امك وابوكي حصري لصفحة روايات رولا

—أبوكي وأمك مش هيحضروا عيد ميلادي. مع قرايبنا اللي جايين من ألمانيا، مش هينفع أقعد ناس من الأرياف على نفس الترابيزة.
​حماتي، سوسن، قالت الجملة دي بمنتهى البرود والهدوء اللي في الدنيا.. هدوء يسَمّ الدّم.
​ومستنيتش حتى أرد عليها.. راحت قافلة في وشي السكة.
​وقفت مذهولة وبصيت على شاشة الموبايل، وبعدها بصيت لجوزي، سامح، اللي كان عامل نفسه متعمق ومندمج أوي في ماتش شغال من غير صوت على التلفزيون.
​—أنت سمعت أمك قالت إيه؟
​سامح اتنهد بصوت عالٍ وقال وهو بيهرب بعينه:
—يا مريم، أنتِ عارفة أمي وطبعها.. الست كبرت وبتقفل ستين سنة، ومضغوطة. وبعدين خالتو ماجدة وجوزها وابنها جايين مخصوص من ميونخ، وأمي عاوزة ترفع رأسها قدامهم وتبان بمظهر كويس.
​—وترفع رأسها قدامهم بأنها تقلل من أهلي وتكسر نفسي ونفسهم؟
​ماعرفش يرد، ولف وشه الناحية الثانية.
​أنا أهلي عايشين في قرية بسيطة في الفيوم. بابا، عم سيد، عنده أرض زراعية صغيرة بيزرع فيها خير ربنا، وأمي، الحاجة فاطمة، كانت مدرسة ابتدائي وطلعت معاش بعد ثلاثين سنة خدمة.
​ناس محترمين وبسطاء، مش أغنية ولا معاهم ملايين، بس مش جهلة ولا يستاهلوا التعالي ده.
​والغريب بقى إن سوسن هانم عمرها ما شافتهم “بتوع أرياف” لما كانت الزكائب والقفف توصل لحد باب بيتها! الجبن القريش، والبيض البلدي، والفطير المشلتت، والفاكهة الطازة، والطيور اللي أهلي بيتبلوها ويبعتوها أول بأول كل ما هي تشتكي إن الأسعار نار والحياة صعبة. وقت الأكل والخير، أهلي كانوا على رأسها من فوق!
​قبل المناسبة بأسبوعين، شرفت سوسن عندنا في الشقة ومسكانا بنوتة صغيرة مكتوب فيها طلبات أسطورية.
​كانت عاوزة تعمل حفل عيد ميلادها الستين في قاعة فخمة في التجمع الخامس، لثلاثين فرد، ببوفيه مفتوح، ومقبلات فاخرة، وأطباق سي فود ولحوم، وتورتة ثلاث أدوار، وترابيزات تتزين بطريقة، على حد قولها، “تخلي الكل يتكلم عنها طول السنة”.
​أنا أساسًا شغالة مسؤولة تنظيم حفلات في شركة مطاعم كبيرة، فتحسبت الحسبة في دماغي في ثواني.
​—يا طنط، الطلبات دي كلها بالمكان والتجهيزات هتدخلها في حوالي أربعة وخمسين ألف جنيه.
​سوسن شهقت وكان حيطير عقلها:
—أنتِ اتجننتِ ولا إيه؟! أنا كل اللي معايا ثمانية عشر ألف جنيه بالعافية!
​سامح دخل في الموضوع وفضل يزن عليا طول الليل:
—معلش يا مريم، ساعديها.. دي ليلة مش هتتكرر وأمي نفستها في الفرحة دي.
​—واستلفلك منين يعني يا سامح؟ أجيب منين ستة وثلاثين ألف جنيه؟
​—أنتِ معاكِ الجمعية والمبلغ اللي شايلاد على جنب.
​دي كانت الجملة اللي أقنعتني، وللأسف بكتفي حاليًا لما بفتكر إني وافقت.
​أنا كنت بشيل القرش على القرش بقالي شهور عشان أغيّر عربيتي المتهالكة. بس طلعت الستة وثلاثين ألف جنيه من حسابي، وحطيتهم فوق مبلغها عشان القاعة والبوفيه يكملوا.
​ما اتمنيتش على حد، ولا طلبت شكورة من حد، ولا حتى اتكلمت.. كنت بس عاوزة أشتري دماغي وأعدي الليلة على خير وأفرّح جوزي.
​وفي الآخر، قبل العزومة بيومين اثنين، الست اللي أنا دافعة أكتر من نص مصاريف حفلتها، قررت إن أهلي مش من “المستوى” اللي يقعد مع ضيوفها!
​سامح قرب مني بابتسامة باهطة وقال:
—خلاص يا مريم، عادي.. بعد الحفلة نبقى نطلع أنا وأنتِ الفيوم نجيب لتانت وعمو تورتاية ونقعد معاهم يومين.
​بصيتله من فوق لتحت بجمود وقلتله:
—مفيش داعي.
​مسكت شنطتي، ونزلت فورًا.
​طلعت على القاعة والمطعم اللي حجزنا فيه في التجمع. دخلت للأستاذ مصطفى، مدير المحل، وكان قاعد بيراجع طلبات الموردين.
​—أستاذ مصطفى، أنا محتاجة أعدل ميزانية الحفلة بتاعة يوم السبت.
​—تعدلي إيه يا أستاذة مريم؟ خير؟
​طلعت العقد وكتبت عليه:
—اسحب الستة وثلاثين ألف بتوعي من الحساب.
​مصطفى بصلي باستغراب وهو مش فاهم:
—والحفلة؟ العزومة هتلغى؟
​—لا، هتتعمل في ميعادها عادي جداً.
​—بس يا أستاذة، بـ ثمانية عشر ألف جنيه لـ ثلاثين فرد، مستحيل أطلع المنيو اللي اتفقتوا عليه! ده لا هينفع سي فود ولا لحوم ولا التورتة ولا حتى ديكور الورد!
​ابتسمت له ابتسامة هادية وقلتله:
—يبقى تنزلهم بالظبط باللي تكفيه الثمانية عشر ألف جنيه. على أد فلوسها اعمل الخدمة. ولا مليم زيادة من جيبي.
​مصطفى سكت شوية، يبدو إنه فهم التفاصيل من غير ما أتكلم، وفتح الكمبيوتر وقال:
—تمام.. كده إحنا هنغير كل حاجة تقريبًا في المنيو والبوفيه.
​—غير كل حاجة، واعمل الواجب وزيادة.
​في نفس اليوم بالليل، الستة وثلاثين ألف جنيه رجعوا لحسابي في البنك.
​وسوسن هانم كانت نايمة ومرتاحة، فاكرة إن يوم السبت حتروح تلاقي بوفيه الملوك والأمراء اللي مدفعتش فيه ملليم.
​اللي حصل يوم الحفلة بقى… حاجة ما تخطرش على بال بشر!
—تليفوني رن، وكان اسم سوسن طالع على الشاشة في نفس اللحظة اللي بابا كان بيحط فيها صينية كباب وكفتة طالعين من على الفحم سخنين نار على الترابيزة.
​رديت بمنتهى الهدوء:
—كل سنة وحضرتك طيبة يا طنط.
​جالي صوتها من الناحية الثانية وهي بتصرخ من قهرتها ومغلولة:
—أنتِ عملتِ إيه يا مريم؟! إيه القرف والمهزلة اللي اتخدمت في الحفلة دي؟! ماجدة وميخائيل ولادها قاعدين بيتريقوا عليا وقالبينها مسخرة قدام الكل!
​بصيت لترابيزة أهلي.. كانت مليانة خير: عيش بلدي طالع من الفرن، سلطة خضرا، طحينة، بابا غنوج، ممبار، كفتة ولحمة مشوية، وجرّة عصير قصب وسوبيا متلجة.
​—أنا ما عملتش حاجة يا طنط.. أنا اتعاملت بالميزانية اللي أنتِ دفعتيها بالظبط.
​—أنتِ وعدتيني تعمليلي حفلة تفرحني قدام الناس وتشرفني!
​—وأنا عملت حساباتي على أربعة وخمسين ألف جنيه.. أنتِ دفعتِ ثمانية عشر، وأنا دفعت ستة وثلاثين.
​السكة سكتت خالص من الناحية الثانية، وبعدين قالت بصوت مبحوح:
—بس أنتِ كنتِ قايلة إن الفلوس دي اتدفعت خلاص للقاعة!
​—ده كان لما كنت فاكرة إن أهل جوزي محترمين وبيقدروا.. لكن لما تمنعي الناس اللي ربوني، وعلموني، وشقوا عليا، من إنهم يقعدوا على ترابيزة اتدفعت أتربتها من فلوس بنتهم، يبقى الفلوس دي أهلي أولى بيها.
​—أنتِ بتخلطي الأمور ببعضها!
​ضحكت ببرود:
—أنتِ اللي بَدأتِ الخلط يا طنط.. أنتِ اللي استكبرتِ عليهم وميزتِ بين الناس.
​—أنا بكمل ستين سنة يا مريم! بوظتِ عليا يوم مش هيتكرر في عمري تاني!
​—وأنتِ أردتِ تكسري أهلي عشان شو ومظاهر أنتِ أصلاً مش قدها ولا معاكي ثمنها.
​قالت وهي بتنهج من الغيظ:
—أنتِ واحدة حقودة وسافلة!
​—لا يا طنط.. أنا بس خليتك تعيشي الحفلة اللي على قد جيبك بالظبط.
​وقفلت السكة في وشها.
​بابا رفع كاس عصير القصب وابتسم:
—هو العرض خلص ولا لسة فيه بقية؟
​—ده تقريبًا كده لسة بيسخن يا بابا.
​وفعلاً، ما عدتش ثلث ساعة إلا وسوسن طاردة سامح من القاعة وهي بتصرخ فيه:
—روحتلهم! روح لمرتك وخليها تبعت فلوس فورًا أو تطلب أكل نضيف أنقذ بيا منظري قدام قرايب ألمانيا!
​سامح ما كانش معاه كاش، ولا حتى كارت البنك.. طول عمره متعود إن فيه حد بيشيل عنه: زمان أمه، ودلوقتي أنا.
​أخد عربية وركب وسافر على الفيوم.
​بعد ساعة تقريبًا، سمعنا صوت الباب الخارجي بتاع البيت بيتفتح. سامح دخل الجردينة، بدلت القميص مفتوحة، وعرقان، ووشه أصفر من الكسوف والتوتر.
​ريحة المشويات كانت مالية المكان.
​—مريم..
​ما حدش رد عليه.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *