة الخولي.
إبراهيم بدأ الغلطة..
توفيق الزيات استغلها وعمل منها جري\مة..
طارق ستر وتستر عشان خايف على نفسه..
والحاج خليفة شال الشيلة وساب البلد كلها تف على اسمه خمس سنين وهو ساكت!
وصلنا البلد على المغربية. البيت كان منور ومفروش كأن في عيد. أولادي ندى وسيف جرايو على العربية أول ما سمعوا الصوت. ندى كانت شارية طاقية صوف جديدة لجدها من مصروفها، وسيف اتعلق في رقبته: “يا جدو! أخيراً جيت!”
الحاج حضنهم وعينيه دمعت.. أظن دي كانت أول مرة من خمس سنين حد يستقبله من غير خوف ولا كسوف.
طارق كان واقف في الممر ومسك في إيده كيس علاج.. نفس الكيس اللي ما رضيش يديهولي وأنا ماشية.
”أبا..” طارق قالها وصوته مخنوق ومش عارف يوديه فين. “حمد الله على السلامة.”
الحاج خليفة بصله من غير ما يبتسم: “الله يسلمك يا طارق.. رجعت بيتي.”
شادية طلعت من جوة ووشها أحمر وابتسامتها صفرا: “يا حاج! ده البيت ينور! إحنا بنوضب الأوضة جوة عشان كده قلنا تقعد كام يوم في الأوضة اللي ورا الجرن تريح عقبال ما نخلص..”
الحاج خليفة عدى من جنبه ولا كأنها اتكلمت، وراح عند صورة المرحومة الحجة فاطمة، ولع شمعة، وبعدين فتح باب أوضته الكبيرة.
الأوضة كانت زحمة كراتين، ومكن خياطة، وعلب الورد بتاع كتب كتاب إسلام، وهدايا المعازيم.
الحاج حط البقجة بتاعته على ترابيزة السفرة: “طلعوا القرف ده كله من أوضتي.. أنا هنام في سريري الليلة دي.”
طارق قرب منه: “يا أبا، أنت تعبان.. ومش وقته مشاكل.”
”أنا مش بعمل مشاكل..” الحاج رد ببرود: “أنا بحدد هنام فين في بيتي اللي لسة باسمي.”
عمي صبري حمحم وطلع قدام: “يا خليفة أفهم! إحنا كلنا عاوزين نعمل الصح.. بس إسلام ابن شادية بيكتب كتابه، ونسابوه ناس معلمين وليهم هيبة.”
”هيبة عند مين؟” الحاج سأله: “عند ناس محتاجين كدبة عشان يقبلوا بواحد مننا؟”
إسلام، اللي كان قاعد في الصالة، قام وقف ووشه أصفر: “جدو عنده حق.”
شادية لفت له وزعقت: “أنت هتخيب أنت كمان؟”
إسلام قال: “أنا قلت لخطيبتي إن جدو مسافر بيخلص شغل برة.. وبكرة هقولها الحقيقة. لو فركشت الخطوبة، يبقى كانت عاوزة الاسم والنضافة الكدابة مش عاوزاني أنا!”
”أنت هتخرب بيتك بأيدك!” شادية صرخت.
الحاج خليفة طلب من الكل يقعد. الأستاذ فهمي طلع الورق وحطه على الترابيزة: محاظر، فواتير، صور التحويلات، واعتراف إبراهيم في النيابة.
”إبراهيم راح وسلم نفسه..” الحاج قال بوضوح: “ودلوقتي جه الدور على الباقي يبطلوا استخباء.”
عينيه جت في عين طارق.
طارق هز رأسه بنفي: “أنا ما سرقتش ملليم يا أبا!”
رديت أنا: “ما حدش قال إنك سرقت.. بس مضيت على بياض وسيبت الخراب يحصل، ولما عرفت إن أبوك هينحبس سكت وعشت حياتك عادي!”
طارق ضرب الطبلية: “كان عليا ديون! وكان معايا عيلين صغار! لو كنت دخلت السجن معاكم، مين كان هيصرف على بيتي؟”
قلتله وأنا باصة في عينيه: “أنا! أنا كنت شغالة وقتها وشغالة دلوقتي.. بس أنت ما دتنيش فرصة أقف جنبك في الحق! أنت اخترت تكدب وتداري وسيبت أبوك يشيل السيلة لوحده!”
الحاج مسك عصايته بإيديه الاثنين وقال بحزن: “وأنا كمان غلطت لما فاكر إن حب عيالي يعني أشيل قذارتهم وأستر على غلطهم.. أنا كده ما حمتكمش، أنا علمتكم الخسة.”
شادية قعدت تعيط بغل: “أنا ماليش دعوة بالورق ده!”
”أه ماليش دعوة..” الحاج قالها: “بس كنتِ عاوزة ترميني في أوضة الجرن، وبقالك تلت سنين بتاخدي إيجار المحلات بتوعي ولا شفت منك جنيه!”
قالت وهي بتمسح وشها: “أنا كنت بصرف على البيت وأمي تعبانة!”
”صرفك على أمك ما يخليكيش تحطي إيدك على أمالي وتصرفيها على فشخرة وفرح ابنك!”
الحاج أعلن إن بكرة في مأذون ومحامي ونشاط رسمي هيتعمل، وكل الإيجارات والبيوت هترجع تحت إيده هو.
عمي صبري قال: “ده هيخرب العيلة ويقطع أرحامها يا خليفة.”
الحاج بصله بجمود: “العيلة دي مقطوعة ومتخرابة من زمان.. إحنا بس هنبطل نسمي الندالة والجبن صلة رحم!”
ندى وسيف بدأوا يشيلوا الكراتين من أوضة جدعهم، وإسلام نزل يساعدهم، وأنا معاه. وتحت كراتين المفارش، طلع الجاكيت الصوف القديم بتاع الحاج خليفة، وفي جيبه تذكرة أوتوبيس دايبة من أخر مرة راح فيها يزور الحجة فاطمة في المستشفى قبل ما تموت.
مسك التذكرة بإيده ومسح عليها: “وأنا محبوس جوة.. أنتوا كنتوا بتاخدوا عمري حتة حتة.. اسمي، وأوضتي، ومكاني في البيت.”
طارق حاول يقرب: “يا أبا.. أنا..”
الحاج رفع إيده: “مش عاوز كلام النهاردة.. عاوز أنام في سريري من غير ما أحس إني تقيل على حد.”
نضفنا الأوضة، فرشنا ملايات نظيفة، وفتحنا الشباك عشان الهواء يدخل. وقبل ما ينام، الحاج طلب نسيب الباب مفتوح: “خمس سنين وأنا بنام ورا باب مقفول بسلسلة.. كفاية عليّ قوي.”
طول الليل، طارق قعد صاحي في الصالة. وعلى وش الفجر دخل المطبخ ومعه الدفتر التجاري.
قال لي: “ده فيه كل الحسابات من يوم ما أبويا اتسجن.. بالفلوس اللي أخدتها واللي كتبتها والورق اللي ماضي عليه.”
قلتله: “تقديم الورق ده مش هيغسل اللي عملته.”
قال: “عارف.. بس إن أفض مستخبي هيخليه أوحش.”
راح بنفسه للنيابة وقدم أقواله في التستر والإهمال والتوقيع على أوراق بياض. ما طلعش منها بريء، بس على الأقل قلع القناع اللي كان لابسه.
شادية سلمت الحسابات، وباعت حتة أرض صغيرة من منابها عشان ترجع الإيجارات اللي أخدتها. وفرح إسلام اتأجل.. بس خطيبته ما سبتوش، وقالت جملة البلد كلها كرتتها:
”العيب مش إن جدك كان في السجن.. العيب إنكم كنتوا عاملين مش شايفينه وتستعروا منه!”
الق\ضية أخدت أكتر من سنة في المحاكم. الخبراء أثبتوا التزوير واللعب في المستندات، والقاضي طلع قرار ببرائة الحاج خليفة وإعادة اعتباره، بس طبعاً الخمس سنين ما بيرجعوش، ما فيش محكمة في الدنيا بتقدر ترجع الأيام ولا الأعياد ولا اللي ماتوا.
توفيق الزيات اتقبض عليه وهو بيهرب على السلوم. وإبراهيم اتعاقب على اللي عمله بس أخد عقوبة مخففة عشان سلم نفسه والأوراق، وباع أرض حيلته عشان يعوض الفلاحين.
الحاج خليفة راح بنفسه للفلاحين في بيوتهم.. ما راحش يطلب طبطبة، راح يستسمحهم إنه سكت على الحق ودارى على الخراب. وطارق كان ماشي وراه، بيسمع الكلام والتهزيء والشتائم اللي كان المفروض يشوفها من زمان.
أنا ما سامحتش طارق في ساعتها.. قلتله البقاء سوا مرهون بالأفعال والتغيير، وإن كلمة “عيلة” دي ما تنفعش تبقى ملاية بنغطي بيها القذارة.
بعد سنة، إسلام اتجوز في قاعة بسيطة وصغيرة. وقبل ما يدخل، أخد جده من إيده وقعده في أول كرسي قدام: “زمان كنت عاوز أداريك.. النهاردة عاوز الدنيا كلها تعرف إنك جدي!”
الحاج خليفة ابتسم بوقار: “شوف العروسة يا ابني.. أنا أخدت نصيبي من العين والناس خلاص.”
مع الوقت، البيت اتغير.. مش بالدهان ولا العفش، بس بالقواعد. كل حاجة بقت بأوراق وأصول.
في يوم، ندى بنتي سألته: “هو أنت يا جدو بيزعل لما حد يقول عليك كنت رد سجون؟”
الحاج خليفة كان بيقشر برتقالة للعيال: “بيزعلني إني أحب عيالي غلط لسنوات طويلة.”
سأله سيف الصغير: “هو في حد بيحب غلط يا جدو؟”
قال الحاج: “أه يا ابني.. لما تداري على غلط غيرك وتحميه من النتيجة، أنت كده مش بتحبه.. أنت بتسرق منه فرصة إنه يبقى راجل ويتحمل مسئولية نفسه.”
سيف رفع إيده بجدية: “يعني لو ما عملتش الواجب.. ماما المفروض ما تكتبهوش بدالي؟”
ضحكنا كلنا من قلبنا.
بصيت للحاج خليفة وهو قاعد وسط أحفاده في المطبخ اللي كان فيه ناس عاوزة ترميه في الجرن ورا.. وفهمت إن المشوار ده ما رجعش بس راجل حر لبيته.. ده رجع حقيقة العائلات بتخاف تبص عليها: الحب من غير مسئولية مش حب.. ده دين وثمن غالٍ بيدفعه البريء في الآخر!