عمتي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
طول عمري كنت فاكرة إن عمتي هي اللي أنقذتني، لحد ما فتحت مطعم أبويا وأمي القديم، وبدأت الزباين القدامى يحكولي على اللي كانت بتعمله من ورايا في السر…
صحيت وأنا ضافري مغروزة في الملاية وزوري مقفول. في الحلم كنت راجعة طفلة عندها 13 سنة، واقفة قدام دار أيتام، وعمتي “ماجدة” بتقولي أبطَّل عياط عشان “محدش هينفخ في قفايا ولا يستحمل دلعي”. لما فتحت عيني، لقيت “عمرو” قاعد جنبي ومسكت إيدي.
— نفس الحلم تاني، صح؟
هزيت رأسي. كان عدى أكتر من عشرين سنة على وفاة أبويا وأمي، بس في ليالي معينة كنت لسه بتمشى في نفس الكابوس وبسمع صوت الباب وهو بيترزع ورايا.
أبويا وأمي، “هالة” و”حسن”، كان عندهم مطعم صغير في الحسين اسمه “الست أمينة”. مكنش مكان فخم، بس كان دايماً زحمة وعينك ما تشوف إلا النور. أمي كانت دايماً تقول إن المطبخ الشاطر مش بفرش الطرابيزات، المطبخ بيتعرف باللقمة اللي بتوحش بني آدم وهو بعيد عن بيته.
ماتوا هما الاتنين في حادثة عربية وأنا في إعدادي. عمتي ماجدة أخدتني عندها كام شهر. في الأول افتكرتها بتنقدني، بس بعدها بدأت تسألني عن الوصفات، وعن الموردين، وعن العلبة الحديد اللي كان أبويا بيشيل فيها الأوراق والمستندات. ولما قلتلها إن نفسي أفتح مطعم أبويا وأمي لما أكبر، معاملتها اتغيرت خالص.
في يوم الصبح أخدتني وودتني دار أيتام، وقالتلي إنها مش هتقدر تشيل همي أكتر من كده. وبعدها بسنين، عرفت إنها في نفس الوقت ده تقريباً، فتحت مطعم بأسماء قريبة أوي من اسم مطعم أبويا.
لفترة طويلة، فضلت قافلة السيرة دي ومببصش ورايا.
لحد ما قابلت عمرو.
هو اللي شجعني أرجع أقف في المطبخ تاني. بدأنا بنعمل أكل بيتي نبيعه دليفري، وقبل الكابوس ده بـ 5 سنين، أجرنا محل صغير في المعادي ورجعنا رفعنا يافطة “الست أمينة”. كنت بطبخ بالبركة وبسبق حواسي وذكرياتي، وعمرو كان بيسجل كل تجربة، كل جُرام، وكل غلطة بنقع فيها.
قدرنا نرجع تقريباً كل أكلات أمي وأبويا، ما عدا صنف واحد: شوربة كشك بيضاء بالكريمة وعين الجمل والفلفل الرومي المشوي كانت أمي بتقدمها مع الفراخ. مهما عملت، كان دايماً في طعم ناقص مش عارفة أوصل بياض سرّه.
في الصبح ده بالذات، كانت في صحفية اسمها “فريدة” جاية تعمل معانا حوار لمجلة أكل مشهورة.
— مش لازم تجيب سيرة عمتك خالص —عمرو قالها لي وأحنا بنفتح باب المحل—. اتكلمي عن أمك وأبوكي. المكان ده حقه وحقهم.
اللقاء طلع أحسن بكتير ملي كنت متوقعة. فريدة داقت الملوخية بالآرانب، والطاجن المكرونة بالبشاميل اللي غيّرنا فيه حاجات بسيطة عشان يناسب الذوق الجديد، وصوص الطماطم اللي فاكراه من وأنا عيلة. لما قلتلها إن نص المنيو ده طالع من ذاكرتي، حطت المعلقة على الطرابيزة.
— هو أنتِ معندكيش كتاب وصفات من بتوع زمان؟
— لأ. أمي وأبويا عمرهم ما كتبوا أكلهم في دفاتر. كانوا بيطبخوا بالبركة وبإحساسهم.
بعد شهر، المقال اتنشر وعمل ضجة كبيرة أكتر ما نتخيل. زباين زمان بتوع الحسين بدأوا يجولنا المعادي. فيه ناس كانت بتعيط لما تدوق الطعم وتفتكر زمان، وناس تانية كانت بتحكيلي حكايات أنا نفسي كنت نساياها.
ولحد ما دخل علينا عم “إبراهيم”، راجل بركة كان بيأكل في مطعم أبويا من قبل ما أتولد.
— يا بنتي، أنا فضلت سنين فاكر إن مطعم عمتك ده فرع تاني لمطعم أباكي.
جسمي قشعر ونزل عليا ثلج.
— هي كانت بتقول كده؟
— مكنتش بتقولها صريحة، بس مكنتش بتنكر. كانت حاطة نفس اللوجو، وتتكلم عن “أصل العيلة وتاريخنا”، وتسيب الناس تفهم إن أباكي هو اللي معلمها كل حاجة قبل ما يموت.
عم إبراهيم وطي صوته وقال:
— الأسبوع اللي فات كنت عندها في المحل، ولما جبت سيرتك وسيرة مطعمك، اتعفرتت وسابت العجين من إيدها. قالت إنك سرقتي الاسم منها وإنها جاية تقفل الشغلانة دي خالص.
عمرو جز على سنانه.
أنا افتكرتها تهديدات كلام وخلاص.
بعد أسبوعين، في عز زحمة الغدا، الباب اتزق بقوة تخض كل اللي قاعدين.
عرفتها من قبل ما تنطق بكلمة.
عمتي ماجدة رمت شنطتها على الكاونتر وبصلتي كأني لسه البنت العيلة اللي عندها 13 سنة.
— أدينا كبرنا وبقينا بنلعب دور أصحاب المطاعم.
صوت الشوك والسكاكين اختفى من الصالة.
عمرو طلع من المطبخ بسرعة.
— يا مدام، لو داخلة تاكلي تنورينا على طرابيزة. لو داخلة تعملي شوشرة، يبقى تتفضلي بره من غير كلام.
ضحكت ضحكة مكسورة.
— أنت بقى المحروس جوزها. ماشية بالمسطرة، ولقيت اللي يدافع عنك كمان.
وبعدين بصتلي تاني وقالت:
— أنا جاية في حاجة تهمك يا مريم. حاجة أبويكي وأمك سابوها وأنا شايلاها عندي طول السنين دي.
نفسي اتقطع.
— حاجة إيه؟
ابتسمت بشر وقالتي:
— كشكول الوصفات الأصلي بتاع “الست أمينة”.
وقبل ما تلف ودمشي، قالتلي:
— لو عايزاه، هتدفعي ثمنه كاش وزي ما أطلب.
شكراً إنكم كملتوا معايا لحد هنا 🙌📖 دي مجرد البداية… الجزء الثاني هتلاقوه في الكومنتات تحت 👇🔥 لو مش ظاهر، اضغطوا على “عرض كل التعليقات” 💬✨
لعدة ثواني مقدرتش أتحرك من مكاني. كشكول الوصفات اللي فضلت طول عمري بتمنى ألاقيه، يظهر فجأة في إيد نفس البني آدمة اللي رمتني وبردت قلبها مني وأنا طفلة.
عمرو أخدني من إيدي ودخلنا المكتب اللي جوه.
— أباكي وأمك عمرهم ما كتبوا أكلهم في دفاتر يا مريم —فكرني—. أنتِ بنفسك قلتي كده لفريدة.
— عارفة.
— يبقى في حاجة غلط ومش راكبة.
في الليلة دي اتصلت بعمتي. اتكلمت معاها بهدوء ونبرة ناعمة مكنتش حساها من جوايا:
— يا عمتي، يمكن أحنا الاتنين غلطنا في حق بعض على مدار السنين دي كلها. لو فعلاً معاكي حاجة من ريحة أمي وأبويا، أنا عايزة أشوفها.
نبرة صوتها اتغيرت في ثانية:
— كنت عارفة إنك في الآخر هتعقلي وتفهمي. أنا اللي ربيتك لما محدش رضي يشيل شيلتك.
الكلمة جرحتني وعلمت في قلبي، بس مسكت نفسي ومردتش.
— عايزة كام؟
— تعاليلي الأول المطعم عندي في شبرا، ونتكلم هناك.
المحل بتاعها كان في شبرا، وكانت حاطة نفس العلامة بتاعت مطعم أبويا على اليافطة. وقبل ما تقفل، قالتلي إن الكشكول ده هو “السر اللي خلي أكلها دايماً طالع على أصوله”.
الكلمة دي بالذات هي اللي خلت الشك ياكل في قلبي أكتير.
فريدة الصحفية كانت شغالـة تدور ورا الموضوع من بعد المقال. لقيت إعلانات قديمة عمتي كانت منزلاها بتوصف مطعمها إنه “امتداد لتاريخ العيلة اللي بدأ من عشرات السنين”. ولقيت كمان صور قديمة ظاهر فيها صواني، ونجف، وحتى اليافطة القديمة بتاعة أبويا وأمي.
لما حكيت لفريدة على موضوع الكشكول ده، سكتت شوية وقالتلي:
— لو هي موافقة تتكلم، أنا ممكن أجي معاكوا. مش عشان نعملها كمين، بس عشان أسجل كل حاجة هي بنفسها بتدعيها.
بعد خمس أيام، روحينا على مطعم عمتي ماجدة في وقت الروقان بتاعهم. عمرو دخل معايا، وفريدة وقفت قريب، معلقة كارنيه الصحافة ومجهزة كاميرا صغيرة متوافق عليها عشان الحوار.
عمتي استقبلتنا بابتسامة كلها غرور وتشفى:
— شوف سبحان الله. العيلة اللي مشيت مفيش في إيدها حاجة، جاية النهاردة تشتري تاريخها.
— أنا جاية أقفل الصفحة دي يا عمتي —رديت عليها—. مش أكثر.
طلعت من شنطتها كشكول كبير، ورقه مكسر ومصفر، وله غلاف بلاستيك.
— هو ده. أبوكي كان كاتب فيه كل فتوتة.
فتحته.
محسيتش بأي فرحة ولا انبهار.
حسيت باليقين.