ازاي جاية حصري لصفحة روايات رولا

​الوكيل شغل التسجيل الصوتي.. صوت ريناد ملا القاعة:
— “يا بابا.. أنا حرمت والله.. هاسمع الكلام ومش هاعمل شقاوة تاني!”
​سامح كان متردد في الفيديو.. قرب من الشنطة وقال للعساكر: “افتحوا الشنطة.”
بس في اللحظة دي، صفارة إنذار في القطاع ضربت وتليفونه رن بمكالمة طارئة.
قبل ما يمشي شاور للعساكر وقالهم: “طلعوها من الشنطة.”
​التفصيلة دي خلت فريدة تحس بنار ووجع لا يطاق..
سامح كان قدامه فرصة أخيرة ينقذ بنته.. بس ممشيش وماتأكدش إن أمره يتنفذ!
وأول ما مشى من الطابق، ياسمين اتدخلت وقالت للعساكر:
— “الراجل غير رأيه.. سيبوها كمان 5 دقايق.”
— “بس يا فندم هو قال نطلعها!”
— “أنت هتكسر أمري وتجادل معايا؟!”
محدش قدر يتكلم.
​ولما فتحوا الشنطة أخيراً.. ريناد كانت مغمى عليها، بس كانت لسة بتتطلع نفس.
المسعف طلب ينقلوها فوراً لمستشفى الجلاء العسكري وهي قريبة جداً.
وهنا جت المكالمة الثانية..
​المكالمة كانت من اللواء المتقاعد مراد جلال، صاحب نفوذ وقوة وصديق قديم للواء عبد الحكيم الألفي.
— “محدش يطلع البنت دي برة العمارة قبل ما نفهم في إيه.. مش عايز فضايح وعربيات إسعاف داخلة وطالعة وتعملنا شوشرة في الصحافة!”
— “يا فندم البنت محتاجة أكسجين وإنعاش فوراً!”
— “استنوا الأوامر!”
​فضلوا مستنيين.. 18 دقيقة كاملين!
ولما الإذن جيه.. كانت حالة ريناد انتهت تماماً وماتت.
​فريدة غمضت عينها والدموع نازلة.. طول السنين دي كانت فاكرة إنها خسرت بنتها عشان محدش لحقها، بس الحقيقة كانت أبشع بكثير..
هم لحقوها فعلاً.. بس كان فيه كبارات وشخصيات مهمة شايفين إن حماية اسمهم ومستقبلهم أهم بكتير من حياة طفلة عندها 6 سنين!
​تم القبض على سامح بتهم الخطف، والعنف الأسرى، والقتل الخطأ المقترن بالإهمال الجسيم، واختطاف فريدة ومحاولة قتلها عشان تجبرها تسحب البلاغ.
وياسمين واجهت تهم أشد: القتل والتزوير والتحريض.
وحتى اللواء مراد جلال تم تحويله للمحاكمة بتهمة التستر والتعطيل.
​والدليل القاطع أخدوه من ممرضة اسمها تهاني، كانت بتسجل مكالمة إدارية بالصدفة، واتسجل فيها صوت اللواء مراد وهو بيسأل المسعف:
— “يا فندم البنت محتاجة نقل فوراً!”
ورد مراد العنيف:
— “نحمي المؤسسة واسمنا الأول.. وبعدين نبقى نشوف القرف ده!”
​الجملة دي هزت مصر كلها والبرامج والمواقع فضلت تتكلم عنها لأسابيع.
​قبل المحاكمة العسكرية، اللواء عبد الحكيم الألفي طلب يشوف فريدة.
اتقابلوا في بيته القديم في حي الكوربة بمصر الجديدة.
الراجل كان شكله كبر 20 سنة في أسبوعين:
— “لو الكلام ده خرج للعلن.. اسم عائلة الألفي هيتدمر تماماً يا فريدة..”
​فريدة بصت له بجمود:
— “ريناد كان اسمها ريناد الألفي برضه يا سيادة اللواء.”
عبد الحكيم نزل رأسه في الأرض:
— “عارف..”
— “يبقى متطلبش مني أحمي اسم محدش فكر يحمي بيه طفلة!”
— “عايزة مني إيه؟”
— “عايزاك متتدخلش ومتستعملش نفوذك عشان تنقذ سامح.”
عبد الحكيم سكت.. وهز رأسه موافق: “مش هتدخل.”
​وفعلاً وفى بوعده.
في جلسة المحاكمة، عرضوا الفيديو والصوت كامل..
سامح كان قاعد مكسور ومش قادر يرفع عينه وصوت بنته مالي القاعة: “يا بابا عشان خاطري..”
​القاضي سأله:
— “أنت أمرت بطلعها؟”
— “أيوه.”
— “تأكدت إنهم طلعوها؟”
— “لا..”
— “وكنت عارف إن مرتك حذرتك إنها مش عارفة تتنفس؟”
سامح غمض عينه بدموع: “أيوه..”
— “ولما فريدة قدمت بلاغ.. حبستها في خزان المية؟”
سامح بصلها ولأول مرة قال: “أيوه..”
​ياسمين في المحكمة كانت أبشع، وقالت ببرود:
— “ريناد كانت عارفة إزاي تخليه يحس بالذنب.. كانت بتعيط وتحضنه وتستحوذ عليه طول الوقت!”
القاضي بصلها بذهول وقرف:
— “أنتي بتتكلمي عن طفلة عندها 6 سنين بتدور على حنية أباها!”
​القاعة سكتت تماماً.. وفي اللحظة دي، حتى سامح نفسه فهم اللي رفض يفهمه لسنين.. ياسمين كانت بتغير وبتتنافس مع طفلة صغيرة.. وهو سابها تعمل كده!
​اتحكم على سامح وياسمين بالسجن المشدد لمدة طويلة، وسحب الرتب العسكرية والنيشان من سامح وطرده من الخدمة، واللواء مراد أخد حكم بتهمة العرقلة واستغلال النفوذ.
​بعد المحاكمة، سامح طلب يشوف فريدة مرة واحدة قبل ما يترحل للسجن.
فريدة وافقت وقابلته من وراء الزجاج في سجن طرة.
من غير بدلة ولا رتبة ولا عساكر بتنفذ أوامره.. كان شكله راجل عجوز ومكسور.
​— “أنا فضلت أسابيع فاكر إن ريناد عايشة.. ياسمين أقنعتني إنك مخبياها عند أمتك في الإسكندرية عشان تنتقمي مني!”
فريدة مسكت نفسها ومردتش.
— “ولما عرفت الحقيقة.. كنت خلاص مقبوض عليّ.. هل ممكن تغفريلي في يوم من الأيام؟”
فريدة سكتت ثواني:
— “أنا مش هاضيع باقي عمري في كرهك.. بس إن أوقف كرهك مش معناه إنك بريء.”
— “ممكن أعمل أي حاجة؟”
— “اخدم مدتك كلها ومتدورش على أعذار.. ولما تخرج، إياك تدور عليّ تاني.”
​قامت ومشيت ومن غير ما تبص وراها.
​بعد فترة، فريدة سابت الخدمة العسكرية واستقرت في القاهرة وتخصصت في الدعم النفسي للأطفال وضحايا العنف.
المقدم دكتور شريف عبد الرحمن فضل جنة بيمساندها.. في الأول كان هو الشخص اللي بيرد عليها لما تصحى من كوابيسها بالليل، وبعدين بقى السند اللي تقدر تقعد معاه من غير ما تتصنع القوة.
بعد سنتين اتجوزوا في حفلة بسيطة في قرية سياحية في العين السخنة.. فريدة كانت شايلا سلسلة فيها صورة ريناد طول الفرح.
​ولما خلفوا “مالك”.. عمرهم ما حاولوا يعوضوا بيه مكان ريناد.. بالعكس، علموه مين هي أخته.. حكوا له عنها، ورتوله صورها، وقالو له إنها كانت بتحب آيس كريم الفراولة، وبتكره تسريح الشعر، وكان نفسها تتعلم عزف بيانو.
​عشان كده، بعد سنين، لما فريدة دخلت مطعم الزمالك وهي شايلة مالك وسامح ظهر عند الباب.. هي كانت فاهمة هو بيفكر في إيه فوراً.
​سامح مشي وراها للترس برة.. مالك كان صحي وبيلعب مع شريف.
— “ده ابن شريف؟” سامح سأل بصوت مكسور.
— “أيوه.”
— “أنا للوهلة الأولى افتكرت…”
— “لا مش ابنك.”
​سامح بص لمالك وقال:
— “أنا كنت في المقابر النهارده.. وسبت لريناد بيت خشبي صغير عملته بإيدي في ورشة السجن.”
— “لما كانت عايشة كانت بترجاك تعمل معاها بيت للعرائس وانت كنت بتهرب منها.”
سامح نزل رأسه: “بفتكر ده كل يوم..”
​فريدة طلعت الموبايل من شنطتها:
— “يبقى لازم تسمع المقطع ده.”
​فتحت ملف صوتي.. كان التسجيل الأخير اللي التحقيقات رجعته من تليفون ريناد..
صوت ريناد طلع ضعيف ومجهد:
— “بابا.. لما أطلع من هنا أنا مش هابقى زعلانة منك خالص وهابوسك..”
​سامح حط إيده على بقه وبكى بحرقة وصوت عالي.
فريدة قفلت الصوت وقالت:
— “هي كانت مستعدة تسامحك حتى وهي جوة الشنطة وبتتخنق.. بس أنا مش هاعمل زيها.”
​سابته ومشيت.
​بعد سنين، لما اللواء عبد الحكيم الألفي اتوفى، كتب جزء كبير من ثروته لتأسيس “مؤسسة ريناد المندوه” لحماية الأطفال العسكريين من أي إساءة أو قسوة تحت مسمى “الإنضباط”.
​مالك كبر وهو بيسمع القصة دي.. ولما كبر بقى طبيب في الإسعاف الطائر والإنقاذ الجوي.
في يوم تخرجه، صحفي سأله: “ليه اخترت شغالة صعبة كل قرار فيها بياخد ثواني؟”
​مالك بص لأمه فريدة بين الحضور وقال:
— “عشان في حالات الطوارئ.. الـ 18 دقيقة ممكن يكونوا الفرق بين إنك تنقذ روح.. أو تخسرها للأبد.”
​فريدة غمضت عينها والدموع في عينها..
وجع غياب ريناد عمره ما اختفى.. والعدالة مش هترجع طفولتها ولا ضحتكها ولا أحضانها..
بس على الأقل حققت حاجة كانت فاكراها مستحيلة:
إن محدش في مصر كلها يقدر بعد كده يسمي القسوة والتعذيب “تربية”..
وإن كل رجل سلطة حاول يتستر أو يأجل إنقاذ طفلة.. يفضل اسم “ريناد” بيطارد ضميره لحد آخر يوم في عمره.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *