عمتي حصري لصفحة روايات رولا
في أول صفحة كان مكتوب بخط إيد بقلم فلوماستر: “وصفات الست أمينة”. وتحتها رسمة نجمة معوجة، وفي الزاوية الحرفين بتوع اسمي: م. ح.
النجمة دي أنا اللي كنت راسماها بخط إيدي وأنا عندي اثنا عشر سنة.
قلبت في الصفحات. كانت كلها مقادير مش كاملة، وكلمات مكتوبة بالحروف الغلط، وملاحظات طفولية زي “أسأل ماما هي الشوربة بتقعد قد إيه على النار”.
رفعت عيني وبصيتلها:
— يا عمتي… الكشكول ده بتاعي أنا.
الابتسامة اختفت من على وشها:
— بلاش هبل وكلام فارغ.
— ده كشكول مدرستي في إعدادي. كنت بحاول أخمن فيه أكل أمي وأبويا عشان هما عمرهم ما كتبوا أكلهم في دفاتر.
عمرو قرّب الكشكول من فريدة:
— اتفضلي، دي حتى تاريخ واجب المدرسة مكتوب فوق.
فريدة بصت لعمتي ماجدة وقالت:
— يا مدام، أنتِ قلتيلي قبل التسجيل إن ده كشكول الوصفات الأصلي بتاع والد مريم ووالدتها. مصرة على الكلام ده؟
وش عمتي أحمرّ وجاب ألوان:
— يعني… أصلي أصلي… هو ورق من أيامهم وخلاص.
— واستخدمتيه عشان تعملي بيه منيو مطعمك؟
ضربت بايدها على الطرابيزة بعصبية:
— أنا اللي وقفت المحل ده على رجليه بطولي!
— طب وليه سيبتي الناس طول السنين دي فاكرة إن مطعمك فرع من مطعم “الست أمينة” الأصلي؟ —فريدة سألتها.
عمتي لفتلي وقالت بغل:
— أنتِ مرتبة كل حاجة ومخططة للكمين ده!
أخدت نفس ببطء وقلت:
— لا. أنا جيت عشان أسمع الحقيقة بس.
فريدة فتحت دوسيه معاها وقالت:
— برضه كنت عايزة أسألك عن الورث والممتلكات اللي سابها حسن وهالة بعد الحادثة. في سجلات قديمة للمحل، ومعدات المطبخ، ودفتر توفير باسم مريم.
عمتي اتسمرت مكانها ومأنطقتش.
عمرو بصلي وهو متفاجئ.
أنا مكنتش أعرف أي حاجة عن دفتر التوفير ده.
— الفلوس دي اتصرفت عليها وعلى أكلها وشربها! —عمتي قالتها وهي بتهته.
— بس مريم راحت دار الأيتام بعد الحادثة بكام شهر بس —فريدة ردت بثبات—. تقدري توضحي بقية الفلوس اتصرفت في إيه؟
عمتي مكنش باين عليها الغضب خلاص.
كان باين عليها الخوف.
وفجأة صرخت وقالت كلمة غيرت كل حاجة:
— كان من حقي! لو مكنتش أخدت الفلوس دي، المطعم كان هيروح ويتخرب بيته!
وفي اللحظة دي بالذات فهمت إن الكشكول المزيف ده كان مجرد قشور للي حصل زمان.
لو كنتوا مكاني وسمعتوا الاعتراف ده، كنتم هتعملوا إيه؟ قولولي في الكومنتات، لأن اللي اكتشفناه بعد كده غير كل حاجة.
يتبع في التعليقات 👇👇👇
خرجت من مطعم عمتي ورجلي مش شيلاني وبتترعش. عمرو كان عايز ياخدني في حضنه، بس رفعت إيدي وقلتله:
— اديني دقيقة بس.
مكنتش فرحانة، ولا حاسة بالانتصار اللي كنت بتخيله زمان لما فكرت إني أعرف الحقيقة.
كنت حاسة بحزن وتقلت في قلبي.
لأن جزء مني كان لسه عايز يصدق إن عمتي ماجدة رغم إنها رمتني، يمكن كانت شالت حاجة من ريحة أمي وأبويا عشان بتحبهم.
بس مطلعش كده خالص.
على مدار الأسابيع اللي بعد كده، قعدنا نراجع الورق والمستندات مع محامي. مفرشناش الملاية ولا عملنا هيصة. فريدة نشرت بس اللي أقدر أثبته بالورق والقانون: الإعلانات اللي كانت بتضلل الناس، أصل الاسم واللوجو، كشكول المدرسة اللي كانت بتدعي إنه كشكول الوصفات، وتاريخ مطعم “الست أمينة” زي ما تحكيه وتأكده الزباين القدامى.
التقرير اتنشر وعمل تأثير سريع جداً.
الناس اللي كانت بتأكل عندها في شبرا لسنين بدأوا يحكوا نفس الكلام: كانوا فاكرين إن المكان فرع تاني ومترخص. فيه ناس كانت فاكرة لما تقول “دي وصفة أخويا الله يرحمه” إن عندها إذن وموافقة تشغلها.
بس المفاجأة الكبيرة مكنتش من النت ولا الصحافة.
كانت من عم إبراهيم.
جاء في يوم بعد الظهر ومعه صورة قديمة أوي.
— بصي يا مريم أنا لقيت إيه.
في الصورة كان أبويا شايل صناديق قدام المطعم القديم في الحسين، ووراه يافطة الموردين، وعلى الطرابيزة كاسات وصواني فيها عين جمل وكاجو وهندي.
فضلت باصة للصورة ومذهولة.
— عمرو…
هو فهم على طول.
لسنين طويلة كنا بنحاول نعمل الشوربة بالعين الجمل العادي، أو اللوز، أو أكسسوارات مكسرات تانية. عمرنا ما جربنا الكاجو المحمص.
في نفس الليلة عملنا التجربة.
لما دقّت الصوص، قعدت على الكرسي ومقدرتش أقف.
مكنتش مطابقة 100% لبتاعت أمي، أصل مفيش ذكريات بتتعاد بالحرف، بس كان فيها نفس النعومة، ونفس الطعم المسكر الخفيف، والريحة اللي قضيت نص عمري بأدور عليها.
عيطت قدام البوتاجاز.
عمرو مقالش ولا كلمة، حط المعلقة جنبي وسابني براحتي.
في نفس الوقت، المحامي أكدلي حاجة أصعب: بعد وفاة أمي وأبويا، عمتي أدارت أملاك كان المفروض تتحفظ ليا. جزء منها اتصرف بالقانون على المعيشة، بس في جزء تاني ملهوش أي إثبات أو مبرر. كانت بايعة معدات المطبخ، وأخدت فلوس من المحل، وحولتها لحساباتها الخاصة.
مكنش كل حاجة ينفع ترجع بعد السنين دي كلها.
ده غظني وحرق دمي.
— أنا عايزة أخد منها كل مليم، وأخليها تدفع التمن! —قلت للمحامي.
شرحلي إيه اللي ينفع نطالب بيه بالحق، وإيه اللي هيكون صعب إثباته وهياخد سنين في المحاكم.
في الليلة دي، عمرو سألني سؤال بسيط بس كان في الجون:
— أنتِ عايزة حقك وتعيشي حياتك، ولا عايزة تقضي العشر سنين الجايين من عمرك محبوسة في دواير مع عمتك؟
السؤال سكتني وخلاني أفكر.
تاني يوم قررت أطالب باللي أقدر أثبته بس: الاستغلال التجاري للاسم واللوجو، الحاجات والمعدات اللي ليها إثبات، والجزء المالي اللي أتقيد في دفاتر التوفير وأنا قاصر. مش عايزة حاجة تانية.
مكنتش عايزة أسيبها تطلع بالغنيمة من غير حساب، بس في نفس الوقت مكنتش عايزة أسيبها تفضل محتلة تفكيري وحياتي.
عمتي وافقت في الآخر على التسوية لأن الورق بتاعها كان يدينها ويوديها في داهية. تنازلت عن استخدام اسم “الست أمينة” واللوجو تماماً، وسلمت كراتين قديمة كانت شايلاها في مخزن، ووافقت ترجع جزء من الفلوس من بيع محل صغير كانت اشتريته زمان.
ومطعمها اتقفل بعد كذا شهر.
أنا مفرحتش ولا احتفلت.
اللي فاكراه كويس هو اليوم اللي وصلت فيه الكراتين.
كان فيها مفارش قديمة، صور، ميزان مصدي، طبقين صيني، ودفتر حسابات بتاع أبويا.
فتحته وأنا مش مستنية حاجة.
بين آخر صفحات لقيت ظرف مقفول مكتوب عليه اسمي.
الخط كان خط أمي.
قعدت على الأرض في المكتب.
“مريم”، كانت كاتبة: “لو بقيتي بتقرأي الكلام ده في يوم من الأيام، فغالباً أنتِ كبرتي وخلاص بقيتي قادرة تقرري عايزة تعملي إيه بحياتك. لو اخترتي المطبخ، متصممدش تبقي شبهنا بالضبط. اعملي حاجتك وبصمتك أنتِ. الوصفات بتتغير وبتتطور، بس النفس والحب اللي بتأكلي بيه الناس هو ده اللي بيعيش ويفضل”.
وتحت، أبويا كان كاتب سطر بخطه:
“ولو غلطي في صوص أو بوظتي أكلة، اعزمي حد بتحبيه يدوق معاكي وتصلحوها سوا”.
مقدرتش أكمل قراءة بصوت عالٍ.
عمرو قعد جنبي وعيطت في حضنه بكاء ميعطتوش من وأنا عندي 13 سنة.
الحاجة دي هي اللي رجعتلي أهلي بجد.
مش الفلوس.
ولا الاسم.
ولا قفلة مطعم عمتي.
جواب صغير.
بعدها بشهور، أضفنا الصنف ده في المنيو في “الست أمينة”، وسميناه “شوربة هالة” على اسم أمي. مقلناش إنها نفس الوصفة بالضبط، لأنها مكنتش كده. كانت النسخة بتاعتنا، المولودة من ذكريات، وصورة قديمة، وسنين من المحاولات أنا وعمرو سوا.
تقرير فريدة جاب ناس كتير للمطعم في الأول، بس مع الوقت الزحمة بقت طبيعية والحياة رجعت لمسارها. وده عجبني جداً. مكنتش عايزة أعيش عمري في دور “البنت الضحية اللي عمتها ضحكت عليها”، كنت عايزة أكون الست اللي بتطبخ بنفس بحب في مطعم “الست أمينة”.
عمتي معرفتش عنها كتير بعد كده.
سمعت إنها حاولت تفتح مشروع تاني بفلوس استلفتها، ووضعت نفسها في مشاكل ووعود مقتدرتش توفي بيها، وانتهى بيها المطاف في قضايا وأوراق مزورة عشان تاخد تمويل. الموضوع ده مكنش لي أي علاقة بيه خلاص.
لما عرفت، محسيتش بشماتة.
فكرت بس إن فيه ناس بتعتبر كل فرصة تانية إذن ليها عشان تكرر نفس الأخطاء.
بعد سنة من الموضوع ده، كنا لسه بالأقساط بناخد جزء من فلوس التسوية. مجمعتش كل اللي كان لأمي وأبويا، وغالباً عمره ما هيرجع كامل.
بس رجعت حاجة كنت فاكرة إني خسرتها للأبد: إني أفتكر طفولتي وأمي وأبويا من غير ما أحس إن باب دار الأيتام لسه بيترزع ورايا.
ساعات لسه بحلم باليوم ده.
بس الفرق إن الحلم مبقاش بينتهي وأنا وافقة لوحدي في الشارع.
في دماغي بقيت بشوف مطعم “الست أمينة”، وبسمع عمرو وهو بيتخانق مع حلة على النار، وبشوف أمي بتضحك وأبويا بيقولي ادوق الصوص تاني.
وبعدها بصحى.
في صباح يوم من الأيام، بعد حلم من دول، عمرو سألني:
— كان كابوس؟
فكرت ثواني وقلتله:
— لأ. المرة دي لا.
نزلنا سوا المطعم. وقبل ما نفتح الباب للزبائن، حطيت جواب أمي وأبويا في برقع بسيط جوه المكتب، مش في صالة الأكل. مكنتش محتاجة الزباين يعرفوا كل تفاصيل وجعي.
كنت محتاجة بس أفتكر أنا واقفة هنا ليه.
عمتي أخدت مني سنين، وفلوس، وذكريات. بس مقدرتش تاخد اللي أمي وأبويا علموهوني، ولا الحياة اللي بنيتها بعدهم.
وده في الآخر، كان أهم وأكبر من أي انتقام.
لو كنتم مكاني، كنتم هتفضلوا وراها لحد آخر مليم، ولا كنتم هتكتفوا بالحق اللي يرجع ويريح بالكم وتكملوا حياتكم؟
شاركوني رأيكم في التعليقات 👇✨