تزوجها من اجل ج ٦

_ شقة إيه؟

استدار “عزيز” بجسده ثم التقط أحد المغلفات ومدّ يده إليها.

_ الشقة بتاعتك يا “ليلى”، مش لازم تتفرش عشان كتب الكتاب.

لوهلة شعرت بالغباء وسُرعان ما كانت تستوعب حديثه.

_ ما أنا هفرشها بعفش مستعمل مش لازم اشتري عفش جديد.

ولأنه صار يتوقع ردودها ابتسم والتقط المغلف الأخر قائلًا:

_ مش عيب تفكري تشتري عفش شقتك من مكان تاني، ولا أنتِ مش عايزة تنفعيني يا “ليلى”.

ابتلعت ريقها وهي ترفع عيناها نحوه.

_ العفش عندك سعره غالي وأنا مش هقدر على الأسعار هنا.

اتسعت ابتسامته عقب حديثها ثم أخفاها سريعًا وقال بتلاعب.

_ متقلقيش مش كل الأوض عندي أسعارها واحده.

ثم أضاف وهو يتحرك تحت نظرات عينيها المشتتة.

_ الفترة دي السوق محتاج التركيز على كل فئات المجتمع، ده غير من حظك إننا الأيام دي عاملين تخفيضات عشان نسهل على الناس.

كادت أن تتحدث ليواصل كلامه قائلًا:

_ شكلك مش عايزة تنفعي المعرض يا “ليلى”.

صمت لثواني وبمزاح أردف.

_ لأ أنسي دلوقتي إنك هتكوني بعد أيام مرات صاحب المعرض أنتِ دلوقتي زبونه وأنا تاجر شاطر.

نظرت إليه بخجل وبهمس خرج صوتها.

_ أنا مش معايا غير فلوس العفش اللي اتباع ومستنيه الوديعة تتفك بعد شهرين عشان اعرف أفرشها.

لم يركز “عزيز” اِنتباهه إلا على كلمة واحدة اِخترقت أذنيه ليهتف بقوة.

_ وطبعًا عايزة تأجلي الفرح لشهرين لحد ما الوديعة تتفك.

حركت رأسها له لعله يفهمها، ليزفر أنفاسه دفعة واحدة.

_ تمام قومي اختاري العفش اللي أنتِ عايزاه وبعدين نتكلم في ميعاد الفرح.

لا تعرف لِمَا غادرها هذا القلق الذي يحتل فؤادها كلما أخبرها بتعجيل أمر الزواج.

نهضت من مكانها بعدما تركت كوب العصير على الطاولة الصغيرة التي أمامها.

_ أنا بقول نأجل اختيار العفش ليوم تاني واخد الورق المهم عشان متأخرش على استاذ “رفعت”.

تفقده صوابه بما تفعل ولولا معرفته أنها تتهرب خوفًا وقلقًا من دخول حياته كزوجة؛ فهو ليس بغافل عن السبب وطباعها.

_ أستاذ “رفعت” مش هيتكلم يا “ليلى” ولو أنتِ اتحركتي دلوقتي عشان تختاري العفش مش هتضيعي الوقت.

طالعته بحيره ثم حسمت أمرها.

_ هدفع جزء وأسدد الباقي ليك بعد شهرين تمام.

ابتسم بخبث وهو يتحرك أمامها حتى ينادي على أحد العاملين لديه.

_ قولت أنتِ دلوقتي زبونة وأنا تاجر يا “ليلى” والتاجر الشاطر مبيعرفش المجاملات.

تحركت ورائه بحرج وقد زال توترها وخجلها بعدما اندمجت مع العامل الذي أخذ يُخبرها عن الغرف وجودتها وأسعارها. كانت أعيُن “عزيز” تُراقبها رغم وقوفه على بعد منها وتظاهره بالحديث مع أحد العاملين… فهو يُريدها تختار ما تشاء.

عادت “ليلى” من العمل الذي لم تقضي به إلا ساعات قليلة بسبب تلك المهمة التي كلفها بها السيد “رفعت” و الذي اندهشت منه عند عودتها لأنه لم يُعقب على تأخيرها.

وجدت زوجة عمها أمامها عندما دلفت من باب المسكن؛ فابتسمت لها “عايدة”.

_ حمدلله على السلامة.

ردت “ليلى” وهي تزيل عن قدميها حذائها وتلتقط خُفها المنزلي.

_ الله يسلمك، طمنيني على “شهد” هي كويسة دلوقتي.

_ الحمدلله يا “لولو”، قالت حلت كويس.. ربنا معانا في باقي المواد، الواحد اعصابه تعبت.

_ إن شاء الله هنفرح بنجاحها والبيت هيفضل مليان فرح.

ابتهجت ملامح “عايدة” وتذكرت ما حدث اليوم وما عرفته من مكالمة السيد “عزيز” لزوجها.

_ طبعًا يا عروستنا الحلوة.

خجلت “ليلى” من قول زوجة عمها؛ فاجتذبتها “عايدة” لأحضانها.

_ مبروك يا “لولو”، أنا بقولها ليكي دلوقتي وأنا مبسوطه أوي.

_ “عايدة” هي “ليلى” جات؟

ارتفع صوت “عزيز” بتساؤل؛ فابتعدت “عايدة” عنها لتُحرك يديها على خديها.

_ هو عمو عايزني في حاجة؟

التمعت عينين “عايدة” بسعادة واجتذبت يدها قائلة:

_ تعالي نروحله وهتعرفي.

مشاعر عدة ارتسمت على ملامح وجهها وهي تستمع لما يخبرها به عمها.

