يوم فرحي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
يوم فرحي، عيلة خطيبي سابوني خمس ساعات تحت الشمس في الحر، وهو جوه في التكييف مع واحدة تانية. ولما سمعته بيقول: “تستنى، لما تتجوزني هتتعلم تسمع الكلام وتطيع”، قلعت الطرحة قدام مئات المعازيم وقولت جملة واحدة بس. محدش كان يتخيل إن عقد الاتفاق كان مستخبي فيه بند يخليهم يخسروا الفندق نفسه.
الجزء الأول
— تستنى. لو عايزة تدوب في عيلتنا وتدخل وسطنا، تتأدب الأول وتتعلم العصرنة وتسمع الكلام.
سمعت صوت شريف النجار طالع من ورا الأبواب المقفولة بتاعة فندق “الميرامار” في الزمالك، وانا قاعدة جوه عربية الفرح، وفستاني ملزق في ظهري من حرة شمس شهر يوليو اللي تحرق.
بقالي يجي خمس ساعات مركونة بره.
على الرصيف، المصورين والمعازيم والناس في الشارع عمالين يصوروا بالموبايلات. وعلى بعد كم متر، اتنين وسبعين صندوق خشب مدهونين برنيش شيلك، فيهم جزء من ورث أمي الله يرحمها، مستنيين تحت الشمس: مجوهرات، وعقود أراضي وفلل، وترافل أبحاث، وحصص في شركات العيلة.
الكل كان فاكر إن نفسيتي هتتكسر وإني هسلم في الآخر.
أنا اسمي فريدة الجبالي. بابا، الحاج صلاح الجبالي، كان مقتنع ونفذ إنه يدمج جزء من مجموعتنا العقارية مع سلسلة الفنادق بتاعة عيلة النجار. الخطوبة والجوازة دي اتطبخت في اجتماعات مجلس الإدارة، وعزومات العشا، ووعود التوسع في السوق. ماكانتش جوازة حب وعشق بالمعنى اللي في الروايات، بس أنا كنت نويت أدخل البيت ده بكرامتي وأحافظ على أصولي.
بس هو، باين كده، كان مخطط لجهة تانية خالص.
أول ساعة، منظم الفرح جه يتحجج ويقول إن القاعة لسه بتتجهز والترتيبات متأخرة.
الساعة التانية، فريدة المساعدة بتاعتي، ندى، اكتشفت إن أمن الفندق والعمال عندهم أوامر صريحة محدش يفتحلي ولا يدخلني.
الساعة التالتة، الكلام بدأ يكتر والناس تتغوش بره.
— بيقولوا شريف فوق مع نهى!
نهى السعيد دي كانت خطيبته أيام الجامعة. عيلتها أفلست من كام سنة، ومن ساعتها وهي تظهر وتختفي في حياته زي النداهة اللي محدش عارف يقفل بابها.
الساعة الرابعة، ندى مسكت التليفون وكانت هتتصل ببابا.
— بلاش يا ندى —قولتلها—. لو بابا جه هنا، الشارع ده هيتحول لساحة حرب وهتقوم قيامة مش هتهدى.
كنت عارفة إن عيلة النجار بيلعبوا على الحركة دي. المشروع المشترك بيننا قيمته تعدي مئات الملايين، وسلسلة فنادق “الميرامار” الغرقانة في الديون كانت محتاجة طوق نجاة. شريف كان مقتنع إني هستحمل الإهانة والبهدلة دي وابلع زلط عشان خايفة الصفقة تضيع.
بس أنا حطيت لنفسي مهلة.
خمس ساعات.
لو فتح الأبواب قبل ما المهلة تخلص وخرج اداني اعتبار وتبرير، هعديها وادخل. مش عشانه، عشان نفسي. عشان أعرف هل فيه حتى امل صغير في ذرة احترام بيننا ولا لأ.
قبل ما الوقت يخلص بدقايق، باب جانبي اتفتح وسمعت صوتهم طالع من صالة الفندق الداخلية.
— أنت بجد سايبها مركونة في العربية بره كل ده؟ —صوت نهى وهي بتسأل.
شريف ضحك ببرود وقال:
— تتربى وتتعدل. لما فلوس الجبالي تدخل شركتنا وتسندنا، ساعتها أنا بس اللي همشي الكلام وهقول مين يروح فين. لو مش مستحملة كم ساعة في الشمس، يبقى يغور وشها.
سمعت صوت معالق بتخبط في فناجين القهوة.
هما قاعدين يشربوا قهوة في التكييف.
وأنا شفايفي شققت من العطش وجلدي بيتحرق تحت الفستان.
بصيت لبروش اللؤلؤ بتاع أمي اللي مشبوك على صدري، وحسيت إن كل حاجة جوايا اتعدلت وعرفت طريقها.
مع أول دقيقة في الساعة الخامسة، مسكت الطرحة وقلعتها.
فتحت باب العربية ونزلت.
الشارع كله سكت، والصوت انقطع تماماً.
نزلت حطيت رجلي على الأرض وقولت بصوت ثروت وثبات:
— الفرح ده اتلغى. ورجعوا الاتنين وسبعين صندوق على المخازن.
أبواب الفندق المصفحة اتفتحت في ثواني.
وشريف خرج يجري وهدومه متلخبطة.
— فريدة! أنت بتعملي ايه؟ بلاش تفاهة وفضايح قدام الناس!
بصيت في عينه بمنتهى البرود ومن غير ما أرفع صوتي:
— الفضيحة أنت اللي عملتها وخططت لها. أنا بس قررت ألم عقشي وأمشي.
لفيت وربعت ركبت العربية تاني.
في لحظتها التليفون رن واهتز في إيدي.
كانت رسالة من الأستاذ طارق، المحامي بتاعنا:
”أنا راجعت عقد الشراكة والشرط الجزائي دلوقتي يا هانم. لو إثبات إلغاء الجوازة طلع بسبب إهانة وتعمد إضرار مباشر من عيلة النجار، إحنا مش بس بنسترد كل الملايين اللي اندفعت… ده بند الضمان التنفيذي يدخلنا ناخد الفندق نفسه بآلاته ومعداته ونمتلكه رسمياً.”
رفعت عيني وبصيت من شباك العربية.
شريف كان حافي وبيدور وبيجري ورا العربية زي المجنون، والعربيات النقل بدأت تلف وترجع الصناديق.
وساعتها فهمت إن يوم فرحي مابظش ولا انتهى.
ده فيه حكاية تانية خالص يلا ابتدت.
الساعة اتناشر بالظبط بالليل، الأستاذ طارق المحامي بعت الإخطار الرسمي والرسميات لعيلة النجار.
أنا كنت خلاص وصلت البيت ولما فتحت الموبايل لقيت آخر رسالة بعتها شريف:
«ارجعي الفندق قبل ما الساعة تدق اتناشر.. لسه ممكن نلم الدور ونصلح كل حاجة.»
رديت عليه بكلمتين:
«العواقب خلاص خرجت وفي طريقها لباب بيتك.»
تاني يوم الصبح، العيلتين اتجمعوا في المكاتب بتاعة مجموعتنا في التجمع الخامس.
حاج توفيق النجار جه ومتاخد معاه اتنين محامين. ومراته، ثريا هانم، دخلت وراه بوش مشدود ونظرات كلها تكبر، كأنها هي اللي مظلومة ومجروحة إننا كشفنا وسخة ابنها، مش العكس.
وشريف كان شكله يقطع القلب، باين عليه مانامش من إمبارح.
— فريدة، أنتِ مكبرة الموضوع ومأفرة أووي —قالها أول ما قعدت—. تصرف غبي وماكانش قصدي.
الأستاذ طارق طلع تسجيل وحطه على الترابيزة.
— طب تعالوا نسمع التصرف الغبي ده كان شكله إيه.
الأول طلع صوت مسؤول الفرح:
«شريف بيه هو اللي أصر وقال سيبوا العروسة بره واستنوا.»
وبعدين صوت نهى:
«أنت بجد مش هخرج تستقبلها وتدخلها؟»
وفي الآخر صوت شريف الواضح النقي:
«لما فلوس الجبالي تدخل الشركة، ساعتها أنا بس اللي همشي الكلام وه أوريهم المقام.»
الوضعية كلها سكتت، ومحدش ينطق بحرف لمدة ثواني طويلة.
حاج توفيق بص لابنه بكسرة وذهول:
— أنت قولت الكلام ده بجد؟
— يا بابا كنت بهزر!
— وهزار برضه إنك تسيبها خمس ساعات تحت الشمس من غير نقطة مية؟ —سألته وأنا باصة في عينه.
شريف نزل رأسه في الأرض وماردش.
الأستاذ طارق فتح ملف عقد الشراكة.
الشرط الجزائي والاستثمار المبدئي كان بعشرين مليون دولار أصول وسيولة. لو عيلتنا هي اللي فسخت العقد من غير سبب، يروح علينا العربون. بس لو ثبت إن الإلغاء جه بسبب إهانة علنية متعمدة، أو ضغط أو سوء نية من عيلة النجار، الفلوس ترجع مضروبة في تلاتة.
ستين مليون دولار.
وفندق “الميرامار” في الزمالك هو الضامن الأساسي والرئيسي للعقد.
حاج توفيق أصفرّ ووشه جاب ألوان:
— المحكمة مش هتمكنكم تاخدوا الفندق بالساهل كده!
— جرب ونشوف —رد الأستاذ طارق ببرود—. بس عقبال ما القاضي يحكم، البنوك كلها هتكون عرفت إنكم أخلّيتوا بالعقود ومش بتسددوا.
سلسلة فنادق النجار بقالها سنتين بتجري ورا جدولة الديون، واستثماراتنا كانت طوق النجاة الأخير ليهم.
شريف طلب يتكلم معايا لوحدنا.
وافقت على خمس دقائق بس.
— أصل بابا هو اللي كان ضاغط عليا —قالها أول ما المقفول اتسد علينا—. ونهى هي اللي أوهمتني إنك بتهدديها وبتجري وراها.
— أنا عمر ما لساني اتكلم مع البنت دي ولا شفتها.
طلع موبايله ووراني سكرين شوتس لرسائل جاية من أرقام مجهولة.
— خد الموبايل واعمل عليه تفريغ وفحص فني —قولتله—. أنا خلاص مش فارق معايا أقنعك بجمال نيتي ولا أغير رأيك.
— أنا مستعد أطلع في فيديو وأعتذرلك قدام مصر كلها.
— أنا كان كل اللي يهمني إنك تفتح الباب وتخرجلي قبل ما الخمس ساعات يخلصوا.
— ماكنتش اعرف إنك بتعدي بالدقيقة!
— وهي دي مشكلتك. افتكرت إن هفضل مستنية تحت جزمتك للعمر كله.
بعدها بيومين، نهى طلعت في برنامج تلفزيوني.
قعدت تعيط قدام الكاميرات وتمثل دور الضحية، وتقول إني استغليت نفوذي وفلوسي عشان أفرق بين اتنين بيحبوا بعض من أيام الجامعة.
السوشيال ميديا قامت عليا والكومنتات نزلت تقطيع:
«فريدة الجبالي اشترت عريس بفلوسها.»
«نهى هي الحب الحقيقي، والفلوس مابتشتريش القلوب.»
«الأغنية والأغنياء فاكرين إنهم يمتلكوا كل حاجة بالتهديد.»
ندى المساعدة دخلت عليا المكتب وشها أحمر من الغضب:
— يا هانم لازم نطلع التسجيل للصحافة ونمسح بيهم الأرض!
— لسه مش وقتها.
الأستاذ طارق دخل وراها ومسك ملف في إيده:
— التفريغ الفني والتقرير وصل يا هانم.
الرسائل المجهولة كانت متكررة ومبعوثة من أبلكيشن أرقام وهمية.
والفيزا اللي اتدفعت بيها رسوم الأبلكيشن دي كانت باسم نهى السعيد.
ومش بس كده.
تفريغ كاميرات المراقبة بتاعة جراج الفندق أظهرت نهى وهي داخلة الساعة سبعة الصبح بشنطتين سفر، وبتسلم ظرف مقفول لمسؤول الفرح، وواقفة بتتفرج على العامل وهو بيبصم ويقفل أبواب الفندق بالمفتاح.
وبعدها بكسر وقت، ظهر شريف وهو بيلف بنفسه يتأكد إن الأبواب مقفولة كويس.
— مين جابلنا التسجيلات دي من جوه الفندق؟ —سألت طارق.
— نائب مدير الفندق. توفيق النجار كان ناوي يلبس المصيبة للعمال والموظفين الغلابة ويطردهم.
بصيت للشاشة.
في نفس الليلة دي، كانت الحفلة السنوية للجمعية الخيرية بتاعة عيلة النجار.
وانا كان لسه معايا دعوة حضور.
— ماتنزلوا ولا تنشروا أي حاجة دلوقتي —قولت لندى وطارق—. بكرة البلد كلها هتعرف الحقيقة.
ندى استغربت:
— بكرة؟
مسكت بروش اللؤلؤ بتاع أمي الله يرحمها:
— لأ.. الليلة دي.
الجزء الثالث
الحفلة السنوية لجمعية النجار كانت بتتعمل كل سنة في القاعة الملكية بفندق “الميرامار”، وسط رجال الأعمال والإعلاميين ومديرين البنوك.
في الليلة دي، أول ما دخلت القاعة بفستان أسود بسيط وبروش اللؤلؤ على صدري، كلام الناس كله وقف والهمس ابتدى.
ماكنتش محتاجة الاتنين وسبعين صندوق عشان أفكّرهم أنا مين وبنت مين.
توقيق النجار كان واقف على المسرح بيلقي كلمة عن “أهمية الحفاظ على قيم الأسرة المصرية”.
أول ما شافني، لسانه اتلجلج والكلمات طارت منه لثانية.
شريف كان واقف جنبه عند طاولات الفرانكو.
ونهى ماسكة في دراعه.
كانت لابسة فستان أحمر ولابسة وش المسكنة، نفس الوش اللي طلعت بيه في التلفزيون.
شريف سابها ومشي ناحيتي:
— ماكنتش متوقع إنك هتتجرأي وتيجي.
— أنا لسه عضو في مجلس إدارة الجمعية.
— كان ممكن تعتذري وما تحضريش.
— وكان ممكن برضه أرفض الجوازة دي من شهرين. أنا بتعلم أختار صح.
جسمه اتشد بغضب:
— جاية تستفزينا يعني؟
— جاية أعمل تبرع.
نهى قربت بابتسامة خبيثة:
— فريدة.. أنا آسفة بجد على كل اللي حصل.
— أنهي جزء بالظبط؟
رمشت بعينيها:
— الإهانة اللي تعرضتيلها.
— قصدك الخطة اللي أنتِ ساهمتي في تدبيرها؟
— أنا مش فاهمة تقصدي إيه!
— هتفهمي كمان كام دقيقة.
توفيق النجار خلص كلمته وأعلن عن تبرع استثنائي بخمسة مليون جنيه لدعم التعليم.
وفي لحظتها، الشاشات الكبيرة في القاعة نورت باسمي:
«فريدة الجبالي»
طلعت على المسرح وسط تصفيق ملخبط من الناس. توفيق ماقدرش يمنعني قدام الكاميرات ورجال الأعمال.
سلمني المايك بابتسامة صفرا ومغصوبة:
— يا رب تكوني فاكرة أنتِ واقفة فين يا فريدة هانم.
— فاكرة كويس جداً.
بصيت للناس اللي قاعدة:
— الأيام اللي فاتت، الكلام كتر وقالوا إني لغيت فرحي عشان الغيرة، وإني أجبرت شريف النجار يتجوزني، وإني افتريت على بنت غلبانة عشان ماقدرتش أستوعب إنه بيحبها.
نهى الابتسامة اختفت من وشها تماماً.
— أنا سكتت الفترة اللي فاتت عشان ماكنتش عايزة أحول وجعي لمسرحية. بس السكوت ده اتفهم غلط، وكان هيتسبب في قطع عيش عمال مظلومين، والتغطية على الحقائق قدام المستثمرين والبنوك.
توفيق قرب مني خطوة:
— المكان ده مش مناسب للكلام ده!
— جمعية بتنادي بالشفافية هي أنسب مكان.
شاور للأنوار إنها تنزل وللأستاذ طارق.
الشاشات الكبيرة في القاعة اتطفت ونزل عليها فيديو جراج الفندق:
نهى وهي داخلة بشنط السفر.
نهى وهي بتسلم الظرف لمسؤول الفرح.
العامل وهو بيقفل الأبواب بالمفتاح.
وشريف وهو بيلف يتأكد إن كل حاجة مقفولة بالضبة والمفتاح.
وبعدها الصوت طلع في المايكات بتاعة القاعة كلها:
«تستنى وتتأدب.. لما فلوس الجبالي تدخل، أنا بس اللي همشي الكلام.»
القاعة بقت زي المقبرة، محدش بيتفس.
شريف كان واقف أكنه جاله شلل.
ونهى رجعت خطوتين لورا.
وبعدها نزل التقرير الفني والرسائل المزيفة.
— الحساب اللي اتعملت منه الرسائل اللي ادعت فيها نهى هانم إني بهددها، اتدفع رسومه بفيزا باسمها هي —شرحت بصوت ثابت—. والتقرير ده هيتسلم للنيابة ولمجلس إدارة الجمعية.
— ده كذب وافتراء! —نهى صرخت بصوت عالي.
الأستاذ طارق رفع ملف من أول صف:
— التقرير متصدق عليه من اتنين خبرا معتمدين من وزارة العدل.
شريف بص لنهى بذهول:
— أنتِ اللي بعتي الرسائل دي؟
نهى بدأت تعيط وتصرخ:
— عملت كده عشان كانت بتاخدك مني!
— هي عمرها ما اتكلمت معايا ولا جابت سيرتك!
— ماكانش لازم تتكلم، أنا عارفة هي نيتها إيه!
— وأنتِ اللي دفعتي فلوس لمسؤول الفرح عشان يعطلها بره؟
— كنت عايزاك تفتكر مين اللي بتحبها بجد!
شريف رجع خطوة لورا ووشه أصفر.. لأول مرة يستوعب إن الجرم اللي عمله كان مبني على كذبة هو صدقها عشان تخدم كبرياءه.
توفيق حاول يسحب المايك مني، بس أنا ماكنتش خلصت.
— والتبرع بتاعي مش هيتسلم غير بعد مراجعة وحسابات شاملة للجمعية من مكتب مراجعة مستقل. ولو المجلس رفض، الفلوس دي هتروح لمؤسسات بتدعم الستات اللي بيتعرضوا للابتزاز المالي والضغط الأسري والجواز المغصوب لحساب المصالح.
التصفيق بدأ من ترابيزة في آخر القاعة.
وبعدها القاعة كلها انفجرت بالصقفة.
ماكانتش صقفة مجاملة.. كانت حكم ورد اعتبار.
ديت المايك لتوفيق النجار:
— اتفضل يا توفيق بيه.. كمل كلامك عن قيم الأسرة المصرية.
نزلت من على المسرح.
شريف جرى ورايا للصالون بره:
— فريدة!
كملت مشي.
— عشان خاطري اسمعيني!
وقفت وبصيتله.
— أنا ماكنتش اعرف حاجة عن موضوع الرسائل والمكيدة دي! —قالها بنهجة.
— بس كنت عارف إن الأبواب مقفولة.
— أيوة..
— وكنت عارف إني واقفة بره في الشمس.
— أيوة..
— وكنت عارف إن الحر يقتل.
غمض عينه بكسرة:
— أيوة..
— يبقى وجود نهى من عدمه مايعفيكش من الخساسة اللي عملتها.
— أنا كنت فاكر إني محتاج أكسر دماغك وأعلمك الأدب.
— وأنا اتعلمت فعلاً.
— اتعلمتي إيه؟
— إن الراجل اللي يحتاج يهين ست عشان يحس إنه راجل، عمره ما يستاهل يمشي جنبها خطوة واحدة.
وشه جاب ألوان:
— أنا ممكن اتغير.. وربنا هتبدل.
— ممكن.. يجوز.
— اديني فرصة واحدة.
— أنا ديتك خمس ساعات كاملين.. وأنت ضيعتهم.
سبته ومشيت.
تاني يوم الصبح، الفيديو طار على كل المواقع وصفحات التواصل.
مسؤول الفرح اعترف رسمياً إن نهى دفعتله عشان يأخر دخولي، وإن شريف كان موافق ومبسوط بالفكيرة.
بس الضرب الحقيقي جه بعد تلات أيام.
الأستاذ طارق جاب إيميل بعته شريف لأبوه ليلة الفرح:
«يا بابا، بكرة هسيبها بره شوية تتطوح.. لازم تفهم مقامها وتعرف مين الكل في الكل بعد الجواز.»
وتوفيق رد عليه:
«ما تزيدهاش أوي.. المهم نضمن إن فلوس الجبالي تتحول لحساباتنا.»
لما قريت الإيميل ده، فهمت إن الإهانة ماكانتش طيش شباب.. دي كانت خطة استراتيجية عشان يكسروا عيني.
مجلس إدارة فنادق النجار أدى توفيق إجازة إجبارية واستبعده.
والبنوك جمدت التسهيلات، والشركاء سحبوا أيديهم.
بعد أسبوعين، محامين النجار بعتوا عرض صلح:
يرجعوا العربون والأصول المبدئية، ويدفعوا تعويض، في مقابل إننا نتنازل عن حظر وتنفيذ بند الضمان على فندق “الميرامار”.
بابا حط الورقة قدامي:
— ده حل هادي ويطلعنا بربح.
— هما معندهمش سيولة يدفعوا الشرط الجزائي.
— إلا لو باعوا الفندق.
— خلاص، إحنا اللي هناخده.
بابا بصلي باستغراب:
— فريدة..
— هنسحب الفندق بالشرط الجزائي، ونحافظ على العمال والموظفين، ونشيل عيلة النجار خالص من الإدارة.
— الصحافة هتطلع تقول إن دي كانت ملعوبة منك عشان تحطي إيدك على الفندق.
— ما هما قالوا إني بشتري راجل بفلوسي، ومش فارقة معايا كلامهم.
— بس إدارة الفنادق غير الاستثمار العقاري.
— أنا بقالي ست سنين ماسكة قطاع الأصول في شركتنا وعارفة كل صغيرة وكبيرة.
بابا ابتسم بفخر:
— أنتِ كنتِ مستنية أقولك الكلمتين دول؟
— كنت مستنية تفتكر مين اللي مربيني ومقويني.
بعد شهر من الإخطار، عيلة النجار فشلت في السداد.
وفندق “الميرامار” بقى تحت ملكية شركتنا.
تحت إدارتي أنا.
صباح يوم الاستلام، دخلت الفندق لأول مرة من يوم الفرح. الأبواب كانت مفتوحة على بحري والعمال واقفين خايفين على أكل عيشهم.
وقفت على منصة صغيرة في الصالة:
— محدش هنا هيتقطع عيشه ولا هيمشي —قولت بصوت عالي—. المرتبات والحوافز زي ما هي. ومافيش أي عامل هيتعاقب عشان قال كلمة حق أو قدم دليل. ومن النهاردة فيه خط مباشر لشكاوى أي تجاوزات.
نائب المدير اللي جاب التسجيلات كان واقف ورا خالص.
عيني جت في عينه.
هزيت رأسي له باحترام.
وهو رد التحية.
بصيت للأبواب الكبيرة:
— والأبواب دي.. عمرها ما هتقفل في وش حد تاني ولا هتهين بني آدم.
التصفيق كان طالع من القلب، حقيقي ومش متصنع.
في نفس الشهر، شيلنا اليافطة اللي عليها اسم عيلة النجار.
والفندق بقى اسمه: “فندق اللؤلؤة”.
على اسم بروش أمي.
شريف ما بطلش يحاول يوصللي.
يبعت ورد وجوابات، وأنا أردها من غير ما أفتحها. بعد تلات شهور جه لحد مكتبي.
كان خاسس جداً، والنعمة والعز اللي كان بيتنطط بيهم اختفوا.
— بابا طردني من الشركة وسحب مني كل حاجة —قالها وهو باصص للأرض.
— دي مشاكل عائلية تخصكم.
— نهى راحت للنيابة ورمت كل حاجة عليا.
— قريت الكلام ده.
— بتقول إني أنا اللي استغليتها!
— اللي بيمشي في السكة دي، بيستغرب لما يتاكل بنفس الس\لاح.
شريف نزل رأسه:
— أنتِ كان عندك حق.
— في إيه؟
— فيا أنا. طول عمري فاكر إن اسم عيلتي بيديني الحق أحدد الناس تستحمل مني إيه. بابا كان بيعامل أمي والعمال كده.. وأنا افتكرت إني هكون غيره.
ما رديتش عليه.
— بس أنا طلعت أوسخ منه —كمل بكلام مكسور.
— إنك تعترف بكده، دي أول خطوة.
رفع عينه:
— يعني ممكن في يوم من الأيام تسامحيني؟
— أنا سامحتك خلاص.
اتصدم:
— بجد؟
— المسامحة مش معناها إني أرجعلك. المسامحة معناها إن الحركة اللي عملتها ما بقتش قادرة توجعني ولا تتحكم في مستقبلي.
— أنا ممكن أتبدل وأبقى بني آدم جديد.
— اعمله عشان نفسك.
— وبعدين؟
— وبعدين هتبقى بني آدم نظيف.. وده المفروض يكفيك.
دموعه نزلت، بس أنا ماكنتش نفس البنت اللي كانت قاعدة ومحنية جوه العربية تحت الشمس.
— باي يا شريف.
المرادي فهم ومشيت.
بعد سنة، فندق “اللؤلؤة” احتفل بافتتاحه الجديد.
حافظت على الأبواب الإزاز الكبيرة.
مش عشان أفتكر الإهانة.. عشان أفتكر اللحظة اللي أخدت فيها قراري.
الاتنين وسبعين صندوق خشب ما خرجوش مع بعض تاني. الأراضي والعقارات رجعت لأصول العيلة، ولوحات أمي اتعملها معرض جوه الفندق مفتوح للناس كل يوم جمعة. وصندوق من بتوع المجوهرات اتعرض في مزاد علني.
وبفلوسه عملنا مؤسسة لدعم الستات اللي بيتعرضوا لابتزاز مالي أو جوائز غصب عنهم.
وندى المساعدة هي اللي مسكت إدارة المؤسسة.
يوم الافتتاح جليت وقفت جنبي بابتسامة:
— كل ده حصل عشان سابوكي مستنية في العربية!
— لأ —رديت عليها—. كل ده حصل عشان افتكروا إن كرامتي ليها سعر وممكن تتباع.
بابا جه وفي إيده كاستين شربات:
— أمك الله يرحمها كانت هتبقى طايرة بيكي النهاردة.
لمست بروش اللؤلؤ:
— هي معايا وواقفة جنبي.
صحفي من الجريدة سألني لو كنت ندمانة إن الموضوع اتعرف والفضائح بقت على كل لسان.
بصيت للأبواب المفتوحة ورتياح:
— أنا ندمانة بس إني قعدت مستنية خمس ساعات.
— تقول إيه لأي ست لسه مستنية حد يتعدل أو يتغير عشانها؟
فتكرت الحر والضحك اللي كان طالع من ورا الباب.
— أقولها تحط لنفسها خط أحمر وما تتنازلش عنه. الحب اللي يطلب منك تدوسي على كرامتك مش حب، والباب اللي ما بيتفتحلكيش غير لما تهددي بالماشية.. عمره ما كان باب مفتوح بالترحيب.
في الليلة دي مشيت لوحدي في الصالة. الهوا النظيف بتاع الزمالك كان داخل من الأبواب المفتوحة. من سنة، كنت على الناحية التانية من الشارع، بسأل نفسي هستحمل إيه تاني عشان خاطر العيلة والصفقة.
دلوقتي عرفت الحقيقة.
عيلتي ماكانتش محتاجة إني أتهين عشان خاطرهم.
كانت محتاجة بس إن افتكر أنا مين.
ندى ظهرت ورايا:
— أنادي الأمن يقفلوا الأبواب يا فريدة هانم؟
ابتسمت:
— لسه شوية.
— مستنية حد؟
هزيت رأسي بنفي:
— لأ.. عايزاها تفضل مفتوحة شوية كمان.
عشان طول عمرهم بيفهموا البنت إنها لازم تقعد ساكتة ومؤدبة وتستنى لحد ما ينعموا عليها ويدخلوها.
أنا استنيت خمس ساعات.
وفي الآخر اكتشفت إني ماكنتش محتاجة أعدي من بابهم أصلاً..
كل اللي كنت محتاجاه إني ألف ضهري، وأبني بوابتي الخاصة.