لو كسرتي حصري لصفحة روايات رولا

— أنا ما قلتش كده!
— أنت قلت كده بالظبط!
— أنا بخاف على ابني وبحميه!
​ضحكت.. ضحكة وجع:
— بتحميه؟ بقالك خمس شهور ما دفعتش مليم نفقة! لما سخن ما رديتش، لما احتاج جزمة قلت معاييش، في حفلة الحضانة جيت متأخر ساعتين! ودلوقتي لما بدأت أدرس بقيت خايف عليه؟!
— عشان ما أعرفش مين الراجل ده!
— مش شغلانتك تعرف!
​زعق في التليفون:
— لا شغلانتي! أنتِ أم ابني!
— وأنت أبوه.. ابدأ اتصرف كأب الأول!
​قفلت السكة في وشه.
​الليلة دي بكيت في الحمام عشان يوسف ما يسمعنيش. ما بكيتش على هشام.. بكيت من القهرة، من إن الشخص اللي عاشرتيه ست سنين عارف نقط ضعفك وبيستخدمها عشان يهدك!
​رانيا أختي جيتلي المحل بتشكولاتة وقهوة:
— لازم ترفعي عليه ق\ضية!
— ق\ضية عشان كلام وشتيمة؟
— ق\ضية نفقة وق\ضية حبس! هو فاكرك مكسورة الجناح!
​كنت دايماً بتهرب من المحاكم عشان ما أفتحش باب حرب.. بس اكتشفت إن الحرب كانت قائمة فعلاً، وأنا بس اللي كنت بحاول أعمل هبيلة وأحافظ على السلام!
​الأسسبوع اللي بعده، وpost محامية أحوال شخصية.. ما طلبتش أحرمه من الولد، طلبت بس حق ابني بالقانون: نفقة، ومواعيد رؤية منتظمة، وكل واحد يعرف حدوده.
​لما جاله المحضر، اتصل وهو بيصرخ:
— فرحانة كدة؟ عايزة تعمليني رد سجون؟
— عايزة نمشي بالقانون والعدل.
— كل ده من ساعة ما ظهر المليونير بتاعك!
— باشمهندس خالد ما يعرفش حاجة عن الموضوع ده، وحتى لو يعرف.. دي مشكلتي ومشكلتك!
​سكت شوية وبعدين قال بصوت واطي:
— أنتِ ما كنتيش كده زمان..
— ما كنتش إزاي؟
— ما كنتيش بياعة ومشحونة!
— زمان كنت بخاف تزعل فترمينا أنا وابنك للشارع ونموت من الجوع.
​ما ردش.
ولأول مرة، حسيت بالفرق بين الخوف والاحترام.. الخوف عمره ما كان حب!
​في نفس الوقت، عملت الانترفيو مع أستاذ مصطفى في كافيه “الجاكراندا”.
مكان شيك، 12 ترابيزة، وأستاذ مصطفى راجل محترم بيقف بنفسه في المطبخ لما يكون فيه زحمة.
​سألني ساعة كاملة.. ما سألنيش مين خالد عبد الرحمن، سألني أتصرف إزاي لو فيه عجز في الجرد، أعمل إزاي مع الموظف المتهرب، وأعمل إزاي لو صاحب الشغل رفض فكرتي.
​ابتسمت وقلتله:
— هفهم الأول هو رفضها ليه.. يمكن وجهة نظره هي الصح.
​بصلي باهتمام وقال:
— طب ولو أنتِ متاكدة إنك صح؟
— إنك تكون صح، مش معناها إنك عرفت توصل فكرتك صح.
​قفل الملف بتاعي وقال:
— تبدأي امتى؟
​طلعت قعدت على بنش في الشارع.. ما بكيتش، بس فضلت باصة على الناس.
ولأول مرة من سنين، ما كنتش بحسب بقية المصروف ويكفيني لحد كام في الشهر!
​استلمت الشغل بمرتب ثابت أعلى، وتأمين، ومواعيد تسعفني أجيب يوسف من الحضانة.
​كلمت باشمهندس خالد:
— أتقبلت!
— مبروك.
​بس كده!
ضحكت:
— هي دي بس؟
— أومال مستنية إيه؟ أنا ما دخلتش الامتحان بدالك! أنتِ اللي نجحتي.
​قبل ما أقفل، جمعت شجاعتي وسألته السؤال اللي كان ذابحني:
— حضرتك بتعمل معايا كده ليه؟
​سكت شوية وبعدين قال:
— من سنين طويلة، كان عندي شركة صغيرة وإفلست.. كان عندي 34 سنة وبنتين وديون للركب. أستاذ جامعي ربنا يجازيه خير دخلني كورساته ببلاش ومن غير ما يطلب مليم.. ولما وقفت على رجلي وجيت أردله الفلوس، رفض وقاللي: “ردها لحد تاني محتاج”.
​دموعي نزلت:
— وحضرتك بتردها دلوقتي؟
— بحاول.
​مفيش قصة حب، مفيش مقابل خفي، مفيش أي نوايا سيئة.. مجرد سلسلة خير بتبدأ من بني آدم وترجع لبني آدم تاني!
​في أخر يوم ليا في مطعم “برنس الطريق”، ست هدى دهتني مكتبها.
لقيت الورقتين بتوعي على المكتب، بس مليانين تعليمات وتعديلات!
​— غيرت مورّد القهوة — قالتها وهي بتبص بعيد.
— وفرتي كام؟
— وفرت كتير.. مش هقولك عشان ما تتنططيش عليا!
​ضحكنا.
​وبعدين طلعت جواب من درج مكتبها:
— ده جواب توصية.. كتاية فيه إنك أمينة وشاطرة وبتتحملي الضغط.
​ولما جيت أخرج قالتلي:
— أنا آسفة يا ماريان.. سمحت لكلام طليقك إنه يعميني، ولأنك جيتيلي بفكرة نجاح وأنا كنت حاسة بالتهديد، صدقت الكلام الوحش بسهولة.
​حضنتها ومشيت.. مش لازم النهاية نكون فيها أصحاب أنتيم، يكفي إن كل واحد عرف غلطه ومشي في حاله.
​في كافيه “الجاكراندا”، ما غيرتش حاجة أول شهرين.. نزلت غسلت أطباق، وقفت على الكاشير، وفهمت طبيعة المكان والزبائن الأول.
​وبعد ست شهور، قللنا الهالك، والمنظومة اتظبطت، وأستاذ مصطفى زود لي المرتب.
​بس النجاح الحقيقي كان الساعة 4 العصر.. لما بقيت أروح أستلم يوسف من الحضانة بنفسي.
​أول مرة شافني واقفة مستنياه، جرى عليا وهو مش مصدق:
— ماما! أنتِ ما بقيتيش تشتغلي؟
— بشتغل يا حبيبي.. بس شغلي الجديد بيديني وقت أجيلك!
​حضنني بقوة.. وفي اللحظة دي عرفت قيمة السهر والمذاكرة، مش عشان منصب ولا عشان أغيظ هشام.. عشان أرجع ساعات من عمري كانت بتضيع مني!
​ق\ضية النفقة خلصت، والقاضي حكم بمبلغ محترم ومواعيد رؤية ثابتة.
​هشام جه ياخد يوسف يوم الأحد، وبص على شقتي الجديدة والترابيزة الخشب اللي اشتريتها بفلوسي:
— أنتِ بقيتي كويسة أوي..
— الحمد لله.
— هو الراجل ده.. فعلاً ما كانش عايز منك حاجة؟
— فعلاً.
​بص للأرض وقال:
— أنا كده افتريت عليكِ..
— أنت ما افتريتيش بس.. أنت كنت عايز تؤذيني يا هشام.
— أيوة.. كنت عايز أكسرك.
​ما عاتبتوش.. قلتله بس:
— اللي فات مات، بس يوسف خط أحمر.. لو عندك مشكلة معايا، تقولي في وشي، ما تروحش لمديرتي ولا لأمك ولا لابنك!
​هز رأسه وأخد يوسف ومشي.. حسيت براحة ونظافة في حياتي.
​بعد خمس سنين..
​بقيت أدير فرعين لكافيه “الجاكراندا”، ويوسف بقى في المدرسة.
​في يوم، كنت في الفرع ولقيت بنت جديدة شغالة ويتر، اسمها ياسمين، عندها يجي 22 سنة.
زبونة قلة أدب اتعاملت معاها بأسلوب وحش جدًا عشان التأخير، بس ياسمين اتعاملت بهدوء، وبعد ما الزبونة مشيت، راحت ساندت زميلها اللي كان هو السبب في التأخير وما فضحتهوش.
​ناديت عليها:
— أنتِ بتدرسي يا ياسمين؟
— سبت تجارة في سنة تانية عشان الظروف.
— تحبي ترجعي تدرسي؟
​بصتلي بشك وحذر.. نفس الوش ونفس النظرة اللي أنا بصيت بيها لمهندس خالد من سنين!
​— بتسألي ليه يا فندم؟
— عشان فيه دبلومة إدارة أعمال ممتازة.. وأنا هتكفل بمصاريفك كلها.
​فتحت عينها:
— والمقابل إيه؟
​ابتسمت افتكرت طبق الصيني المكسور، والرمي في الشارع، ومسح الدموع، ويوسف وهو بيقولي “هتفهميهم كلهم”.
​بصيت لياسمين وقلت لها:
— ولا حاجة.. جايز جه الوقت اللي تعرفي فيه إن لسه فيه ناس بتعمل خير لوجه الله.
​علشان الفرص مش بتيجي برزع وطبل.. ساعات بتيجي مستخبية تحت طبق مكسور، في مكان أنتِ فاكرة إن مفيش حد حاسس بيكي فيه!

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *