طيارة خاصه ج ١
حصري لصفحة روايات رولا
الطيارة الخاصة كانت مستناني عشان تطير بيا على أسوان، وفي اللحظة اللي طالع فيها من الباب، إيد صغيرة شدت كم قميصي. “بابا.. متسفرش. تيتة بتوديني مكان سرّي لما تمشي، وقالتلي لو حكيتلك مامي هتيجرالها حاجة بسببك.” في نفس اليوم بعد الظهر، كنت ماشي وراهم من غير ما مخلوق يحس.. والشيء اللي شفته هناك خلى الدم يتجمد في عروقي.
الصبح ده، كنت واقف في المطبخ في فيلتنا بالشيخ زايد بصب لبن دافي في الكوباية المفضلة لليلى، والسواق برة عمال يضرب آلاكسات. كان المفروض أكون في مطار القاهرة خلال ساعة، ومن هناك على أسوان عشان أفل قفل صفقة بمليارات، أكبر صفقة عملتها في حياتي كلها.
بس ليلى مكانتش بتمس أكلها.
عادتها ليلى بتخلي الصبح كله ضحك ولعب، وتقعد تقنعني إن الكورن فليكس أحسن من البيض وتستغفلني عشان تأكل الكلب بتاعنا تحت الترابيزة. بس النهار ده كانت قاعدة مقفولة، ضامة أكتافها ومكسورة، وبتجر الملعقة في الأكل من غير ما تدوقه.
”يا حبيبتي، كلي عشان صحتك.”
بصت في كوبايتها ومردتش.
“بابا؟”
نبرة صوتها خلتني أسيب اللي في إيدي وأقعد جنبها على الكرسي.
“نعم يا روح بابا؟”
“هو انت لازم تسافر أسوان النهار ده؟”
ابتسمت بتهدئة: “هما يومين بس يا ليلى، وراجع قبل امتحان الإملاء بتاعك.”
شفايفها بدأت تترعش.
“تيتة إيفون بتقول إن الوعود مش بيبقى ليها لازمة عند الكبار لما يكون عندهم شغل أهم.”
حسيت بنار ولعت جوايا.
إيفون، حماتي، جازت تعيش معانا في ملحق الفيلا من ست شهور بعد ما جوزها توفى. في الأول ورحبت بالفكرة جداً، عشان مراتي سارة تكون مرتاحة وعشان ليلى تبقى قريبة من جدتها.
بس شوية بشوية، إيفون بدأت تتصرف كإنها صاحبة البيت.
تنتقد لبس ليلى، تتخانق مع الشغالة، تغير نظام المطبخ، وكل شويه تسمم دماغ سارة بكلمتين: “العيال محتاجين أهل يربوهم مش ناس طول اليوم بيجروا ورا الفلوس والشركات.”
كنت مستحمل وساكت عشان خاطر سارة.
بس ليلى بصت ناحية الطرقة..
والبصة دي غيرت كل حاجة.
ماكانتش بصة طفلة خايفة تنكشف إنها كسرت لعبة.
ده كان خوف حقيقي.. رعب.
”ليلى،” قلت ببطء وتركيز، “هي تيتة عملت حاجة ضايقتك أو كوفتك؟”
هزت رأسها بسرعة زياده عن اللزوم: “لا لا.”
برة، السواق ضرب آلاكس تاني.
طنشته تماماً.
ليلى قربت مني ومسكت في طرف الترابيزة لحد ما صوابعها ابيضت.
“بابا.. متسفرش أسوان.”
نزلت على ركبتي قدامها: “قوليلي ليه يا ليلى؟”
عينيها اتملت دموع: “تيتة بتاخدني مكان كده لما انت بتمشي.”
صدري اتخنق: “مكان فين؟”
“معرفش..”
“يعني إيه تعرفيش؟”
“هي بتخليني أستخبى وأنام في أرضية العربيات ورا الأول.”
في اللحظة دي، مسمعتش غير صوت ضربات قلبي بتدق في وداني زي الطبولة.
ليلى ووطت صوتها أكتر ولزقت فيا: “بتقولي ده سرنا.. وقالتلي لو حكيتلك، مامي هيجرالها حاجة وحشة أوي وهيكون ده ذنبك انتي.”
جسمي كله اتنمل.
بست رأس ليلى، وقفت، ومسكت التليفون كلمت الكابتن بتاع الطيارة: “في عطل فني في سفرية النهار ده.. كنسل الرحلة.”
وبعدها خرجت قلت للسواق يطلع بالعربية عادي وكأني هحصلك بالتكسي، عشان محدش يلاحظ حاجة.
محدش في البيت كان يعرف إني لسة موجود.
بعد ساعتين، كنت واقف ورا ستارة الشباك فوق، وشف إيفون واخدة ليلى من إيدها ورايحين ناحية عربيتها الجيب.
استنيت نص دقيقة بالضبط، وطلعت مفتاح عربية قديمة سوبارو مركونة في الجراج محدش بيمشي بيها، ومشيت وراهم من بعيد لبعيد.
إيفون خرجت من الشيخ زايد..
وبعدين عدت الطرق المعروفة..
ودخلت بينا على منطقة مصانع ومخازن مهجورة في أبو رواش. منطق مقطوعة، لا فيها جنينة ولا محلات ولا أي سبب منطقي في الدنيا يخلي ست تاخد حفيدتها عندها 7 سنين هناك.
العربية الجيب وقفت ورا مبنى طوب أحمر ملوش ولا شباك.
ركنت أنا على بعد شاطر واستخبيت ورا شجرة، وبصيت عليهم. إيفون نزلت ليلى ومسكت إيدها ومشت بيها ناحية باب حديد مصدي.
الباب اتفتح..
وراجل خرج منه.
أول ما شفت وشه، إيديا اتجمدت على دركسيون العربية والدم هرب من جسمي كله..
الراجل ده، على حسب كلام مراتي سارة لي من 8 سنين.. كان ميت ومقبرته ملموسة!طالع نايثان كول واقف على الباب زي ذكرى اتعلمت تتنفس.
ولكم ثانية، محدش في المكان تحرك.
لا دانيال، ولا إيفون، ولا حتى ليلى.
حسيت بإيدين بنتي الصغيرة بتشد أكتر حوالين رقبتي.
نايثان كان باين عليه إنه أكبر من الراجل اللي كنت فاكره.
من تمان سنين، كان عبارة عن بدَل شيك، وساعات غالية، وثقة عمياء مفيش زيها. الراجل اللي يدخل قاعة مليانة مستثمرين شاكين، ويخليهم يصدقوا إن المستقبل بنفسه اختاره.
بس الراجل اللي واقف قدامي ده، شعره بدأ يبيضّ من الجناب.
وشه بقى أرفع.
أكتافه مميلة شوية تحت بلوفر أزرق عادي.
بس عينيه كانت هي هي.. مفيش شك فيها.
نفس العينين الخضرا الباهتة اللي كانت بتدقق وتقفل شوية لما يحس إن فيه حد بيخبي عنه حاجة.
بصيتله وأنا مش مصدق:
“انت ميت..”
ملامح نايثان تقريباً متغيرتش:
“ودانيال كمان كان ميت.”
دانيال خطى خطوة لقدام، وصوته حاد:
“متحطنيش في جملة واحدة معاك!”
نايثان بص له:
“أنا مكنتش بحاول أحطك.”
دانيال انفجر فيه:
“انت عمرك ما بتحاول تعمل حاجة، صح؟ الحاجات هي اللي بتحصل حواليك وخلاص! الناس بتختفي، السجلات بتتغير، والعائلات بتدفن صناديق فاضية!”
دانيال..” صدمة إيفون كانت مخلية صوتها يترعش.
بس هو طنشها تماماً.
ليلى دفنت وشها في كتفي، والحركة دي رجعتني للشيء الوحيد اللي يمهمني في اللحظة دي.
لفت بعيد عن نايثان.
“يا حبيبتي..”
مكانتش راضية ترفع رأسها.
“ليلى، بصيلي.”
بالراحة، رفعت رأسها. خدودها كانت مبلولة دموع.
“انت حاسة بحاجة توجعك؟”
هزت رأسها بـ “لا”.
“حد هنا أذاكي قبل كده؟”
هزت رأسها بـ “لا” تاني.
“حد لمسك بطريقة ضايقتك أو خلتك مش مرتاحة؟”
“لا.”
“حد قالك إنك ممنوع تخرجي من هنا؟”
“لا.”
بلعت ريقي بصعوبة:
“تيتة إيفون أدتك دوا؟”
ليلى اترددت.
إيفون همست بكسرة: “أرجوك..”
لفتلها بحدة وصارمة خلتها تسكت في ساعتها.
ليلى كانت بتبص على وشي بتوتر، فهدّيت ملامحي فوراً وقلتلها بصوت حنين:
“انت مش غلطانة في حاجة، ومفيش أي حاجة هتقوليها هخليني أزعل منك.. مفيش أبداً.”
حكت مناخيرها في كتفي وقالت:
“تيتة بتديني العصير اللي بينيم.”
معدتي اتعصرت من الخوف:
“شكله إيه؟”
“بمبي.”
“أدتهولك كام مرة؟”
“مش عارفة..”
إيفون بدأت تعيط في صمت. ليلى بصت لجدتها وحست بالذنب فوراً.. وده كان أكتر شيء يوجع في الموضوع كله؛ طفلة عندها سبع سنين تحس إن دموع ست كبيرة هي المسؤول عنها!
بست رأس ليلى:
“انت عملتي الصح بالضبط لما حكيتيلِي.”
“بس تيتة قالت إن مامي—”
“أنا عارف.”
عينيها اتملت دموع تاني: “هو مامي هيجرالها حاجة وحشة؟”
“لا.”
قلتها بقوة وبصوت عالي كفاية عشان كل الكبار في الأوضة يسمعوا الوعد ده:
“محدش هيقدر يلمس شعرة من مامي عشان انت حكيتيلي، ومحدش هيقدر يلمسك انتي كمان عشان حكيتيلي.. أسرار الكبار دي مش شغلانتك ولا مسؤوليتك تحميها.”
إيفون غمضت عينيها، ودانيال بص للأرض.
حتى نايثان ملامحه اتغيرت، ولأول مرة من ساعتها، مابقاش باين كإنه شبح، بل راجل حاسس بالخزي إنه واقف قدام طفلة مرعوبة.
نزّلت ليلى على الأرض بس فضلت ماسك إيدها:
“دانيال، فيه مكان أمان تقدر تقعد فيه؟”
شاور بصباعه ناحية مكتب صغير:
“فيه كنب هناك.. وتليفزيون كمان.”
ليلى قالت بسرعة: “أنا مش عايزة أقعد لوحدي.”
“مش هتبقي لوحدك.”
بصتلي وهي خايفة: “انت هتمشي؟”
“لا.”
“بتوعدني؟”
الكلمة دي بقى ليها وزن مختلف خالص دلوقتي.
نزلت على ركبتي لحد ما بقينا في مستوى عين بعض:
“أوعدك.. مش هخرج من المبنى ده من غيرك.”
ليلى درست وشي بدقة، كإن الوعود بقت حاجات محتاجة تفحصها كويس الأول قبل ما تصدقها.. وبعدين هزت رأسها بالمرور.
دانيال جاب تابلت من المكتب وشغل فيلم كارتون من اللي بتحبهم. قعدت جنبها لحد ما مزيكا البداية اشتغلت. كانت لسة ماسكة في كم قميصي.
استنيت دقيقة.. اتنين..
وأخيراً، صوابعها سابت القميص.
“بابا؟”
“نعم يا روح بابا؟”
“ينفع بندق يتفرج معايا؟” (الكلب اللعبة بتاعها).
لعبتها الفرو كانت لسة في عربية إيفون. إنها تطلب حاجة عادية وجانبية زي دي في وسط الكابوس ده كان هيخليني أعيط.
“أنا هروح أجيب بندق.”
“لا!”
إيدها شدت عليا تاني.. وفهمت قصدها.
“أنا هخلي حد يجيبه لحد عندك.”
هزت رأسها بـ “أوكيه”.
طلبت ماركوس، رئيس حراستي:
“افضل واقف برة.. محدش يدخل ولا يخرج. خلي حد يجيب الدبدوب الباندا بتاع ليلى من عربية إيفون، وابعتلي وحدة من الأمن الستات تدخل تقعد معاها جوة.”
ماركوس ميسألش ليه، وقال بس: “مفهوم يا فندم.”
قفلت السكة.
ليلى بصت للكبار اللي واقفين في الطرقة:
“انت هتزعقلهم؟”
بصيت مطرح ما بتبص: “ليهم هما؟”
هزت رأسها بـ “اه”.
“يمكن شوية صغيرة..”
وده جاب ابتسامة خفيفة جداً على وشها: “..بس مش وأنتي سامعة.”
“أوكيه.”
لمست مناخيرها بصباعي: “اتفرجي على الفيلم بتاعك.”
خرجت وقفلت باب المكتب ورايا شبه كامل.
أول ما الباب اتقفل، لفتلهم وصوتي اتغير تماماً:
“انتوا إدتوا إيه لبنتي؟”
إيفون مسكت في ظهر الكرسي:
“ده مكنش خطير..”
“ده مش رد على سؤالي!”
“كان دوا حساسية.. مضاد للهستامين.”
“ليه؟”
“عشان تنام.”
دانيال بص لها بدهشة:
“انت قولتيلِي إنها بتنام في العربية عشان بيجيلها دوار سفر!”
“مكنتش عايزاها تشوف الطريق!”
نايثان شتم تحت ضرسه.
إيدي اتقفلت في قبضات حادة، بس ضغطت على نفسي وفتحتها.. ده مش وقت إني أفقد أعصابي.
“انت عملتي غسيل دماغ وخدعتي طفلة عندها 7 سنين بـ أدوية عشان متشوفش انتي واخداها فين!”
“دي كانت جرعة أطفال بسيطة!”
“بطل تدافعي عن القرف ده!”
“أنا مبدافعش—”
“انت لسة بتدافعي حالا!”
بُقها اتقفل.
قربت منها أكتر: “انت قولتيلها إنها لو حكتلي، أُمها هيجرالها حاجة!”
وش إيفون انكمش وبدأت تعيط: “أنا اتخضيت واتربكت!”
“انت رعبتيها!”
“أنا عارفة..”
“لا يا إيفون.. أنا أظن إنك مش فاهمة انت عملتي إيه أصلاً!”
بصت من فتحة باب المكتب: “أنا بحب البنت دي والله..”
“أمال هي خايفة منك ليه؟!”
السؤال ده كان كفيل يهد حيلها تماماً، فقعدت على الكرسي مهدودة.
لفترة طويلة محدش اتكلم، لحد ما نايثان قال بهدوء:
“عشان الخوف كان اللغة الوحيدة اللي العيلة دي بتثق فيها لفترة طويلة.”
لفت ناحيته:
“انت بالذات ميعجبكش دور الواعظ والمصلح الاجتماعي هنا!”
“أنا مبعملش كده.”
“انت مت قبل ما بنتي تتولد!”
“أيوه.”
“سبتني أدفنك.”
“أيوه.”
“وسبت سارة تدفنك.”
وشه اتغير شوية.. حاجة بسيطة، بس أنا لمحتها.
“انت فاكر إني كنت عايز كده؟”
“أنا ميهمنيش انت كنت عايز إيه!”
“لا، مفروض يهمك.”
دانيال دخل بيننا: “خلاص بقى! كفاية!”
بصيتله بغضب، وهو رد البصة:
“انت عايز إجابات؟” دانيال قال: “يبقى بطل تتعامل مع الموضوع كإن فيه شرير واحد واقف في الأوضة.. مفيش الكلام ده!”
“وده مفروض يطمنّي يعني؟”
“لا، ده مفروض يخليك متضيعش الحقيقة من بين إيديك لمجرد إنك غضبان!”
كان عنده حق.. وكنت بكره حقيقة إنه عنده حق.
بصيت من خلال باب المكتب؛ ليلى كانت بتتفرج على الفيلم، ثانية ركبتها تحتها، وكل كام ثانية تبص ناحيتنا بصه خطافة.
وطيت صوتي:
“ابدأوا بموضوع الدوا.”
إيفون مسحت خدودها: “أنا إدتهولها مرتين بس.”
ليلى كانت محسساني إن الموضوع بيحصل على طول: “مرتين؟”
“اه.”
“مش كل مرة بتيجوا هنا؟”
“لا.”
“هما كام مرة اصلاً؟”
إيفون بصت لدانيال.. ودانيال هو اللي رد: “تسع مرات.”
دماغي لفت: “انت شفت بنتي تسع مرات؟!”
“اه.”
“من غير ما تقولي؟”
“اه.”
“ومن غير ما تقول لـ سارة؟”
سكوت..
والسكوت ده كان أنيل وأوسخ من أي رد.
بصيت لإيفون: “انت قولتيلِي إن سارة كانت عارفة جزء من الموضوع!”
“هي كانت عارفة إن دانيال عايش.”
الأوضة اتزلزلت بيا.. بصيتلها وأنا مش مصدق:
“مراتي كانت عارفة إن أخوها عايش؟”
“بق الها يجي سنة..”
سنة كاملة!..
سارة.. سارة مراتي!
الست اللي بتعيط كل سنة في فبراير في ذكرى وفاة دانيال المزعومة؟!
الست اللي شايالة القفاز القديم بتاعه في صندوق خشب وتحافظ عليه؟
الست اللي قالت لليلى قبل كده إن “أنكل دانيال بقى في مكان جمبا النجوم”؟!
صوتي خرج واطي ومكسور:
“هي عارفة بقالها سنة.. ومقالتليش؟”
إيفون هزت رأسها بـ “اه”.
“ليه مقالتليش؟”
نايثان هو اللي رد: “عشان مكانتش عارفة لو كانت تقدر تثق فيك ولا لا.”
قطعت المسافة بيني وبينه في ثواني قبل ما دانيال يمسك دراعي: “بلاش!”
بصيت لإيد دانيال.. فساب دراعي.
نايثان متراجعش خطوة واحدة لورا.. وده خلى الموضوع أوحش.
“وانتوا بقى كنتوا فاكرين إني هعمل إيه بالضبط؟”
عين نايثان ثبتت في عيني: “مكنّاش عارفين.”
“حجة سهلة ومريحة!”
“مكانتش مريحة خالص.”
“انتوا سبتوا مراتي تصدق إنك ميت لمدة سبع سنين، ولما ظهرت، أقنعتها تخبي عليا.. وأنا اللي بقيت مصدر الخطر والأمن بالنسبة لكم؟!”
فك نايثان اتشد: “أنا عمرى ما أقنعت سارة بحاجة.”
“أمال إيه اللي أقنعها؟”
بص لإيفون، وهي هزت رأسها بـ “لا”.. وده كان كل اللي محتاج أشوفه.
“إيه؟”
محدش رد.
“سارة اكتشفت إيه؟”
دانيال أخد نفس طوييل وقال:
“من سبع سنين، بعد ما ليلى اتولدت، حد دخل على قاعدة البيانات الجينية للأبحاث الخاصة بـ مؤسسة مرعي.”
بصيتله باستغراب: “وده إيه علاقته بيا؟”
“كل العلاقة.”
مشي ناحية دولاب وطلع منه ملف تقيل: “المؤسسة بتاعتنا كانت عاملة شراكة مع برنامج علم الجينات في الجامعة.. آلاف العينات، متبرعين، مرضى، دراسات عائلية.. معظمها من غير أسماء.”
حط الملف على الترابيزة:
“العينة بتاعتك كانت في قاعدة البيانات دي عشان الفحص الوراثي للقلب اللي وافقت عليه قبل ما تتجوز انت وسارة.”
فتكرت.. بالعافية.
حفلة خيرية.. ومبادرة أبحاث.. وسارة وقتها ضحكت عليا عشان أنا بكره الحقن.
دانيال كمل:
“بعد ما نايثان اختفى، اكتشفنا إن فيه حد غير الكود التعريفي بتاع العينة بتاعتك.”
“وحط كود نايثان بداله؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
“منعرفش.”
“كان قدامكم تمان سنين تعرفوا!”
“كان قدامنا تمان سنين بنستخبى فيهم!”
نايثان اتكلم من ورايا، فلفتله.. كان ساند على الحيطة:
“السرقة اللي أنا كشفتها مكنتش فلوس.”
افتكرت اللي دانيال قالهولي قبل كده: “انت قلت إن فيه حد كان بيسرق من المؤسسة.”
“أيوه.”
“بيانات جينية؟”
نايثان هز رأسه: “ملفات شخصية، تاريخ مرضي، روابط عائلية.. عينات مرتبطة بمتبرعين أغنياء جداً.”
بصيت للدولاب، وغضبي تحول للحظة لدهشة وحيرة: “عشان إيه؟”
“عمرنا ما قدرنا نثبت.”
دانيال فتح فايل تاني: “في الأول افتكرنا إنها عمليات نصب على التأمين، أو ابتزاز، أو فحوصات طبية خاصة..”
نايثان بصلي: “بس فيه حد كان مهتم بالملف بتاعك انت بالذات.”
“ليه؟”
“منعرفش.”
ضحكت ضحكة مفيهاش أي معالم ضحك:
“انتوا كل شوية تقولوا منعرفش!”
“عشان الحقيقة مش واضحة ونظيفة زي ما انت فاكر.”
“جرب قولها يمكن أفهم.”
دانيال حط صورتين على الترابيزة.. الاتنين كانوا لـ نايثان من سنين. واحدة قدام جراج عربيات، والثانية قريبة من محطة قطر.
“فاكر حادثة العربية بتاعة نايثان؟”
“طبعاً.”
عربيته كانت عدت السور على طريق الجبل في مطر غزير، وجابوا الحطام المحروق.. والج/ثة وقتها قالوا إنها متفحمة وصعب التعرف عليها بالعين.
أنا عمري ما شكيت في الكلام ده.. هشَك ليه؟
دانيال خبط على الصور: “الصور دي اتلقطت بعد الحادثة.”
“بعدها بقد إيه؟”
“الأولى بعد الحادثة بتلات أيام.. والثانية بعدها بست شهور.”
حسيت بوجع قديم بيتحول لحاجة جديدة وبشعة..
“سارة عمرها ما شافت الصور دي؟”
“لا،” دانيال قال: “مش وقتها.”
نايثان بص للأرض: “موتي كان مفروض يحميها.”
“يحميها من مين؟!”
“ده اللي كنت بحاول أعرفه.”
“وفشلت.”
“أيوه.”
الكلمة طلعت فوراً من غير أعذار ولا دفاع.. “أيوه”.
نايثان اتعدل: “أنا فشلت مع أختي.. وفشلت مع أمي.. وفشلت مع دانيال.. ودلوقتي ساهمت إن بنتك تتحط في وسط حاجة مكنش مفروض تعرف إنها موجودة اصلاً.”
إيفون غطت بقها بإيدها، وأنا بصيتلها:
“أمال ليه ليلى؟ ليه جيبتوها هنا؟”
محدش اتكلم.
“ليه تجيبوا بنتي هنا؟!”
إيفون همست: “عشان الصداع..”
غضبي اتحول تاني: “صداع إيه؟”
دانيال استغرب: “انت مكنتش عارف؟”
“عارف إيه؟!”
إيفون وقفت: “ليلى بدأت تشتكي من صداع من أربع شهور.”
بصيتلها وأنا مش مصدق: “لا مأحصلش.. حكيش حاجة.”
“هي حكتلي أنا.”
“كانت هتحكيلنا إحنا!”
عين إيفون هديت بكسرة: “قالتلي إنكم مشغولين.”
كنت هرد برد حاد، بس افتكرت كلام ليلى على الصبح في المطبخ: “الوعود مش بيبقى ليها لازمة عند الكبار لما يكون عندهم شغل أهم.”
حسيت بالجملة دي بتضربني تاني.. بس المرة دي بطريقة مختلفة.
مش مجرد كلام إيفون محفظاهولها.. ده كان ملاحظة ليلى الشخصية!
أنا كنت مسافر طول الوقت.. أسوان، الإسكندرية، دبي، لندن..
دايماً فيه صفقة جديدة.. اجتماع مجلس إدارة جديد.. أزمة مفروض مش هتعيش 48 ساعة من غير وجودي!
بصيت ناحية المكتب.. ليلى عندها سبع سنين.
كام حاجة أنا افترضت إنها هتحكيهالي لمجرد إني بحبها؟
الحب مبيخلقش التفرغ والوجود التلقائي.
الإدراك ده جرحني أكتر من أي اتهام تاني.
”هو الصداع ده كان حاجة خطيرة؟”
دانيال هز رأسه بـ لا: “الأشعة بتاعتها طلعت سليمة.”
“أشعة؟!” صوتي علي.. فـ ليلى بصت ناحيتنا، فواطيته تاني بسرعة: “انتوا عملتوا لبنتي أشعة من غير ما نعرف؟!”
“فحوصات غير جراحية،” دانيال قال: “في مركز طبي خاص.”
“انت فاهم إن ده مبيصلحش العك اللي عملتوه؟”
“فاهم.”
“أمال عملتوا كده ليه؟!”
إيفون مسكت حرف الترابيزة: “عشان سارة هي اللي طلبت مني!”
كل حاجة وقفت. بصيتلها: “لا..”
دقن إيفون كانت بترتعش: “هي طلبت مني أجيب ليلى لـ دانيال.”
نايثان غمض عينيه.. ودانيال كان باين عليه إنه غضبان جداً من إيفون إنها قالت كده.
أنا ضحكت ضحكة خفيفة مكسورة.. نوع الضحك اللي بيطلع لما عقلك يرفض يتقبل حقيقة جديدة فوق الطاقة.
“مراتي طلبت منك كده؟”
“أيوه.”
“عشان الفحوصات الجينية؟”
“أيوه.”
“عشان الفحوصات العصبية؟”
“أيوه.”
“عشان اجتماعات سرية مع اتنين مفروض إنهم ميتين؟”
“لا.”
الرد ده جه من دانيال.. فلفتله: “فهمني!”
“سارة عارفة إني عايش.. بس مكنتش عارفة إن نايثان هنا.”
نايثان مطلعش صوت.
دانيال كمل: “سارة طلبت من أمي تجيب ليلى عشان خافت بعد ما حصلت حاجة في البيت.”
“حصل إيه؟”
إيفون بصتلي: “البيانو.”
كشرت: “بيانو إيه؟”
“البيانو بتاع والدتك.”
البيانو الشتاينواي القديم بتاع أمي اللي محطوط في المكتبة.. بتاع أمي قبل ما تتوفى. ليلى ساعات كانت بتقعد تدوس على الزراير وتدعي إنها بتألف سيمفونيات.
“ماله البيانو؟”
“ليلى عزفت معزوفة.”
“وبعدين؟”
صوت إيفون نزل للنص: “معزوفة سارة عمرها ما سمعتها في حياتها.”
استنيت.. ودانيال فتح درج وطلع منه شريط كاسيت قديم، وحطه على الترابيزة. نايثان كان بيبصله كإنه حاجة خطيرة.
“معزوفة إيه؟”
نايثان هو اللي رد: “لحن أنا اللي كتبته.”
بصيتله بدهشة.. فابتسم ابتسامة تعبانة:
“كنت بضرب بيانو أيام الكلية.. وعزفي كان زفت.”
“أنا وانت عشنا مع بعض 3 سنين وإحنا بنبني الشركة.. عمري ما شفتك لمست بيانو!”
“أنا بطلت قبل ما نترافق أصلاً.”
دانيال زق الشريط ناحيتي: “التسجيل ده من سنة 1998.”
أنا ملمستوش: “انتوا عايزين تقولوا إيه؟”
“ولا حاجة لسة.”
“لا.. قولوا!”
دانيال اتردد: “ليلى عزفت النغمة بالضبط.. زي التسجيل.”
جسمي قشعر: “ده مستحيل!”
“أيوه.”
“يبقى سمعتها في مكان!”
“ده اللي سارة افتكرته.”
“يبقى اكيد سمعتها!”
نايثان اتكلم: “التسجيل الوحيد اللي نعرف إنه موجود كان في مخزن مقفول باسم أبيا.”
بصيتله: “وبعدين؟”
“المخزن ده اتكسر واتسرق منه حاجات قبل ما ليلى تعزف الأغنية بتلات أسابيع.”
الأوضة فجأة بقت ساكتة زيادة عن اللزوم.
افتكرت ليلى وصوابعها الصغيرة وهي بتخبط على الزراير في الشمس بتاعة الصبح في المكتبة.. أنا غالباً وقتها كنت في مكالمة شغل.
قدرت أتخيل المشهد.. أنا واقف على بعد خطوات، بكلم حد في دبي أو إنجلترا وبقول إن “الأرقام مفيهاش مشاعر”، وبنتي ورايا بتعزف لحن نسيه راجل ميت من سنين!
دعكت أُوقة راسي: “الكلام ده جنان!”
“أنا عارف،” نايثان قال.. ومكانش بيتريق، كان باين عليه إنه جاب آخره وطاقته خلصت.
“الصداع إيه علاقته بالمعزوفة؟”
“منعرفش.”
“رجعتوا لـ منعرفش تاني!”
دانيال طنش نرفزتي: “ليلى قالت إن النغمة دي جتلها في حلم.”
قلبي أكلني: “حلم؟”
“قالت لـ سارة إنها حلمت بـ مطبخ أصفر فيه ستائر زرقاء.. وكان فيه راجل بيلعب النغمة دي.. وكان فيه عجلة حمراء برة.”
وش نايثان اصفَرّ ودمه هرب.. وأنا لاحظت ده.
“فيه إيه؟”
دانيال لفله: “قوله انت.”
نايثان كان بيبص للكاسيت: “ده كان بيت جدتي.. المطبخ كان أصفر.. والستائر كانت زرقاء.. وكان عندي عجلة رالي حمراء لما كان عندي تسع سنين.”
عقلي رفض الاستمرار في المكالمة أو التصديق:
“أكيد فيه صور!”
“مفيش صور ليلى شافتها.”
“انتوا مش متأكدين!”
“صح،” نايثان قال: “مش متأكدين.”
شاورت عليه بصباعي: “جميل! يبقى بطلوا تتعاملوا كإن الموضوع فيه حاجة وراء الطبيعة والسحر!”
“أنا مفتكرش إن فيه سحر.”
“أمال فاكر إيه؟!”
نايثان بصلي لفترة طويلة: “أنا فاكر إن فيه حد بيحشي دماغ ليلى بالمعلومات دي.”
الغضب رجعلي فوراً: “مين؟!”
“ده اللي أنا جيت هنا عشان أعرفه.”
دانيال بص له بغضب: “انت قولتلي إنك جيت عشان تعبت من الاستخباء!”
“أنا كدبت عليك.. والكدب باين إنه مرض معدي في العيلة دي.”
نايثان تقبل الإهانة وسكت.
مشيت ناحية المكتب، ليلى رفعت رأسها فوراً: “بابا؟”
ابتسمت: “كل حاجة تمام يا حبيبتي.”
هي مكانتش تمام.. بس بدأت أفهم إن فيه أنواع مختلفة من الحقيقة. الطفل مش محتاج ياخد كل الخوف والشكوك في وشهم في نفس اللحظة.. هو محتاج الأمان في الحتة اللي نقدر نأمنها.
أنا هنا.. وهي في أمان.. ودي الحقيقة الوحيدة المضمونة دلوقتي.
ماركوس دخل وشايل الدبدوب الباندا.
وش ليلى ينور: “بندق!”
جريت عليه.. وماركوس، الصخري اللي زي التلاجة، مسك الدبدوب الفرو بوقار غريب: “تم استرجاع الهدف من المركبة يا فندم.”
ليلى ضحكت.. والصوت ده غير الجو في الأوضة في ثواني.
حضنت بندق، وبعدين بصت لماركوس: “انت ظابط سرّي؟”
ماركوس بصلي: “قبل الغداء بس.”
هي ابتسمت.. وأنا مكنتش متخيل قد إيه كنت محتاج أشوف الابتسامة دي.
لمست كتف ماركوس وخدته على جنب:
“عايز دكتور أطفال بنثق فيه.. النهار ده.. فحص كامل.. وتحاليل دم لو استدعى الأمر طبياً بس.. وميكونش ليه أي علاقة بمؤسسة مرعي.”
“بترتب خلاص يا فندم.”
“وعايز أعرف مكان سارة.”
“هي في الفيلا.”
عيني ضاقت: “في البيت؟”
“رجعت من 20 دقيقة.”
“منين؟”
“مش معروف.. عربيتها وصلتها بـ أوبر.”
بصيت في تليفوني.. 7 مكالمات فائتة، كلها من سارة.. أنا كنت عامله صامت.
المكالمة الثامنة جت وأنا بَبص في الشاشة.
رديت: “هي فين؟”
لا سلام ولا كلام.. رعب صافي في صوتها.
بصيت من الباب على ليلى: “هي معايا.”
سارة أخدت نفس عميق ومكسور: “الحمد لله يا رب..”
“انت كنتِ عارفة.”
سكوت.. ونفسها اتغير: “انت فين؟”
“مع أخوكي الميت.”
سكوت تاني.. وبعدين: “دانيال؟”
“ونايثان كمان.”
المرة دي السكوت كان تام ومطلق. سمعت حاجة بتوقع من إيدها على الناحية الثانية.
“سارة؟”
“خلي ليلى تكلمني..”
“هتكلميها لما نرجع البيت.”
“لا، أرجوك!” الكلمة كانت بالعافية مسموعة: “أرجوك خليني أسمع صوتها!”
بصيت لبنتي.. كانت بتخلي ماركوس يساعد بندق يعمل تعظيم سلام!
مهما كان غضبي من سارة، ليلى بتحب أمها.. وده الأهم.
مشيت ناحيتها: “مامي عايزة تقولك ألو.”
وش ليلى اتغير.. مش خوف، بس ارتياح: “مامي!”
ديتها التليفون: “ألو يا مامي..”
فضلت أراقبها وهي بتسمع.. وبعدين كشرت: “لا أنا كويسة..”
أنظار.. “لا بابا مش زعلان مني.”
بصتلي عشان تتأكد، فهزيت رأسي بـ لا.
“بابا بيقول إن أسرار الكبار دي مش شغلانتي.”
سارة عملت صوت بكاء مكتوم من التليفون.. ملامح ليلى هديت: “أنا كمان بحبك..”
وبعدين: “مامي انت بتعيطي؟”
زوري اتقفل.. ليلى حضنت التليفون بإيديها الاتنين: “متعيطيش.. بندق معايا هنا.”
محدش في الأوضة اتكلم. بعد دقيقة، ليلى إدتني التليفون: “مامي عايزاك.”
خدته.. صوت سارة كان متقطع ومكسور: “هاتها وتعالوا البيت..”
“هاجي.”
“أرجوك..”
“سارة..”
“أنا عارفة..”
“لا، أنا أظن إنك مش عارفة أي حاجة.”
“أنا عارفة المنظر باين إزاي..”
“الجملة دي بتتقال دايماً قبل ما حد يعك الدنيا أزيد!”
بلعت ريقها: “فيه حاجات مكنتش أقدر أقولهالك..”
“كان ينفع!”
“لا..”
“انت اخترتي متقوليش!”
“أنا كنت بحاول أحميك!”
غمضت عيني.. كل بني آدم في المبنى ده كان بيبني مملكة سرية خاصة بيه تحت شعار الجملة دي!
“كلكم بتقولوا نفس الجملة!”
“أنا آسفة..”
“إيه اللي خافك للدرجة دي عشان تعملي فحوصات سرية لبنتنا؟”
سكوت.
“سارة!”
صوتها نزل: “عشان فيه حد بعتلي فيديو لـ ليلى وهي نايمة.”
الغضب اختفى.. مش هدي، اختفى تماماً وسب مكان للرعب.
“إيه؟”
“من تلات شهور..”
بعدت عن ليلى خطوتين: “فين؟”
“في أوضتها.”
عيني راحت تلقائياً لـ ماركوس.. ملامحه اتغيرت فوراً لما شاف وشي.
سارة كملت: “كانت نايمة.. الفيديو كان 12 ثانية.”
“مين بعته؟”
“رقم مجهول.”
“الرسالة كان فيها إيه؟”
اترددت: “سارة!”
“كان مكتوب: ‘هي فاكرة أكتر ملي مفروض تفتكره’.”
البرودة انتشرت في صدري.. بصيت لـ نايثان، كان بيراقبني بدقة.
“ليه مقولتليش؟!”
“عشان بعد 10 دقائق، جت رسالة ثانية..”
استنيت..
“بعتوا صورة ليك وانت طالع الطيارة.”
نفسي اتقطع: “والرسالة كان فيها إيه؟”
سارة همست: “لو حكيتيله، هو هيكون الحادثة الجاية.”
لفت بعيد عن الكل..
لسنين طويلة، كنت بفتكر إن الخوف حاجة بتهزمها لما بتهجم عليها وتواجهها. أنا بنيت شركات بالطريقة دي، وكسبت مفاوضات بالطريقة دي.. دخلت قاعات كل الناس فيها عايزين مني حاجة، واتعلمت إن الثقة بتخلي الشك يرمش الأول.
بس سارة جيلها صورة لبنتها وهي نايمة.. وبعدها صورة ليا وأنا مسافر.. وفضلت شايالة الحمل ده لوحدها!
غضبي متبخرش.. بس لأول مرة، بقى فيه مكان جنبه لحاجة ثانية: الفهم.. مش المسامحة لسة، بس الفهم.
”انت حكيتي لـ دانيال؟”
“أيوه.”
“وإيفون؟”
“أيوه.”
“ونايثان؟”
“لا.”
“ليه عملتي الفحوصات لـ ليلى؟”
“عشان دانيال افتكر إن كلمة ‘فاكرة’ ممكن تكون عصبية.. أو جينية.. أو ليها علاقة بالملفات المفقودة.”
بصيت لدانيال.. فبص بعيد.
سارة كملت: “والصداع بدأ بعد كدة بأسبوعين..”
“والدوا؟”
“دوا إيه؟”
لفت لإيفون.. غطت بقها تاني.
صوت سارة بقى حاد: “دوا إيه يا ويليام؟!”
بصيت لإيفون: “أمك كانت بتدي ليلى دوا حساسية عشان تنام في العربية.”
سكوت.. وبعدين سارة قالت بصوت واضح وقاطع:
“عملت إيه؟!”
إيفون بدأت تعيط تاني: “مكنتش عارفة أحافظ على سرية المكان إزاي غير كدة!”
سارة سمعتها: “ماما؟!”
“سارة—”
“انت عملتي كده في بنتي؟!”
“دي كانت مجرد—”
“إياكي تكملي الجملة دي!”
إيفون اترعشت.. ولأول مرة النهار ده، حد ثاني كان صوته غضبان بنفس القدر اللي أنا حاسس بيه.
صوت سارة كان بيترعش من الغضب: “أنا قلتلك احميها!”
“أنا كنت بحمي دانيال!”
“يبقى انت اخترتي دانيال على ليلى!”
وش إيفون انكسر.. ودانيال خطى لقدام:
“لا.. هي اختارتني عشان أنا اللي طلبت منها كدة.”
إيفون بصتله.. وهو لف ناحية التليفون:
“الموضوع ده في رقبتي أنا كمان.”
سارة كانت مصدومة: “انت كنت عارف؟”
“مش عن الدوا.. بس كنت عارف إنها بتخبي الطريق.”
سارة سكتت.. ودانيال أكتافه نزلت: “أنا آسف.”
مكانتش درامية.. مفيش خطبة ولا أعذار، مجرد راجل بينزل حمْل من على كتفه وخلاص.
بصيت لـ نايثان: “وانت؟”
هز رأسه بـ لا: “أنا مكنتش اعرف إن ليلى بتيجي اصلاً غير من أسبوعين.”
دانيال لفله: “إيه؟!”
نايثان طنشه: “أول مرة شفتها كانت من شباك المراقبة ده.”
مشيت وراه للغرفة اللي خرج منها.. الأوضة مكنتش غرفة نوم، كانت مكان شغل؛ مكاتب، أجهزة كمبيوتر قديمة، ملفات ورقية، شاشة عرض كاميرات.. وعلى الحيطة البعيدة كان فيه لوح زجاج تارك ومظلم باصص على غرفة الفحص اللي جنبها.. زجاج من اتجاه واحد (مراية).
نايثان شاور: “أنا كنت هنا لما إيفون جابت ليلى من أسبوعين.”
“ليه مقولتلهومش إنك هنا؟”
“عشان شفت حاجة..”
فتح لاب توب، وظهر فيديو أمني بتاريخ من 11 يوم.
ليلى كانت قاعدة في غرفة الفحص بترسم.. إيفون كانت خرجت، ودانيال كان بيكلم حد في الطرقة.. ليلى كانت لوحدها.
لمدة دقيقة، مفيش حاجة حصلت.. وبعدين ليلى بصت ناحية الزجاج.. ناحية المكان اللي نايثان كان واقف فيه بالضبط!
في التسجيل، ليلى سابت ألوانها.. ومشت ناحية الزجاج.. وقالت حاجة. الكاميرا مفيهاش صوت.
نايثان بصلي: “هي قالت اسمي.”
بصيت للشاشة: “هي شافتك؟”
“متقدرش.. الزجاج ده مراية.”
“يمكن سمعتك؟”
“أنا مكنتش اتكلمت.”
“يمكن خمنت؟”
نايثان قفل اللاب توب: “هي مقالتش نايثان..” بص ناحية ليلى في الأوضة الثانية: “..هي قالت ‘نيتي’.”
قشعريرة غريبة مشت في جسمي: “إيه؟”
“ده الاسم اللي أختي كانت بتناديني بيه وإحنا صغيرين.”
سارة كانت لسة على الخط، رفعت التليفون: “انت عمرك ناديتي نايثان بـ ‘نيتي’ قدام ليلى؟”
“لا.”
“عمرك حكيتيلها عن الاسم ده؟”
“لا.”
نايثان قرب من التليفون: “سارة..”
نفسها اتطاع: “نايثان؟”
أيوه..”
تمان سنين اختصروا في كلمة واحدة.. مراتي عملت صوت عمري ما سمعته قبل كدة، مش عياط ولا ضحك، حاجة بينهم.
“نيتي؟”
عين نايثان اتملت دموع: “أهلاً يا سارة..”
وهنا سارة عيطت بصوت عالي.. نايثان لف بعيد، دانيال مسح وشه، وإيفون نزلت رأسها.
وأنا واقف وسطهم كلهم ومدرك حاجة كنت غضبان لدرجة إني مكنتش شايفها:
الناس دي أذت بعض جداً.. كدبوا.. استخبوا.. واختاروا اختيارات حطت بنتي في مواقف مكنش مفروض تتحط فيها أبداً.. بس تحت كل ده، دي عيلة قضت تمان سنين بتعيط على ناس لسة عايشة.. ومفيش طريقة نظيفة تقدر تشيل بيها النوع ده من الوجع أو تتخلص منه.
سارة همست من التليفون: “انت بجد؟”
نايثان غمض عينيه: “أنا بجد..”
“ليه لسة مرجعتش؟”
“كنت فاكر إني بحافظ على حياتك.”
“انت غبي!”
“عارف..”
“انت غبي أوي!”
“عارف والله..”
كانت بتعيط أكتر: “أنا كرهتك عشان مت!”
فم نايثان اترعش: “عارف..”
“أنا كنت بكلمك كل سنة في عيد ميلادك..”
“أنا آسف..”
الأوضة بقت ساكتة ماعدا صوت عياط سارة من التليفون.. وبعدين ليلى ظهرت على الباب ومكسة بندق:
“بابا؟”
مسحت وشي بسرعة.. مكنتش مركز إني أنا كمان كنت بعيط.
بصت لـ نايثان، وبعدين للتليفون: “هي مامي كويسة؟”
سارة سمعتها: “أنا كويسة يا حبيبتي..”
ليلى قربت: “هو ليه كل الناس زعلانة؟”
محدش رد.. الكبار بيبقوا أجهزة ملهاش لازمة لما الأطفال بيسألوا الأسئلة المهمة.
نزلت على ركبتي جنبها: “عشان كل الناس كانت مخبية أسرار كتير أوي..”
فكرت في الكلام: “هو عشان كده تيتة بتعيط؟”
“أيوه.”
” وعشان كده مامي بتعيط؟”
“أيوه.”
بصت لـ نايثان: “وعشان كده أنكل نايثان بيعيط؟”
نايثان لف مسح وشه: “أيوه.”
ليلى حضنت بندق: “الأسرار بتخلي الناس تزعل..”
“أيوه.”
فكرت في الموضوع بجدية طفلة عندها 7 سنين: “يبقى مفروض نبطلها.”
الأوضة بقت ساكتة تماماً.. إيفون غطت وشها، ودانيال بص للأرض، وسارة همست من التليفون: “عندها حق..”
بصيت لبنتي.. سبع سنين، ناقصة سنة من قدام، شعرها منكوش شوية عشان أنا زفت في توك الشعر، ومسكة دبدوب باندا من ودنه.. وبطريقة ما هي أكتر حد عاقل في المبنى ده كله!
وقفت: “أيوه.. مفروض نبطلها.”
خرجنا من المخزن بعد 40 دقيقة.. نايثان ودانيال فضلوا جوة مع فريق ماركوس، وإيفون ركبت عربية ثانية.. وليلى رفضت تسيب جنبي
طول الطريق للبيت، كانت ساندة عليا في الكنبة الوراانية بتاعة العربية.
أول 10 دقائق ملقيتش حاجة، وبعدين:
“بابا؟”
“نعم؟”
“انت لسة هتسافر أسوان؟