_ بكرة يا بنتي هتروحي مع “نيرة” هانم تجيبي فستان الخطوبة وشبكتك، وزي ما أنتِ عايزه هيحصل.. الخطوبة هتم في شقتك و “عزيز” بيه هيجي يتقدم ليكي فيها.

ابتسمت “عايدة” ليواصل “عزيز” كلامه.

_ هو طلب مني كمان إننا نكتب كتب الكتاب بعد ما تلبسي شبكتك.

طالعته “ليلى” وقالت بتردد بعدما تأكدت أنه لم يصرف نظرًا عن أمر عقد القِران.

_ هو إحنا ممكن نخلي كتب الكتاب مع الفرح.

تلاقت أعيُن عمها و “عايدة” معًا ليومئ “عزيز” برأسه قائلًا:

_ أنا قولت لـ “عزيز” بيه كده بس بصراحه بعد ما فهمت وجهة نظره اقتنعت بكتب الكتاب.

_ “ليلى” قولي لينا من غير خجل وتردد أنتِ مش عايزه “عزيز” بيه واوعي تخافي من حاجة.

قالتها “عايدة” بعدما جاورت “عزيز” زوجها بالجلوس ثم واصلت كلامها.

_ تأكدي إن عمرنا ما هنجبرك على حاجة ومتقلقيش من “عزيز” بيه عمره ما هيخلط شغلنا في الڤيلا هنا برفضك الجواز منه.

حاولت الكلام لكن خجلها منعها من إخبارهم بتلك المشاعر المبعثرة التي صارت تحتل عقلها وقلبها.

صمتها وتخضب وجنتيها بحمرة الخجل جعل “عزيز” و “عايدة” يتفهموا سبب ربكتها.

_ اطمني يا “ليلى”..”عزيز” بيه راجل جدع وشهم.

وهل هي كانت تحتاج لأن تسمع هذا الكلام من عمها، فلم تسقط في عشق هذا الرَجُل إلا بسبب خصاله الحميدة.
….

خرجت “زينب” من مركز اللغات بملامح مسترخية.

كانت السعادة تحتل وجهها بالكامل بعدما أجادت الشرح أمام مالك المعهد حتى يُقرر القرار الأخير في أمر انضمامها إلى صفوف المُدربين لديهم.

توقفت للحظات تأخذ نفسًا عميقًا وتستنشق الهواء الذي تراه مختلفًا اليوم رغم أن الجو كان كالمعتاد.

دست يدها في حقيبتها حتى تلتقط هاتفها وتزيل عنه خاصية الصامت وتهاتف جدها ثم “سما”.

مكالمات عِدة واردة كانت مسجلة على هاتفها، وقد أصابتها الدهشة من رؤية اسمه يحتل أكثر عددًا من المكالمات الواردة.

كادت أن تختار اسم جدها أولًا حتى تخبره بما فعلت لكن وجدت شاشة هاتفها تُضاء برقمه.

كان “صالح” يتحرك نحو سيارته حتى يستقلها ليجد المكالمة قد تم فتحها وأتاه صوتها أخيرًا.

_ “زينب”.

نطق اسمها بلهفة؛ فتساءَلت بقلق.

_ فيه حاجة حصلت، اصل اول ما شوفت التليفون لقيت مكالمات كتير منك.

ظنت أن هناك أمرًا قد حدث، فهي لم تتوقع كل تلك المكالمات منه.

تنهد “صالح” بعدما جلس خلف عجلة القيادة وبدأ في تشغيل سيارته.

_ مفيش حاجة حصلت متقلقيش.

زفرت أنفاسها براحة ثم أشارت نحو إحدى سيارات الأجرة.

_ أنا رايحة الڤيلا اجيب “يزيد”.

أسرع بالرد عليها وهو ينطلق بسيارته.

_ لأ أنا هروح اجيبه وكنت بتصل بيكي عشان اشوفك هتخلصي أمتي وكنت يعني..

عادت الكلمات تتوقف على طرف لسانه حتى يستطيع صِياغتها بحرص لكن الكلام كان يخرج منه غير مرتبًا.

ضمت حاجبيها في غرابة وقطعت كلامه.

_ أنا لسا مخلصه وكنت هروح اجيب “يزيد”.

_ إيه رأيك نخرج نتعشا بره إحتفالًا يعني بشغلك.

قالها أخيرًا، قال الشئ الذي تدرب عليه طِيلة النهار وقام بحجز طاولة لهم.

_ لو عايز تروح أنت و “يزيد” تمام، أنا هاكل أي حاجة سريعة في البيت عشان عندي حاجات مهمه عايزه اعملها.

أصابه رفضها بالضيق لكن فور أن اتضح له الأمر تلاشى ضيقه وتفهم.

_ عندي بكره أول سيشن ولازم استعد ليه كويس.

خرج الكلام منها بتلقائية، فهي الآن لا تفكر في شئ إلا أن تكون ناجحة وأن تخرج من تلك الشرنقة التي فرضتها الحياة عليها.

_ خلاص مش مشكلة هلغي الحجز…

كادت أن تنهي المكالمة لكن صوته جعلها تغلق جفنيها بقوة.

_ مبروك على قبولك في الشغل يا “زينب”.

اِنتهت المكالمة التي شتتها للحظة وأعادت إلى قلبها حُلم أسرع برفضه؛ وكأنه صار يرهب أي مشاعر تقوده لوجع لم يندمِل بعد.

تنهد “صالح” وهو يستكمل قيادته بتركيز، فعليه إعادة ما أضاعه بالصبر.

ذهب إلى الڤيلا وفور أن فتحت له الخادمة الباب استمع لحديث جده مع والدته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *