حبيبتي الاولانية حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
— «فاضلي شهور قليلة وأموت… ومحتاجة أطلب منك تتجوزني.»
دي كانت أول جملة قالتها لي سلمى السيد بعد 10 سنين كاملة من غير ما أشوفها.
كانت واقفة قدام باب شقتي في الدقي، غرقانة في مطر شهر يوليو، ماسكة في صور السلم بإيدها كأن الأرض هتهرب من تحت رجليها. عرفتها قبل ما أستوعب شكلها. كانت خاسة جداً، بشرتها شبه الورق وشفايفها بترتعش، بس عينيها كانت هي هي: واسعة، غامقة، وعنيدة.
عينين الست اللي أنا حبيتها من لما كان عندي 19 سنة.
عرفتها في أول أسبوع ليا في جامعة القاهرة، لما قعدت في مكاني في مدرج كلية آداب قسم اجتماع، ولما شافتني واقف ومطوق كشكولي على صدري، ابتسمت كأنها كسبت حرب صغيرة.
— «ممكن تقعد جنبي»، قالتلي، «بس بشرط تسلفني المحاضرات.. خطك شبه العيال الشاطرة.»
قعدت.
بعد 3 سنين، الناس كلها كانت جابت آخرها مننا.
كنا الثنائي اللي بيفضل قاعد في المكتبة لحد ما تقفل، بناكل ساندوتشات فول وطعمية من العربية كأننا بناكل في مطعم 5 نجوم، بنتناقش على أغاني قديمة، وهل في يوم من الأيام هنعيش في بيت قديم في الزمالك بشرافة وشجر ورد. هي كانت بتدور على الاستقرار. وأنا كنت عايز أسافر، أعمل ماجستير في إنجلترا، وأشتغل في حاجة تخرجني بره البلد.
كنا فاكرين إن كل ده ممكن يتحقق في نفس المستقبل.
لحد ما في ليلة اتخانقنا بسبب سؤال.
— «أنت بتتخيل نفسك هتخلف إمتى؟» سألتني وهي بتغسل كوبايتين في شقتي بتاعت الكلية.
أنا كنت لسة مستلم إيميل المنحة عشان أسافر لندن. دماغي كانت مليانة طيارات، وأبحاث، وسيرة ذاتية، ولغة جديدة، وحياة كاملة منتظراني.
ضحكت بقلة حيلة ونرفزة:
— «مش عارف يا سلمى.. لسة بدري أوي. الأول عايز أعمل حاجات كتير.»
سابت الكوباية من إيدها، ومسكت الفوطة وعصرتها كأنها عايزة تقطعها.
— «بدري أوي؟»
— «متتكلميش وكأني بسبك وبمشي!»
— «أنت مش بتسمع يا عمر.»
— «أنا سامع كويس، بس أنتِ بتحولي أي كلام عادي لإنذار وأمر واقع.»
كانت جملة غبية.. غبية جدًا. ولسة بتتردد في دماغي لحد النهاردة.
هي سكتت. وأنا سكت. ولا حد فينا اعتذر للثاني.
الصبح، جنبها في الدولاب كان فاضي تمامًا.
تليفونها اتقفل قبل الضهر. وكل حساباتها على السوشيال ميديا اختفت قبل العصر. سافرت لحد بيت أمها في طنطا، كلمت صحابها، سألت الدكاترة في الكلية، دورت في المستشفيات، ومواقف الأتوبيسات ومحطات القطر.. أي مكان ممكن تكون سابت فيه أي خيط.
محدش كان عارف حاجة.
أو محدش كان عايز يقولي.
لمدة 10 سنين دورت على سلمى من غير ما أعترف لنفسي بصوت عالي. مش كل يوم، بس كفاية عشان أباوظ أي فرصة إني أكون سعيد مع حد تاني. ارتبطت ببنات طيبات، صبورات، ستات كانوا يستاهلوا راجل كامل. بس أنا كنت دايماً ببص ورايا في المطاعم، في محطات المترو، في المطار.. مستني أشوف خيال بوشها.
وفجأة، في يوم مطر، الخيال ده خبط على بابي.
— «ممكن أدخل؟» سألتني.
كان المفروض أوقفها على الباب وما أدخلهاش غير لما تفهمني كل حاجة.
بس بدل ده، وسعت لها الطريق.
دخلت بالراحة. اتفرجت على الصالة، الكتب، الزرع الميت نص نص، الصور العائلية على الحيطة. وقفت قدام صورة أختي مع عيالها.
— «أنت متجوزتش..» قالت بصوت واطي تقريباً.
— «متغيريش الموضوع.»
قعدت على الكنبة. إيديها كانت بترتعش على ركبها.
— «أنا عندي كانسر،» قالت.. «خلاص مفيش علاج.. الدكتورة قالت فاضل شهور، أو يمكن أقل.»
حسيت بالنار بتغلي في زوري.
— «وجاية لي دلوقتي عشان أشفق عليكِ؟»
رفعت عينها في عيني.
— «لا.. جاية عشان قبل ما أموت أعمل حاجة واحدة صح.»
— «إيه هي؟»
— «أتجوزك.»
طلعت مني ضحكة مكسورة وبتوجع.
— «تختفي 10 سنين، وترجعي وأنتِ بتموتي وتطلبي مني الجواز؟»
— «عارفة.»
— «لا، أنتِ مش عارفة حاجة.»
سلمى مدّت إيدها ولمست أطراف صوابعي:
— «عشان خاطر ربنا.. أرجوك.»
— «اشمعنى أنا؟»
غمضت عينها وقالت:
— «عشان عمره ما كان في غيرك.»
اتجوزنا بعد يومين عند المأذون. اتنين موظفين مضوا كشهود عشان مفيش أي حد تاني كان موجود. سلمى كانت لابسة فستان أزرق بسيط، كان واسع أوي على جسمها الخسيس والمطفي. وأحنا بنكتب الكتاب، اضطريت أمسكها من وسطها عشان متقعش على الأرض.
لما المأذون قال «بارك الله لكما وبارك عليكما»، ابتسمت.
ولثانية واحدة، رجعت سلمى بتاعة زمان.. الست اللي عندها 20 سنة.
عشنا مع بعض 5 أيام.
5 أيام غريبة، جميلة، وقاسية.
كنا بناكل عيش وتونة في السرير، نتفرج على أفلام قديمة، وكانت بتنام ودماغها على صدري وأنا قاعد أعد أنفاسها زي اللي بيعد الفلوس اللي فاضلة معاه قبل ما يفلس.
سألتها كذا مرة عن السبب الحقيقي لرجوعها.
كانت دايماً بترد:
— «بعدين هقولك.»
بس مكنش فاضل “بعدين” كفاية.
في الليلة الخامسة ماتت وهي نايمة، ودبلتي في إيدها.
في العزا، تحت مطرة خفيفة في مدافن 6 أكتوبر، افتكرت إن السر أخيرًا اندفن معاها.
كنت غلطان.
ولما كانوا بينزلوا جثمانها في القبر، ست لابسة أسود قربت من ضهري وحطت ظرف في إيدي.
— «سلمى مكنتش جاهزة تقولك هي رجعت ليه،» همست.. «دلوقتي خلاص، مفيش حاجة تخاف عليها.»
جوه الظرف كان فيه مفتاح صغير وورقة متطبقة:
«فيه 127 جواب مستنيينك.. اقرأ الأقدم الأول. قبل ما تكرهني للآخر.»
رفعت عيني وسألتها:
— «أنتِ مين؟»
الست بلعت ريقها وبصتلي:
— «أنا اسمي مريم.. كنت ساكنة معاها في الشقة.»
وساعتها بس فهمت إن سلمى مأخدتش أسرارها معاها القبر..
دي سابتها عايشة عشان تدمرني.
الجزء الثاني
مريم ساقت في صمت لحد شقة صغيرة قريب من منطقة الكوربة في مصر الجديدة. أنا كنت قاعد في الكرسي اللي جنبها وماسك المفتاح في إيدي بإحكام، حاسس إن كل إشارة مرور بتاخد أبدية. هي مجمعتش تعزيني، ولا شغلت مزيكا، ولا قالت “أنا آسفة”. يمكن كانت عارفة إن أي كلمة طيبة هتتسمع كإهانة.
شقة سلمى كانت ريحتها شاي بنعناع، وأدوية، وهدوم مغسولة. كان فيه بطانية متطبقة على الكنبة، مج شاي مش مغسول جنب الشباك، وأصيص ريحان ناشف في المطبخ.
— «أوضتها جوة في أخر الممر،» قالت مريم.
دخلت زي الحرامي في حياة كان المفروض تكون حياتي.
الدولاب كان نص فاضي. تحت كام جاكيت متصلقين لقيت صندوق خشب غمق بأركان معدن. حطيت المفتاح. القفل فتح بصوت واطي جداً.
جوة كان فيه حزم جوابات مربوطة بشرايط. كلها مكتوب عليها اسمي بخط سلمى.
عمر.
عمر الألفي.
عمر.. مش عارفة لو كنت في يوم من الأيام هتقرأ ده.
أول جواب كان تاريخه بعد 3 أيام من اختفائها.
فتحت الجواب وإيدي بترتعش.
«أنا حامل.»
النفس قطع مني.
قريت الجملة مرة. وبعدين مرة تانية. وبعدين ثالثة، كأن الكلمات هتتغير لما أزهق.
سلمى كتبت إنها عرفت الخبر في نفس اليوم اللي اتخانقنا فيه. وإنها لما سألتني عن الأطفال مكنتش بتتخيل مستقبل بعيد، كانت بتحاول تقول إن المستقبل ده بدأ خلاص. ولما سمعتني بتكلم عن إنجلترا والمنحة والسنين، دخلت في حالة رعب.
«فكرت إن إنت لو عرفت، هتتخلى عن كل أحلامك عشان الواجب. وفي يوم من الأيام هتكرهني.»
سافرت طنطا لأمها، وهي بتخطط ترجع أول ما تلاقي الكلام الصح.
بس مرجعتش.
الجواب اللي بعده كان بيتكلم عن مستشفى، ونزيف، وأوضة باردة، وشاشة سونار ساكتة، وتوقيع مكتوب بإيد بنت مكنتش عارفة إزاي تكمل حياتها وهي عايشة.
«أنا خسرت ابننا.. وبعدها خسرت نفسي.»
حسيت بحاجة بتتكسر جوايا، بس مكنش ألم الصافي. مكنش حزن بس. كان غضب، غضب سخن، قديم، وجعان.
— «أنتِ كنتِ عارفة ده؟» سألت مريم.
كانت واقفة عند الباب.
— «عرفت بعد سنين.»
— «سنين؟»
— «سلمى مكنتش بتتكلم عن الموضوع ده في الأول خالص.»
طلعت جوابات أكتر. جوابات كتير كانت بتبدأ بأمل.
«بكرة هكلمك.»
«قطعِت تذكرة للقاهرة.»
«لقيت إيميل شغلك الجديد.»
«النهاردة عديت من تحت عمارتك في الدقي، بس لقيت النور قايد فمشيت.»
كل جواب كان بينتهي بنفس الطريقة: خوف، كسوف، وسكوت.
تأخرت أوي.
أكيد هو دلوقتي بيكرهني.
أكيد بدأ حياته من جديد.
أنا أستاهلش حتى أخبط على بابه.
رميت حزمة جوابات على الأرض.
— «هي كانت عارفة مكان ي! »
مريم هزت رأسها:
— «أيوه.»
— «عارفة إني متجوزتش؟»
— «أيوه.»
— «عارفة إني دورت عليها؟»
مريم نزلّت عينها في الأرض:
— «مع الوقت.. أيوه.»
الرد ده كسرني أكتر من الجواب الأولاني.
أنا قديت سنين بسأل نفسي لو كانت سلمى ماتت، اتخطفت، عييت، تاهت، لو كانت حبتني ولا استغلتني، لو كنت قليل أوي لدرجة إن خناقة واحدة تمسحني من حياتها.
وهي كانت عارفة.
عارفة ومع ذلك فضلت ساكتة.
— «وأنتِ سبتيها تعمل كده؟» سألتها.
مريم مدافعش عن نفسها بسرعة، وده خلاها تبان مذنبة أكتر.
— «حاولت أوقفها، أكتر من مرة. بس الخوف بقى عادة عندها يا عمر.. وبعدين بقى سجن.»
— «يا سلام! كلام مريح أوي.»
— «أنا مش بقول كده عشان أبرر لها.»
مسكت جواب تاني. ده كان فيه قصاقيص جرايد، وطباعة بوستات قديمة، ونوتة بتواريخ. سلمى كانت متابعة حياتي بدقة تخوف. عارفة إمتى غيرت شغلي، إمتى عزلت، إمتى فركشت مع ندى، البنت اللي ارتبطت بيها قريب من سنة. حتى كانت عارفة إني في مرة طلعت في برنامج تلفزيوني أتكلم عن شغلي.
— «ده مرض،» قلت.
— «ده كمان حزن.»
— «متبيعيليش الحزن على إنه حب.»
مريم أخدت نفس عميق:
— «لا.. الحب مبيكفيش عشان يصلح اللي انكسر. بس بيشرح هي ليه رجعت في الأخر.»
كنت عايز أقرأ كل حاجة في ساعتها، لحد ما ميفضلش حاجة تتكسر تاني. بس مريم سحبت الجوابات بالراحة من إيدي.
— «سلمى سابت تعليمات.»
طلعت ضحكة مرارة.
— «أنا مش هسمع كلام واحدة ميتة.»
— «دي مش أوامر.. دي خريطة.»
— «خريطة لإيه؟»
— «عشان تفهم اللي هي مكنش عندها الشجاعة تقولهولك وهي عايشة.»
أول المحطات كانت قهوة قديمة في وسط البلد. مريم شاورت على ترابيزة جنب الشباك.
— «هنا كانت قاعد من 5 سنين. ضربت نص رقمك وقفلت. وقعدت تعيط ساعة كاملة.»
— «ده مبيحسنش حاجة.»
— «عارفة.»
بعدها رُحنا حديقة الأسماك في الزمالك. تحت شجرة كبيرة، مريم ورتني دكة سلمى كانت كاتبة عليها اسمي في منديل وشايلاه معاها سنين.
وبعدين أخدتني تحت عمارتي القديمة.
وهناك، الألم وجعني بطريقة مختلفة.
— «سلمى شافتك وأنت داخل مع ندى،» قالت مريم.. «فكرت إنك مبسوط، فقررت متتدخلش.»
غمضت عيني.
— «ندى سابتني عشان أنا مكنتش قادر أسيب سلمى من دماغي.»
مريم سكتت.
— «هي عمرها ما عرفت ده.»
على الليل، وصلنا جامعة القاهرة. مشينا في الطرقات المبلولة، بين المباني القديمة، والجناين اللي كنت فاكر في يوم من الأيام إن الحياة ممكن تتخطط فيها بأمان.
مريم وقفت قدام الصوبة الزجاجية بتاعت كلية زراعة.
— «هنا أخر جزء.»
أنا فاكر المكان ده كويس. سلمى قالتلي هنا، بين زرع الطماطم، إنها بتحبني. كان فيه طين على خدها وضحكة خلتني غير صالح لأي ست تانية.
— «فيه قالب طوب سايب ورا الصوبة،» قالت مريم.. «قالت إنك هتعرف أنهي واحد.»
عرفته.
ورا قالب الطوب كان فيه علبة صفيح ملفوفة في قماشة دايبة.
فتحتها.
جوة كان فيه صورة سونار، حروفها دايبة، كأن فيه حد لمسها مئات المرات.
وتحتها كان فيه أخر جواب.
أول سطر كان مكتوب فيه:
«أنا مرجعتش عشان تسامحني. أنا رجعت عشان تعبت من إن الخوف هو اللي يختار بدالي.»
ولما قريت السطر الثاني، حسيت إن الدنيا بتلف بيا تاني.
الجزء الثالث
«لما الدكتورة قالتلي إني بموت، مفكرتش في أمي، ولا في ذنوبي، ولا في كل الجوابات اللي عمرها ما اتبعتت.. فكرت فيك.»
قعدت على الأرض جوة الصوبة وصورة السونار على ركبي. برة كان المطر شغال، بس جوة الجو كان دافي، مليان ريحة طين مبلول وخضرة. كان شيء مجنون إن مكان مليان حياة يشيل اعتراف مكتوب من الموت.
مريم فضلت واقفة بعيد، كأنها فاهمة إن اللحظة دي مش ملكها.
كملت قراية.
سلمى كتبت إنها لسنوات كانت فاكرة إنها لما متسببش أذى فده معناه اختفاء. إنها أقنعت نفسها إن السكوت حماية ليا، الأول من حمل كان هيلخبط خططي، وبعدين من خسارة هي معرفتش تشيلها، وبعدها من كسوف إنها اتأخرت أوي.
«كل سنة كانت بتعدي كانت بتخلي الخبط على بابك أصعب. في الأول قلت: بكرة. وبعدين قلت: لما الوجع يهدى. وبعدين قلت: ماليش حق خلاص. ولما فهمت أخيرًا إن الحق مبيجيش بالانتظار، كنت خلاص عييت.»
عصرت الجواب في إيدي لحد ما كرمشت طرفه.
كنت عايز أكرهها من غير أي مشاعر تانية.
كنت عايز الحقيقة تكون بسيطة: هي سابتني، هي كدبت، هي اختارت السكوت. بس كل سطر كان بيحط قدامي حاجة ثانية مش مريحة: سلمى كمان كانت بنت عندها 22 سنة، خايفة، حامل، لوحدها في مستشفى، مع أم بتقولها متخربيش حياة ولد مستقبلة قدامه، وحبيب لسة قايل “لسة بدري” وهو ميعرفش إن الساعة بدأت تعد خلاص.
ده ميكنِش بيدافع عنها ولا بيبرر لها.
بس كان بيخليها إنسانة.
والبشر أوقات بيوجعوا أكتر من الوحوش.
«أنا رجعت عشان أنت الوحيد اللي اتخيلت أكبر معاه. عارف إني سرقت منك سنين، وإجابات، وفرص. معنديش عذر يقنعك. عندي بس حقيقة واحدة: أنا حبيتك بجبن.. والحب الجبان بيكسر برضه.»
غطيت وشي بإيدي.
طوال 10 سنين، أنا بنيت أشكال كتيرة لسلمى. الهربانة القاسية. الست الباردة. الحبيبة اللي لقيت حد أحسن. الميتة من غير قبر. الخيال اللي بيبوظ علاقاتي من أي ركن.
عمري ما فكرت فيها وهي موطية على سرير مستشفى، بتمضي أوراق لوحدها، بتخسر طفل أنا حتى مكنتش اعرف إنه موجود.
ابننا.
الكلمة قطعت فيا.
مكنتش بس خسارة سلمى.. دي كانت حياة كاملة فضلت معلقة في جملة م اتقالتش.
«5 أيام ميعوضوش 10 سنين»، الجواب كان بيقول كده.. «عارفة. أنا متجيتش عشان ألم حنية ولا أطلب منك تجمل ذكراي. أنا جيت عشان دول كانوا الأيام الوحيدة الصادقة اللي فاضلة لي. لو في يوم قدرت تفتكرني، متغسلنيش من الذنب. متخليش خوفي قدر. احكي الحقيقة كاملة، حتى لو كانت توجع.»
طبقت الجواب بالراحة.
— «يا ريت كانت وثقت فيا،» قلت.
مريم ردت من غير ما تتحرك:
— «هي كمان كانت بتتمنى ده.»
معيطتش في اللحظة دي. فيه وجع مبيطلعش من العين في الأول. بيفضل ساكت، مستنيك تمشي، تتنفس، تفتح باب، تسمع أغنية قديمة، أو تلاقي مج عليه أثر روج على الشباك.
خلصت قراية الـ 127 جواب خلال الـ 3 أسابيع اللي بعد كده.
فيه جوابات خلتني أفتكرها بعنف يكسف. في واحد كانت بتتكلم إزاي لسة فاكرة طريقتي وأنا بنطق كلمة “خميس” وأنا تعبان. وفي واحد ثاني قالت إنها اشترت لي بلوفر وجريت شالته في الدولاب عشان لقت إنه هبل تبعت هدية من غير سبب. وفي جواب ثاني كانت بتوصف حلم إننا عايشين في بيت قديم في الزمالك، بشبابيك خضرا وبنت صغيرة بتجري في الممر.
الجواب ده خلاني مش قادر أقوم من على الكنبة.
وجوابات تانية جننتني.
واحد كان مكتوب من كافيه قدام شغلي في المهندسين. هي شافتني وأنا طالع. كنت لابس بدلة كحلي وبتكلم في التليفون. على كلامها، هي مشيت خطوتين ناحيتي وبعدين استخبت ورا كشك جرايد.
خطوتين.
حياتي كلها كانت ممكن تتغير في خطوتين.
قطعت نسخة من الجواب ده، مش الأصلية. وبعدين ندمت إني كنت حرصت عليها.
مريم كانت بتجيلي بعض الأيام بقهوة وأكل. عمرها ما حاولت تطلع سلمى مظلومة. ده كان الشيء الوحيد اللي خلاني أستحملها.
في بعد الضهر، وأحنا بنرتب الجوابات بالسنين على ترابيزة السفيرة، سألتني:
— «أنت بتكرهها؟»
بصيت للظروف، كلها عليها اسمي.
— «أوقات.»
— «بتسامحها؟»
أخدت وقت أطول عشان أرد.
— «أوقات.»
مريم هزت رأسها.
— «أي إجابة تانية كانت هتكون كدب.»
الجملة دي ساعدتني أكتر من كل كلام “هي كانت بتحبك” اللي سمعته من يوم العزا.
عشان أيوه، سلمى كانت بتحبني.
وبالمرة، كانت دمرتني.
الأتنين كانوا حقيقة. ومفيش واحدة تمسح التانية.
عملت نسخ من كل الجوابات. رتبتهم بالتاريخ وغلفتهم في كتاب خاص، من غير عنوان على الغلاف. الأصول فضلت في الصندوق الخشب. ممزقتهمش، مع إني فكرت في ده كتير. ومحطتهمش في مكان مقدس، مع إني أوقات كنت بلمسهم كأنهم باقي حياة مكنتش قادر أعيشها.
كتبت مقدمة عمرها ما وريتها لحد.
كانت بتبدأ كده:
«الحب ممكن يكون حقيقي، ومع ذلك يظلم أصحابه بطريقة بشعة.»
بعدها تواصلت مع أرشيف الجامعة. وافقوا يشيلوا نسخة تحت الحفظ الخاص لمدة سنين. مكنتش عايز غريب يحول وجع سلمى لِـ رغي. كنت عايز يفضل فيه توثيق لأد إيه السكوت ممكن يكلف لما البني آدم يفتكر إن ملوش مكان آمن يقول فيه الحقيقة.
وبعدين عملت حاجة عمرها ما جات في بالي.
بعت عربيتي اللي مكنتش بستخدمها تقريبًا وأخدت جزء من تحويشتي. بمساعدة مريم ومحامية، عملنا صندوق صغير للطلبة في الجامعة اللي بيواجهوا ظروف حمل، أو مرض شديد، أو طوارئ طبية من غير دعم أهاليهم.
سميته “صندوق الباب المفتوح”.
محطتش عليه اسم سلمى.
— «هي كانت هتكره الشوشرة،» قالت مريم وأحنا بنمضي الأوراق.
— «كويس إن اسمها مش مكتوب.»
مريم ابتسمت لأول مرة من غير حزن:
— «كان هيعجبها ده.»
أول سنة مكنتش سهلة. هي بس بقت مختلفة.
بطلت أروح المدافن كل جمعة. بقيت أروح مرة في الشهر. أوقات بتكلم معاها. وأوقات بسيب ورد وأفضل واقف حاسس بغضب، وحنية، وتعب، كله مع بعضه زي هدوم مبلولة.
وبقيت أراجع طلبات الصندوق.
كانت بتيجي قصص بسيطة، من غير دراما مكتوبة عشان تقنع حد. شباب محتاجين إيجار، مواصلات، علاج، ليلة في لوكاندة عشان بيتهددو في بيوتهم، فلوس للمذاكرة، أو كشف مش قادرين يدفعوه.
طلب كان جاي من طالبة في سنة تانية اسمها مريم برضه.
كان عندها 20 سنة. وكانت حامل. أهلها قالولها لو كملت تعليم وجابت العيل، مش هتدخل البيت تاني. وأبو العيل مبيردش على التليفونات. وفي خانة الملاحظات كتبت جملة واحدة:
«أنا مش عارفة أقول لمين من غير ما حياتي تقع.»
قريت السطر ده 5 مرات.
الجنة وافقت على مساعدتها.
بعد سنة من موت سلمى، رجعت الصوبة الزجاجية في الجامعة والأوراق في إيدي. مريم عرضت تيجي معايا، بس قلتلها لا.
فيه لحظات مش محتاجة شهود.
البنت كانت قاعد على دكة قريب من زرع الطماطم، بتلف حظاظة في إيدها. لما شافتني قربت، وقفت بسرعة، خايفة.
— «هو فيه مشكلة؟» سألت.
— «لا.»
— «أنا كتبت حاجة غلط؟»
— «لا.»
طلبت منها تقعد. وقعدت جنبها.
لثانية واحدة مكنتش شايف مريم البنت دي. كنت شايف سلمى وهي عندها 22 سنة، واقفة عند الحوض، بتعصر فوطة، وبتحاول تسأل عن الأطفال من غير ما تجرؤ تقول إن فيه طفل جه خلاص. شفتها لوحدها في مستشفى. شفتها وهي بتكتب 127 جواب منقذوش حد عشان مخرجوش من الصندوق.
طلعت الأوراق واديتها لها.
قريتها في صمت. ولما فهمت إن المساعدة اتوافقت عليها، غطت بؤها. عينها اتملت دموع، بس معيطتش.
منصحتهاش.
محكيتلهاش قصتي.
مجبتش سيرة سلمى.
قلت بس، بصوت واطي، الكلام اللي كان المفروض حد يقوله لسلمى من سنين طويلة:
— «أنتِ مش مضطرة تقرري كل حاجة لوحدك.»
البنت ضمت الفايل لصدرها.
وبرة، المطر بدأ ينزل تاني، بالراحة، على أسطح الجامعة. جوة الصوبة، الزرع كان مكمل نمو من غير ما يعرف حاجة عن الخسارة، ولا الجوابات، ولا المدافن.
ولأول مرة من يوم ما سلمى خبطت على بابي، حسيت إن الوجع ممشيش، بس مابقاش قبر.
هو بقى باب مفتوح.