مش النهارده يا حبيبتي

“مش النهارده يا حبيبتي”، دي كانت همسة أم فقيرة في محل جزمة، وفجأة مليونير سمع كل حاجة!
​محل “سيمون” كان مفتوح في ميدان التحرير من سنة 1908، عبارة عن أربع أدوار من الحجر، وفي الساعة اللي فوق الباب، والشجرة اللي في وسط المحل طالعة لحد السقف الزجاجي.
​الشجرة دي كانت بتيجي من المحلة على عربية نقل وتترفع من السقف بونش قفل شارع التحرير ساعتين في أول ديسمبر، وده النوع من التفاصيل اللي الناس اللي ماشية على الرصيف بتفضل تزعق وتتذمر بسببه، بس العيال اللي على الرصيف عمرهم ما سألوا فيه ولا اعترضوا. ست آلاف لمبة. ونجمة من الكريستال بحجم طبق الأكل الكبير. وفي الدور الرابع، في قسم جزمة الأطفال، جوه فاترينة على وسادة من المخمل تحت شجرة صغيرة خاصة بيها، كان فيه جزمة.
​جلد مقلوب. حمراء. بفيونكة ستان. وإبزيمين صغيرين على شكل نجوم.
​فاطمة حطت جبهتها على الزجاج وفضلت ثابتة مكانها.
​كان عندها ست سنين، وشعرها الكيرلي الأسود طالع من طاقية صوف حمراء نازلة لحد حواجبها، وتذكرة أتوبيس في جيب بالطوها كانت استعملتها مرة واحدة في اليوم ده. بصّت للجزمة لمدة طويلة. ومطقتش بحرف واحد، ودي كانت طريقتها في الدنيا.
​”مش النهارده يا حبيبتي”، أمها همست وهي واطية جنبها وحاطة إيدها على ظهر بنتها الصغير.
​أمينة كمال كانت واطية على ركبها جنبها وإيدها على ضهر بنتها الصغير. كانت قريت الكارت الصغير اللي على المخمل. 38 جنيه. قريته مرتين، المرة التانية وهي بتمنى إن الرقم يتغير، ودي حاجة عبيطة جداً بس عملتها برضه.
​البنت منصتش. ومطلبتش تاني. مدت إيدها في جيبها، طلعت قلم رصاص نُصه مبري ومنحتت لحد عرض الظافر، وقلبت تذكرة الأتوبيس على الناحية التانية، وبدأت ترسم.
​الأول الشكل العام. بعدين بوز الجزمة، الغامق والبيلمع. بعدين الفيونكة. بعدين الإبزيمين، نجمتين صغيرين، كل واحدة ليها ست أطراف.
​على بعد تلات خطوات منهم، راجل طويل لابس بالطيو جوخ وقف مكانه‌ش.
​قبلها بتسع ساعات، الساعة خمسة الصبح، الفرن في “فرن المعلم نوح” في شارع الهرم كانت سخنة من زمان.
​أمينة كانت قاعدة على الترابيزة الخشب الطويلة من الساعة أربعة ونص والدقيق واصل لحد كوعها. عيش بلدي. قرص متبلة. والزلابية، اللي كانت بتزوقها بنفسها عشان إيد المعلم نوح بقت بتترعش دلوقتي ومكانش بيعترف بكده. على الساعة سبعة فتحت الباب ودخلت أول الزبائن: سواقين أتوبيس، وتلات ممرضات خارجين من الوردية، وأربع عجائز كل واحد هيشتري رغيف واحد ويقعد يقرا الجرنان على البار لمدة ساعة ومحدش هيقوله قوم.
​مية وثمانية وأربعين جنيه في الأسبوع، قبل الضرائب. ومية وتلاتين بعد الضرائب. كانت حاسبة الحسابات دي كذا مرة لحد ما الأرقام بطلت تبقى فلوس وبقت عاملة زي الخريطة.
​الإيجار بتاع الشقة في الدور التالت في العمارة اللي في شارع العريش: واحد وستين جنيه. اللبن والعيش، ببلاش من المعلم نوح، ودي خدمة قبلتها بالظبط مرتين في ست سنين واتخانقت عليهم الاتنين. الفحم. تذكرة الأتوبيس بتوع السبتين في الشهر اللي يهموا. والباقي تمن البالطو الشتوي بتاع فاطمة من المحل اللي على الناحية التانية، صوف كويس، بقاله أربع شتاوات، ولسه بتدفع تمنه بخمسة جنيه في خمسة جنيه وهتخلص تدفعهم في مارس.
​قبلها بسنتين المعلم نوح قالها إنها بتاخد أقل من حقها وعلاها لمية وثمانية وأربعين من غير ما تسأل، وهي وافقت، عشان ده تمن الشغل وهي تعبت في الشغل ده. والحاجة الوحيدة اللي عمرها ما قبلتها أبداً هي أي حاجة مبتجيش ومعاها شغلانة. قضت ست سنين ترفض النوع ده من المساعدة كل ما تقدر، واتعلِمت تعمل ده من غير إهانة، ودي مهارة لوحدها.
​جوزها سابها لما فاطمة كان عندها سنتين. قال إنه رايح إسكندرية عشان يلاقي شغل. قال إنه هيبعت يكتب لها. في أول سنة كانت بتنزل صندوق البريد كل يوم بالليل وهي راجعة، وبعدين في ليلة بطلت خالص، ومبتقولش لأي حد إنها بطلت، عشان لو قالتها بصوت عالي هتبقى حاجة حصلت بجد.
​قررت بدل كده إن هي وفاطمة يكفوا بعض. فضلت متمسكة بالقرار ده زي ما الستات التانية بتمسك السبحة.
​فاطمة كان عندها ست سنين. شعر كيرلي غامق. وعيون بنية جادة. قلم رصاص دايماً في جيبها.
​كانت بترسم في كل حته — على ضهر أكياس الورق من المخبز، على الجرائد القديمة، وفي يوم، لرعب أمينة، على الحائط جنب سريرها علطول، طابور طويل من الستات لابسين فساتين طويلة. كانت بترسم فساتين بفيونكات وفساتين بزراير وفساتين للست العجوزة اللي تحت وفساتين للست اللي بتبيع ورد على الناحية. والحاجة الوحيدة اللي عمرها ما رسمتها هي أي حاجة مشفتهاش. كانت تقف قدام الحاجة لمدة طويلة جداً، وبعدين تمشي، وبعدين ترسمها من جوه دماغها.
​يوم السبت أمينة كانت بتخلص شغل الساعة حداشر.
​في تاني سبت من شهر ديسمبر، الأم وبنتها كان عندهم تقليد مكلفهمش مليم واحد. كانوا بيخدوا الأتوبيس وينزلوا على وسط البلد. بيتمشوا قدام الفتارين في البرد — فاترينة سيمون، فاترينة عمر أفندي، المحل الصغير اللي فيه الغزال الميكانيكي — وبعدين بيدخلوا سيمون، يعدوا من البواب الصبي ببدلته، ويطلعوا السلم الواسع، ويقفوا تحت الشجرة الكبيرة وسط نجف الكريستال والرخام والمزيكا.
​عمرهم ما اشتروا أي حاجة. مكانش ده الغرض.
​الغرض كان إنهم يقفوا هناك نص ساعة، والتدفئة طالعة من تحت الأرضيات والمحل كله ريحة صنوبر وشمع أرضيات وبرفان حد تاني، ويحسوا، للنص ساعة دي، إن أجمل مكان في البلد ملكهم هما كمان.
​الساعة اتناشر بالظبط، حاجتين وصلوا عند الأبواب الدوارة في نفس اللحظة.
​راجل طويل لابس بالطيو جوخ، وبنت شابة لابسة كوفية حمراء ومعاها طفلة صغيرة بطاقية صوف حمراء.
​كانوا هيخبطوا في بعض. أمينة رجعت لورا في ثانية.
​”آه — آسفة لو سمحت، حضرتك الأول.”
​هشام رجع هو كمان. عمل انحناءة خفيفة — انحناءة قديمة، بتاعة الراجل اللي متعلِم على إيد حد مبقاش عايش — ومد إيده ناحية الباب.
​”اتفضلي. بعد إذنك.”
​بصت له وابتسمت. كانت ابتسامة بسيطة، تعبانة شوية من الأطراف ودافية جداً من النص، ودخلت جواه زي شقة نور من شباك مقفول.
​البنت الصغير اللي جنبها مسكت طرف بالطو مامتها بصابعين، ورجعت رجل ورا التانية، وعملت له كورتسي. كورتسي مظبوط. بالظبط زي الأميرة في كتاب الصور.
​هشام ضحك بصوت عالي.
​مكانش ضحك الضحكة دي من أربع سنين، وسمعها بتحصل زي ما بتسمع شباك بيتكسر في شقة تانية.
​دخلوا. وقفت قدام الباب ثانية زيادة عن اللزوم، وبعدين طلع فوق الدور الرابع عشان يشتري لأمه هدية عيد ميلاد، عشان بكره هتبقى ست وستين سنة.
​بروشات. جوانتي. علبة مزيكا من المينا بتعزف فالس بصوت رفيع ومضيء. بص عليهم كلهم ومشافش ولا واحد فيهم. كان كل ما ييجي على باله كوفية حمراء وابتسامة وكورتسي بنت صغيرة، وكان حاسس، بطريقة جافة وبعيدة، إن ده مش استخدام مفيد ليوم السبت.
​في الآخر اختار بروش فضة على شكل عصفورة، بعين من حجر الأوبال. كان جميل وغالي، وكان عارف من وهو واقف عند الكاشير وكارت الفيزا في إيده، إن أمه هتقول “متشكر يا حبيبي”، وتحطها في الدولاب، وعمرها ما هتبصلها تاني.
​نزل من على السلم الررخام والعلبة تحت إيده.
​وفي النص، على الدرجة الرابعة من تحت، وقف.
​وسط الزحمة، من وراء كتاف ست ستات شايلين شنط سيمون، قدر يشوف الفاترينة الصغيرة جنب الشجرة. قدر يشوف طاقية حمراء صغيرة ملزوقة في الزجاج. قدر يشوف أم واطية جنب بنتها وإيدها على ضهرها، بتقرأ كارت على وسادة مخمل، وبعدين تقرأه تاني.
​هشام جلال، عنده ثامنة وتلاتين سنة، مالك إحدى عشر عمارة في القاهرة ومبكيش من تاني يوم سبت في مارس 1980، حط إيده على الدرابزين وفضل واقف ثابت على الدرجة الرابعة وبيبص على بنت غريب وهي بتبص على جزمة بـ 38جنيه.
كان فيه كارت جوه الفاترينة. مكانش قادر يقراه من مكانه، بس مكنش محتاج. كان عارف الحاجات بتتسعر بكام، بالطريقة اللي الرجالة زيه بيدفعوا لهم عشان يعرفوا.
​منزلش الأربع درجات الباقيين لفترة.
​هشام جلال كان عايش في الزمالك، في الدور الحداشر، بشبابيك على ناحيتين وطلة على الجنينة اللي بتخضر في أبريل وتسمر في نوفمبر وكانت، لطول السنة، الحاجة الوحيدة في الأوضة اللي بتتغير. أمه كانت عايشة في شارع التحرير، في الشقة اللي هشام كبر فيها، على بعد إحدى عشرة عمارة وعالم تاني خالص.
​العنوانين متمسحوش في دماغه من تلاتين سنة، وكان ناوي يفضل كده. الشقة كانت كبيرة جداً، هادية جداً، ومتصممة كويس جداً، ولأربع سنين كان بيتمشى جواها بالطريقة اللي الراجل بيتمشى بيها في محطة قطر بالليل.
​هيلين ماتت سنة 1980، بمرض تلات دكاترة كشفوا عليه كل واحد لوحده ومحدش فيهم لحقه في الوقت المناسب. كان عندها واحد وتلاتين سنة. كانوا متجوزين من ست سنين ومخلفوش، مش عشان مكنوش عايزين، وكان فيه شتايين من الإحباط عمره ما جاب سيرتهم قدامها أبداً عشان كان يبان قسوة إنه يخليها تشيل نصيبها ونصيبه من الزعل ده.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *