امك وابوكي حصري لصفحة روايات رولا
—مريم، محتاجين نتكلم ضروري.
أمي كانت بتكمل تقطيع تورتة المانجو اللي عملتها بإيديها، وبابا كان بيرتب أطباق الأكل، وأنا كنت بشرب القصب بمنتهى الهدوء.
سامح قرب وقال بصوت واطي:
—أمي منهارة وبتموت هناك يا مريم.
—يا خسارة.
—والناس والضيوف متضايقين جدًا والأكل مفيش حد عارف يأكله.
—برضه يا خسارة.
—أنتِ إزاي بتتعاملي بالبرود ده؟! دي أمي!
بابا حط مسكة الفحم على جنب، وبص لسامح بنظرة تقيلة:
—يا بني، خلي بالك من الكلام اللي بطلعه من بقك.
سامح رفع إيده بسرعة:
—يا عم سيد، أنا مش جاي أتخانق والله..
—يبقى ما تتكلمش مع بنتي بالأسلوب ده بعد ما وقفت تتفرج وأمك بتهينها وبتهيننا وتتعالى علينا!
سامح نزل عينه في الأرض:
—أمي بالغت يا عم سيد، أنا عارف..
—لا يا سامح —رديت أنا— أمك ما بالغتِش.. أمك كانت واضحة جداً. قالت: “أهلك بتوع أرياف وما ينفعش يقعدوا مع قرايبنا بتوع ألمانيا”.. وأنت كنت واقف جنبها وساكت.
—أنا كنت بحاول أعدي الليلة وما أعملش مشكلة!
—كنت بتعدي المشكلة مع أمك على حسابي أنا.. كنت عارف إن مريم هتبلع وتعدي كالعادة.
سامح بص لأطباق اللحمة المشوية، وبطنه طلعت صوت جوع واضح.. حاول يلطف الجو وابتسم ابتسامة باهتة:
—طب.. ينفع نقعد نأكل ونحكي؟
ومد إيده ياخد رغيف عيش.
بابا شد سبت العيش من قدامه ورفعه بعيد.
—لا.
سامح اتصدم:
—يعني إيه لا؟
—نفس القواعد اللي أمك مشيت بيها.. الأكل ده بتاعنا، وإحنا بنقعد على ترابيزتنا اللي بيحترمنا بس.
وش سامح احمرّ من الكسوف:
—بس أنا جوز بنتك يا عم سيد!
—وأحنا كنا أهل مرتك الصبح، وما فرقتش مع حد.
أمي تدخلت بتهدئة:
—خلاص يا سيد، سيبه يكمل كلامه.
سامح بصلي وقال:
—مريم، أنا جيت عشان نحلها.. إحنا متجوزين.
—فعلاً.. وعشان إحنا متجوزين، أنا بقالي سبع سنين بحل مشاكل أنت بتهرب منها.
الموقف ده فتح دفاتري القديمة كلها.. الحكاية ما كانتش حكاية عيد ميلاد ولا سمك ورخيص!
سبع سنين وأنا بلع وبسامح. لما سوسن تطب علينا فجأة، أنا اللي أقف أطبخ. لما تنتقد بيتي ولبسي، أبتسم. لما تقول إن شغلي واخدني من جوزي، سامح يقولي: “كبري مخك يا مريم، دي ست كبيرة”.
لما تحتاج فلوس لتصليح الشقة، ندفع. لما تحب تغير موبايلها، سامح يطلب مني “ضغط مصاريف”.
اكتشفت إن في الجوازة دي، الشخص الوحيد اللي ملوش حق يزعل أو يترد له كرامته.. هو أنا.
—عارف إيه اللي وجعني بجد يا سامح؟ —قلتله بصوت هادي— مش كلام أمك.. اللي وجعني إني بصيت عليك لقيتك حاطط عينك في الموبايل وبتتفرج على فيديوهات عشان ما تفتحش بقك وتدافع عني.
—كنتِ عاوزاني أعمل إيه يعني؟! أصرخ في أمي؟!
—كنت عاوزاك تقول كلمة واحدة: “يا أمي، دول أهل مراتي وما أسمحلكيش تتكلمي عنهم كده”.. أو حتى تقوم وتاخدني وتخرج معايا!
سكت وما عرفش يرد.
بابا قام وقف وقال:
—فيه سوبر ماركت ومحل مشويات على بعد عشر دقائق مشي من هنا.
سامح بص له باستغراب:
—ليه؟
—عشان أنت بتقول إنك جعان.. انزل اشترِ الأكل اللي يعجبك وتعالى سخنه هنا، لكن مش هتعدي على أهلي بقلة قيمة وبعدين تقعد تأكل من خيرهم.
سامح بصلي يترجاني أتدخل.. أنا درت وشي وسبته.
خرج ورجع بعد نص ساعة شايل شنطة فيها أكل وشوكولاتة، وقعد أكل على ترابيزة ثانية لوحده في سكوت. ما حدش أهانه، بس ما حدش شال عنه أحساس الخزي.
تاني يوم رجعت شقتي في القاهرة لوحدي.. سامح كان بايت عند أمه.
لقيت ١٧ مكالمة فائتة من سوسن، ورسايل كلها شتائم واتهامات إني “خرابة بيوت” وإن “الست الأصيلة ما تفضحش جوزها وأمه”.
ما رديتش إلا على رسالة واحدة لما قالت: “سامح لازم يفكر كويساً قبل ما يكمل مع واحدة حاقدة زيك”.
كتبتلها: “أنا متفقة معاكي جدًا يا طنط.. سامح فعلاً محتاج يفكر كويس أوي هو عاوز يكمل حياته إزاي”.
بعدها بربع ساعة، سامح جالي البيت، وقعد قدامي وقال:
—أمي عاوزاكي تعتذري لها.
ضحكت بصوت عالٍ من كتر شر البلية:
—أعتذر لها على إيه؟
—بتقول كان ممكن تسحبي فلوسك من غير ما تبهدلي المنيو والبوفيه قدام قرايبنا.
—ومين كان هيدفع الفرق؟ أنت؟ ولا هي؟
سكت وما ردش.
طلعت له دوسيه فيه كل إيصالات وفواتير السنين اللي فاتت:
—١٨ ألف جنيه لتصليح مطبخ أمك.. ٩ آلاف لموبايلها.. ١٢ ألف لسداد كارت البنك بتاعها.. ٦ آلاف لنظارتها.. ٧٠ ألف جنيه في ثلاث سنين يا سامح! لما تكون هي محتاجة حاجة، فلوسنا بتبقى ملكية عامة، ولما ييجي دور أهلي في الاحترام، تبقوا ناس من الأرياف وما ينفعش يقعدوا معاكم؟!
سامح حط إيده على وشه وبدأ يعيط.. دموع قلة حيلة:
—أنا مش عارف أحط لها حدود يا مريم.. بخاف تزعل مني.
—يبقى تتعلم.. لأن أنا مش هقبل أكون بني آدمة رخيصة عشان أنت تبان ابن بار على حسابي.
المرادي سامح ما راحش لأمه.. راح بات عند واحد صاحبه.
القصة اتعرفت في العيلة، ولما قرايبهم عرفوا إن سوسن هي اللي دفعت ١٨ ألف بس وعاوزة بوفيه ملوكي بـ ٥٤ ألف من جيب مرام ابنها، الموازين اتقلبت عليها.
حتى خالتهم ماجدة بتاعة ألمانيا بعتتلي مسج قالتلي فيها: “يا مريم أنا ما كنتش اعرف إن أهلك اتمنعوا يجوا.. لو كنت اعرف ما كنتش حضرت أصلاً”.
بعد ست شهور كاملة، سوسن جمدت قلبها وجات زارتنا في بيت أهلي في الفيوم في عيد ميلادي.. كانت جايبة معاها علبة شيكولاتة.
وقفت قدام بابا وقالت بصوت واطي:
—أنا آسفة يا حاج سيد.. أنا اتصرفت بغرور.
بابا بص لها وابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
—حصل خير يا أم سامح.. البيت بيتك، اتفضلي.
ما عملناش أحضان ولا دراما، بس الرسالة كانت وصلت للكل..
سامح اتعلم الدرس، وأنا اتعلمت إن المحافظة على كرامة أهلي أهم ألف مرة من شراء خاطر ناس ما بيطمرش فيها.. والفلوس تعمل حفلة وتشتري أكابر، بس عمرها ما تشتري أصل ولا تربية.