باقي خمس دقائق
حصري لصفحة روايات رولا
باقي خمس دقائق على عملية جراحية طارئة لما لبست بالطو دكتورة تاني. حطيت إيدي في الجيب ولقيت ورقة من جوزي: “قريب هسيب مراتي”. بعد 15 سنة جواز، ما صرختش؛ شلت الورقة ودخلت غرفة العمليات. بس لما عرفت المريض، اكتشفت إن الخيانة دي وراها حاجة ألعن بكتير.
الجزء الأول
—أنا زهقت من التمثيل إني بحبح مراتي. اصبري شوية، قريب هنكون مع بعض.
قريت الكلام ده تلات مرات قبل ما أتقن إنه مكتوب بخط جوزي.
اسمي مريم رءوف، عندي 42 سنة وجراحة مخ وأعصاب في مستشفى خاصة بمصر الجديدة. على مدار 15 سنة كنت فاكرا نفسي متجوزة راجل محترم. والنهارده الصبح اكتشفت خيانته في أكتر مكان مستحيل أتخيله: جيب بالطو دكتورة شحّالة معايا.
كل الحكاية بدأت لما استقبلنا راجل مصاب بإصابة بالغة في حادثة على طريق الإسماعيلية الصحراوي. كان محتاج تدخل جراحي عاجل في المخ. جريت على غرفة التغيير، بس البالطو بتاعي متلاقاش. أخدت بالطو تاني كان متعلق جنب الدولاب، من غير ما أبص على الاسم المكتوب عليه.
وأنا بجهز نفسي، لقيت ورقة مطوية جوه الجيب.
كانت ورقة من الفندق اللي أنا وأدریان سلماوي، جوزي، كنا احتفلنا فيه بآخر ذكرى جواز لينا.
عرفت خطه على طول.
«يا وليء، أنا زهقت من إني أمثل إني بحب مراتي. اصبري. قريب هنقدر نكون مع بعض من غير ما نتحاشى حد. بحبك أوي. أدريان».
حسيت إن الأرض بتتهد من تحت رجلي.
بصيت على الاسم المطروز على البالطو.
ولاء بيومي.
طبيبة المقيمة بتاعتي. بنت عندها 29 سنة وفضلَت شهور تطلب مني نصائح، وتمدح في جوازي وتحكي لي إنها حظها وحش مع الرجالة.
هي نفس الست اللي حضنتني لما محاولة الحقن المجهري الأخيرة بتاعتي فشلت.
على مدار 15 سنة حاولت أكون أم. عديت على عيادات، وحقن، وعمليات انتهت بدموع. أدريان كان دايماً بيقول لي:
—إحنا مش محتاجين عيال يا مريم. إنتِ لوحدك كفاية عليا.
كنت بحبه أكتر بسبب الكلمتين دول.
دلوقتي فهمت إنه كان ممكن يكون بيكدب عليا وأنا قاعدة أبكي في العيادات.
—يا دكتورة، لازم ندخل العمليات. المريض حالته بتدهور.
صوت الممرضة أجبرني أرجع لوعي.
شلت الجواب في دولابي، غيرت هدومي ولبست اللبس المعقم ودخلت غرفة العمليات.
ولاء كانت واقفة جنب الترابيزة، جاهزة تساعدني. لما عيونا اتقاطعت، ابتسحت من وراء الكمامة.
—دكتورة مريم، المريض عنده تجمع دموي كبير. لازم نبدأ حالاً.
ما كانتش تعرف إني لسه مكتشفة سرها.
قربت من الراجل اللي فاقد وعيه وبصيت على الأشعة بتاعته. وبعدين بصيت على وشّه.
كان فيه جروح في جبهته، وعظمة خدّه ورمة، وفيه ندبة صغيرة جنب حاجبه الشمال.
الندبة دي خلت قلبي يقف لحظة واحدة.
كنت عارفاها كويس.
قعدت ألعب فيها بايدي كذا مرة لما كان عنده 23 سنة.
—مش معقول —تمتمت بصوت واطي.
رجعت بصيت في الملف الطبي.
دانيال عثمان، 43 سنة.
حبّي الأول.
الراجل اللي كنت ناوية أتجوزه قبل ما يختفي من حياتي فجأة، ويسيب لي جواب وداع كسر قلبي.
على مدار 16 سنة ما عرفتش هو فين.
ودلوقتي واقف قدامي، على حرف الموت.
—يا دكتورة! —أصرت ولاء—. إحنا بنضيع وقت!
بصيت لها.
عشيقة جوزي كانت مستنية أطلب منها المشرط عشان أنقذ الراجل اللي هو أخذه مكانه في قلبي.
ساعتها لاحظت ملحوظة في تقرير الحادثة.
عربية دانيال كانت اتعرضت لصدمة جانبية قبل ما تخرج عن الطريق.
وفي حد كتب جملة تقلق:
«السائق بيقول إن فيه عربية تانية خبطته بقصد».
ما كنتش قادرة أتخيل إن الكلام ده له علاقة بجوزي.
ولا حتى إن، وأنا بحاول أنقذ دانيال، كنت على وشك أكتشف إزاي أدريان دمر حياتنا من 16 سنة فاتت.
الجزء التاني
—مشرط —أمرت. صوتي طلع ثابت، مع إن إيدي كانت تلج. ما أقدرش أغلط غلطة واحدة. دانيال كان مغمى عليه وحياته كانت واقفة على عملية دقيقة جداً. في أول كم دقيقة، كل حاجة مشيت زي ما خططنا. لحد ما لقينا نزيف أوسع من اللي كان باين في الأشعة.
—لازم نوقف الوعاء الدموي ده حالاً —قالت ولاء، وهي بتناولني ملقط.
بصيت على المنطقة. اقتراحها كان ممكن يوقف النزيف، بس في نفس الوقت هيزود خطر إتلاف أعصاب مهمة.
—محتاجة رؤية أوضح —رديت—. جاهزوا الميكروسكوب.
—يا دكتورة، إحنا بنضيع وقت.
—أنا عارفة كويس.
—لو كملنا كده، ممكن يموت.
ثبت عيوني عليها.
—ولو اتصرفنا من غير حرص، ممكن نسيبه بعاهة مستديمة. ركزي في شغلك يا دكتورة ولاء.
ولاء ضغطت على شفايفها بغيظ.
فضلنا شغالين تقريباً ساعة لحد ما سيطرنا على النزيف. لما العلامات الحيوية بدأت تتظبط، حسيت إني رجعت أخد نفس. دانيال هيعيش.
طلعت من العمليات وسندت ضهري على حيطة الطرقة. كنت أنقذت الراجل اللي حبيته في يوم من الأيام، في الوقت اللي جوزي كان بيدمر حياتي فيه.
بعد تلات ساعات، ممرضة بلغتني إن دانيال فاق.
دخلت أوضته. فتح عيونه بالبطء.
—مريم؟
سماع اسمي بصوته جاب لي وجع كنت فاكرة إني نسيته.
—عملتِ حادثة. لازم ترتاح.
دانيال حاول يبتسم.
—كنت متأكد دايماً إنك هتبقي دكتورة شاطرة.
بعدت عيني عنه. على الكومودينو جنب السرير كانت فيه كيسة شفافة فيها حاجته. وسط المفاتيح والمحفظة، لمحت ميدالية معدنية صغيرة على شكل قلب.
دي كانت واحدة من اتنين اشتريناها واحنا لسه طلبة. أنا لسه حافظة بتاعتي لحد دلوقتي.
—إيه اللي مخليك لسه محتفظ بدي؟ —سألت.
دانيال بص للميدالية وبعدين بص لي.
—عشان فيه وعود البني آدم ما يقدرش يبطل يفتكرها.
حسيت إني عاوزة أبكي.
—أنت اللي خسرت وعدنا.
ملامحه اتغيرت.
—يا مريم، فيه حاجات عمر ما حد حكاها لك.
—يبقى كان لازم تحكيها لي من 16 سنة.
طلعت بره الأوضة قبل ما أسمع رد.
الليلية دي رجعت بيتي في التجمع الخامس. أدريان كان المفروض في إسكندرية بيخلص شغل.
كلمت فاطمة، صحبتي المقربة من أيام الجامعة.
—محتاجة أسألك حاجة. فاكرة اليوم اللي دانيال اختفى فيه؟
فاطمة سكتت.
—يا مريم، كان فيه حاجة عمري ما رضيت أقولها لك عشان ما أتعبكيش.
—دلوقتي محتاجة أعرفها.
—شفت دانيال راكب عربية نقل سوداء قدام الكلية. وكان وشه أصفر جداً. وجوه العربية كان فيه أدريان وأبوه.
وقفت مكاني متسمرة.
—متأكدة؟
—ألف في المية.
تاني يوم وصلني الجواب اللي دانيال بيقول فيه إنه مبقاش بيحبني.
افتكرت أدريان ظهر إزاي بعد أسابيع قليلة عشان يطبطب عليا. وإزاي كان بيدفع مصاريفي وأنا لسه طبيبة مقيمة. وإزاي خلاني أبطل أقابل أصحاب كتير ليا. كنت فاكرة إن دي حماية، بس يمكن طلع تحكم وسيطرة.
دخلت مكتب جوزي. في دولاب قديم كان مخبي كواشير فيها ورق قديم لشركة المقاولات بتاعت عيلته.
دورت في ملفات من 16 سنة فاتوا.
لقيت عقود، وكشوف حسابات، وورق توثيق يخص مشاريع عقارية.
وفجأة ظهر اسم مألوف.
توماس عثمان.
أبو دانيال.
كان موقع كضامن تضامني في قرض للشركة. وتحت التوقيع كان فيه إنذارات بالحجز وملف يخص الشقة اللي عيلة عثمان كانت قاعدة فيها.
افتكرت إن أبو دانيال جالوه جلطة في المخ قبل ما نسيب بعض بشوية.
كملت تقليب. في آخر الدولاب لقيت إيصال دفع لمصحة تأهيل عصبي.
شركة المقاولات بتاعت عيلة السلاوي كانت دافعة مبلغ كبير جداً.
ومدبوسة في الإيصال ورقة عنوانها: «شروط الاتفاق مع دانيال عثمان».
عرفت التوقيع اللي في آخر الورقة.
توقيع أدريان.
مسكت الورقة وبدأت أقرا.
الشرط الأول كان بيتكلم عن المصاريف الطبية لتوماس عثمان. والشرط التاني عن إسقاط مطالبات مالية معينة.
بس لما وصلت للشرط التالت، اضطريت أعد على الأرض من كتر الصدمة.
لأن اسمي الكامل كان مكتوب هناك.
وهنا فهمت إن اختفاء دانيال مكنش أبداً قرار حر منه.
الشرط الثالث كان مكتوباً بوضوح تام: «يتعهد دانيال عثمان بقطع أي صلة بـ مريم رءوف نهائياً، والرحيل دون إبداء أسباب، وعدم محاولة التواصل معها بأي شكل وتحت أي ظرف، مقابل التكفل الكامل بعلاج والده ودفع ديون الشركة وتأمين مستقبله».
الورقة دي كانت الدليل القاطع على إن أدريان مش بس خانني امبارح مع ولاء، ده سرق مني مستقبلي كله من 16 سنة. هو اللي دبر كل حاجة بخبث عشان يخلق لنفسه مساحة في حياتي، ويلعب دور المنقذ والمحب المخلص، وهو أصلاً السجان اللي حطم سعادتي من البداية وبنى جوازنا على أكذوبة مرعبة.
افتكرت في اللحظة دي الجملة اللي كانت في تقرير الحادثة: «السائق بيقول إن فيه عربية تانية خبطته بقصد».
قلبي قفز في صدري. الحادثة مكنت صدفة! أدريان عرف بطريقة ما إن دانيال راجع، أو يمكن دانيال شافه بالصدفة أو حاول يقرب مني، فأدريان قرر يتخلص منه نهائياً بالطريقة دي!
في نفس اللحظة دي، سمعت صوت فتح باب الشقة برة. أدريان دخل وشنطة السفر في إيده، راجع من إسكندرية بدري عن ميعاده.
—مريم؟ إنتِ لسه مصحية في الوقت ده؟
شاف الورق والملفات المتستفة حواليا على المكتب، وشاف في عيوني نظرة مرعبة مكنش متوقعها أبداً. ابتسامته المصطنعة وقعت من على وشه.
—إيه ده يا مريم؟ بتعملي إيه؟
قمت من مكاني ببطء وثبات تام، كأني واقفة قدام ترابيزة عمليات وعارفة مكان الورم بدقة.
—كنت براجع تاريخنا يا أدريان… وبالتحديد، تمن اللي دفعته عشان تشتري حياتي من 16 سنة.
أدريان ارتبك، وخطا خطوة لورا ووشه اصفر.
—أنتِ… أنتِ لقيتِ إيه؟
—لقيت كل حاجة. العقود، المصحة، شروط الاتفاق… ولقيت كمان إنك مش بس سارق عمري الماضي والحاضر، ده إنت حاولت تقت\ل الراجل ده امبارح في حادثة مدبرة!
قبل ما يلحق يرد أو يبرر، باب الشقة اتفتح تاني ودخلت ولاء ومعاها مفتاحها الخاص؛ طبعاً ما هي بقت صاحبة البيت الحقيقية في السر. بصت لنا بصدمة وهي شايفة وشي البارد والورق في إيدي.
—دكتورة مريم؟!
بصيت للاتنين بنظرة حادة، وطلعت تليفوني بهدوء شديد.
—أنا كلمت المحامي، وبلغت الشرطة عن محاولة شروع في قت\ل، ومعايا المستندات اللي تثبت تورط أدريان في حادثة طريق الإسماعيلية. أما بالنسبة لكي يا دكتورة ولاء، فمجلس الإدارة في المستشفى هيستلم تقرير بجميع تجاوزاتك وتزويرك بكرة الصبح بدري.
أدريان تقدم بسرعة وحاول يمسك إيدي:
—مريم، اسمعيني، أنا عملت كده عشان بحبك بجنون، كنت بموت من الغيرة وخفت أضيعك…
—الحب مش خيانة وتدمير حياة يا أدريان. الحب مش صفقة شراء وعبودية.
بعدت عنه بقرف، ومشيت وسبتهم في الصدمة والرعب.
بعد أسبوع، كان أدريان وراء القضبان في اتهامات بالتزوير والشروع في القت\ل، وولاء خسرت شغلها وترخيص مزاولة المهنة ومستقبلها كله.
أما أنا، فوقفت أخيرًا قدام غرفة دانيال في المستشفى. فتح عيونه ببطء وابتسم لي بضعف وهو شايفني داخلة.
قعدت جنبه على الكرسي، وطلعت من جيبي الميدالية القديمة على شكل قلب اللي كانت معاه، وحطيتها جنبه.
—الفاتورة اتدفعت يا دانيال… والمرة دي، الحساب خلص بجد، وبدايتنا رجعت لنا.