حماتي وقعتني حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
حماتي زقتني ووقعت على أرضية الصالون الرخام بكل قوتي، وقبل ما أستوعب اللي حصل لقيتها بتشاور عليّ بصباعها وبتزعق: “قومي استغفري ربنا واعتذري على قلة أدبك! إنتِ نسيتي مين الكبيرة ومين صاحب الكلمة في البيت ده؟”
​الصالون المترامي الأطراف أتسحب منه الهوا وفجأة كل حاجة سكتت.
​حدعشر واحد كانوا قاعدين حوليين سفة الأكل الكبيرة بيتفرجوا عليا—جوزي حسام، أخته، واثنين من أعمامه، وثلاثة من ولاد عمومته، والست اللي بقالها أربع سنين بتتعامل مع مرتب الشغل بتاعي وكأنه ورث ورثته عن أهلها.
​سوسن هانم كانت واقفة فوق دماغي ولابسة عباية حرير من التوكيل الفلاني، ثمنها يتعدى مرتب موظف في شهرين.
​”مرات الابن تطيع وما تفتحش بقها!” قالتها بصوت يرن في السقف.
​ركبي كانت بتوجعني أوي من أثر الوقعة على الرخام.
​حسام جوزي كان باصص في الأرض ومش رافع عينه.
​اللقطة دي بالذات كانت بتوجع أكتر من الوقعة نفسها.
​قبل السيرك ده بساعة واحدة، سوسن هانم كانت واقفة وبتقولي بكل جفاء إنها عايزة الباسورد ورقم الحساب البنكي اللي بينزل عليه مرتب الشركة بتاعي.
​مش بتستأذن ولا بتطلب بأدب.
​دي بتأمر.
​”إنتِ خلاص بقيتي على ذمة راجل، ومافيش حاجة اسمها فلوسك ولوحدك وذمة مالية مستقلة والعبط ده، كل الفلوس بتنزل في الحساب الكبير وأنا اللي أدير البيت.”
​رديت عليها بهدوء يسابق العاصفة: “مرتبي ده شقايا وتعتبي ومحدش ليه كلمة عليه، مش تكية عشان أمك تحط إيدها عليه يا حسام.”
​حسام قرب مني ووطى صوته يهمسلي: “يا إيناس وحياة أهلك هدي اللعب وإديها اللي هي عايزاه، أمي هي اللي بتدير مصاريف العيلة كلها وتظبط الميزانية.”
​الكلمة دي كانت ضحك كعابيل والله!
​سوسن هانم ماكانتش بتدير مصاريف ولا تنيل.
​أنا اللي كنت بدير كل حاجة.
​في السر.
​وبدون هيصة.
​بقالي ثلاث سنين كاملين.
​لما حمايا الله يرحمه توفى، ساب وراه شوية عقارات ومحلات متداعية ومتحفظ عليها، وفيلات عليها أقساط ومتأخرات، وقروض من البنوك وضرائب مجمعة، وديون تكفي إنها تسحب منهم السجاد من تحت رجليهم وتنهي العز والمظاهر اللي سوسن هانم عايشة فيها في التجمع.
​أنا شغالة مديرة إعادة هيكلة مالية واستشارات شركاء في أكبر شركة استثمار في البلد.
​ولما حسام جالي زمان وهو بيبكي وبيترجاني أنقذ اسم عيلته من الإفلاس والفضيحة، ما قصرتش.
​جدولت الديون مع البنوك.
​عملت تسويات على الأقساط.
​سددت الضرائب المتأخرة.
​دفعت مصاريف التأمين للسيارات.
​حتى فيلا التجمع اللي كنا قاعدين فيها وبنتخانق جواها دي، أنا اللي عملت صندوق طوارئ من حسابي الخاص عشان أضمن إن أقساطها تتسدد وما تتباعش في مزاد علني.
​وهي كانت ماشية وسط قرايبها وعيلتها تتباهى وتقول “حسام ابني هو اللي شال البيت ورجع عز أبوه!”
​وأنا كنت ساكته ومعدية الموضوع وبقول يلا عشان جوزي وعيلته.
​لحد الليلة دي.
​سوسن هانم قربت مني أكتر وقالت بصوت جوهري: “انطقي! قولي آسفة قدام الكل!”
​بصيت لحسام وقلت له بكسرة: “إنت ساكت ليه؟ مش هتقول حاجة؟ مش هتقول مين اللي شايل البيت ده؟”
​حسام فكه اتشنج ووشه احمر، بس قال بصوت واطي: “إيناس… أرجوكي ما تكبريش الموضوع أكتر من كده، عدي الليلة.”
​في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا اتكسرت، وحاجة تانية ماتت خالص.
​سوسن هانم ابتسمت ابتسامة نصر، فاكرة إن السكوت ده معناه إني خلاص اتكسرت وسسلمت.
​قمت بالراحة، وقفت على حيلي، وسويت هدومي.
​وبعدين ابتسمت ابتسامة أبرد من التلج.
​”تمام… أوي.”
​سوسن هانم رفعت راسها لفوق بغرور: “تمام إيه؟”
​مشيت بخطوات ثابته ناحية الترابيزة اللي كانت المحفورة في الصالون، حيث كان اللاب توب بتاعي مفتوح ومحطوط هناك.
​”تمام… مش حضرتِك عايزة تعرفي مين اللي بيمشي الكلام ومين اللي بيتحكم في الفلوس بجد؟”
​فتحت الجهاز.
​حسام أول ما شافني ماسكة اللاب توب وشه اصفر والدم هرب منه.
​”إيناس… إنتِ بتعملي إيه؟”
​كتبت الباسورد بتاعي.
​سوسن هانم ضحكت باستهزاء: “بلاش دراما وشغل أفلام، قفلي البتاع ده وتعالي اعتذري.”
​دخلت على السيستم ولوحة التحكم المالية اللي كنت مجمعاها وبدير منها كل التزامات عيلة “المرشدي”.
​أقساط الفيلا.
​أقساط عربية سوسن هانم المرسيدس وعربية حسام.
​رواتب الشغالة والسائق والبوادي جارد.
​اشتراكات النادي الأهلي ونادي الجزيرة.
​والكارت الائتماني المفتوح اللي في إيد سوسن هانم بتشتري بيه لبسها وميك أب من المولدات.
​حسام قرب مني بسرعة وجسمه كله بيلف: “إيناس! إنتِ بتعملي إيه هنا بجد؟”
​بصيت في عينه بلحظة ثبات وتحدي: “إنت مش قلتلي ما أكبرش الموضوع وما أخليهوش يسوء؟”
​صوبعي وقف فوق زرار “إلغاء التفويض والتجميد”.
​”أنا أهو بخليه بسيط خالص.. وبنهيه.”
​ودست كليك.أول دفعة ألغيتها كانت قسط عربية سوسن هانم المرسيدس الفارهة.
​الدفعة التانية كانت مرتب الشغالة.
​التالتة كانت أجر الجاردينييه والمزارع.
​وبعدها ورا بعض: اشتراك نادي الجزيرة، المアدرّب الخاص، اشتراك التوصيل الشهرية للمستلزمات المستوردة، المخزن الخاص في أكتوير، والتحويل الشهري اللي كان بيغطي فوائد واحد من كروت الائتمان القديمة بتاعتها.
​سوسن هانم ضحكتها اختفت وفجأة وشها جاب ألوان: “إنتِ بتعملي إيه بالضبط؟ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟”
​رديت ببرود: “بفصل فلوسي وشقايا عن فلوسكم.”
​حسام جري عليا ومسك إيدي بلهفة: “إيناس! ما ينفعش تلغي كل حاجة كده مرة واحدة!”
​بصيت له بثبات: “وليه ما ينفعش؟”
​”عشان أمي معتمدة على الفلوس دي في كل مصاريفها!”
​”بالظبط كده.. وده المطلوب.”
​بق حسام اتفتح وما عرفش يرد بكلمة واحدة.
​أخته شيماء ضربت بإيدها على الترابيزة بزعيق: “الفلوس دي حق العيلة دي ومن حقنا!”
​قلت لها: “لا يا حبيبتي، الفلوس دي بتاعتي أنا وبس.”
​عمتها صفاء أتأفأت وقالت باستهزاء: “إنتِ اتجوزتي في عز يا بابا، ما تجيش دلوقتي تعملي فيها إنك إنتِ اللي بنيتي العز والمظاهر دي كلها.”
​في اللحظة دي اتأكدت إن مافيش ولا واحد فيهم فاهم أي حاجة في أي حاجة.
​دورت شاشة اللاب توب ناحيتهم.
​كان ظاهر في أعلى الشاشة رقم واحد بالبنط العريض: 18,642 جنيه.
​حسام أول ما شاف الرقم عرفه على طول، وشها اتمسح منه الدم وأصفر زي الليمونة.
​سوسن هانم زعقت: “إيه الرقم ده كمان؟”
​قلت لها: “ده المتبقي الحقيقي في حساب المصاريف الخاص بعيلة المرشدي.”
​الصالون كله اتخرس.
​سوسن هانم قطعت حواجبها: “ده كلام فارغ ومستحيل!”
​”لا مش مستحيل، ده الوافي والمظبوط.” فتحت فولدر تاني بسرعة وقريت منه: “حمايا الله يرحمه ساب عقارات وأملاك بتسوى حوالي 150 مليون جنيه.”
​ابتسمت تاني وقال: “أهو! شفتي بقى؟”
​كملت كلامي: “وكان عليه ديون وقروض للبنوك وضرائب بـ 180 مليون جنيه.”
​الابتسامة اتخرطت من وشها فوراً.
​عمتها صفاء هفست برعب: “إيه؟ كام؟”
​كملت بنبرة هادية جداً: “فيلا التجمع عليها رهنين عقاريين ومحجوز عليها. وشالية الساحل اتباع من ثلاث سنين أصلاً عشان يسدد جزء من الفوايد. وأرباح شركتك يا حسام ما بتغطيش حتى ربع مصاريف أمك من قبل ما نتجوز.”
​سوسن هانم لفت لحسام وبتصرخ فيه: “حسام! الكلام ده صح؟”
​حسام كان شكلة يقطع القلب وواقف زي الفراخ المبلولة.
​بصيت لجوزي وقلت له: “إنت فهمتها إنك إنت اللي شايل المصاريف دي كلها من جيبك، صح؟”
​ما ردش، وسكوته كان أوضح إجابة.
​سوسن هانم مسكت في ظهر الكرسي عشان ما تقعش: “لأ أمّال الفلوس دي كلها كانت بتيجي منين؟ مين اللي كان بيدفع؟”
​”أنا.”
​فتحت كشف حساب تاني: “على مدار 36 شهر، كنت بحول كل شهر مبلغ وقدره من مرتبي في شركة الاستشارات للحساب الفرعي ده.. إجمالي اللي دفعته من جيبي عشان أستركم حوالي 12 مليون جنيه.”
​الأوضة كانت كأنها بتصغر عليهم والخناق بيضيق.
​حسام هسف بصوت مخنوق: “إيناس.. أرجوكي بلاش.”
​”لا، هما كانوا عايزين يعرفوا الحقيقة كاملة وشفافية.. يبقوا يشوفوها.”
​فتحت وثيقة تانية أخيرة.
​”ودي بقى المفاجأة.”
​عينين سوسن هانم ضاقت، وفجأة نظرتها اتغيرت خالص للخوف، لأنها عرفت الورقة دي تابعة لمين.. اللوجو بتاع مكتب المحامي بتاعها.
​من ست شهور، اكتشفت إن سوسن هانم وحسام كانوا بروحوا يسألوا محامي بالسر لو كان ينفع يستغلوا إننا متجوزين قانوناً عشان يجبروني أدفع ديون العيلة للأبد، وكانوا بيسألوا لو ينفع حسام يضيف اسمه على حساباتي التجارية ويجبروني أعمله توكيل رسمي عام في أموالي.
​الورق كله كان معايا نسخ منه. والمحامي بتاعهم سحب ايده من القضية لما عرف إن مرتبي وفلوسي محميّين بشركة تأسست قبل الجواز ومحمية بـ “عقد اتفاق مالي” حسام بنفسه ماضي عليه قبل ما نتجوز.
​سوسن هانم بصت لحسام بذهول: “إنت مش قلتلي إنها ما تقدرش تمنعنا أو تقف في طريقنا؟”
​قلبي اتكسر نصين لما سمعت كلمة “طريقنا”.. كانوا متفقين عليّ.
​حسام انفجر وفقد أعصابه: “ما كانش المفروض الموضوع يمشي كدة!”
​بصيت له بقرف: “أومال كان المفروض يمشي إزاي؟”
​سكت ثلاث ثواني.. ثواني كانوا كفيلين ينهوا كل حاجة.
​فتحت ملف تاني خالص.. تفويض مالي تحت الطبع، وتحت خالص توقيعي أنا.. مزور.
​عمتها صفاء حطت إيدها على بقها من الصدمة، وحسام وشه بقى زي الجثة.
​سوسن هانم قالم بصوت واطي ومرعوب: “قفي اللاب توب ده فوراً.”
​ضحكت بصوت واطي: “تؤ.. مش هقفله.”
​قربت مني بخطوات خايفة: “إيناس.. إنتِ فاهمة غلط والله.”
​”أنا فاهمة صح أوي وعاطية كل حاجة حقها.”
​”إنتِ كده بتهدي بيتك وبضيعي جوازك عشان شوية فلوس؟”
​”لا..” قفلت اللاب توب بقوة. “أنا بنهي عملية ابتزاز واستغلال مالي.. عشان إنتِ تجرأتي وحطيتي إيدك عليّ ورميتيني على الأرض.”
​حسام مد إيده عشان يمسك إيداي، رجعت خطوة لورا وزعقت فيه: “إياك تلمسني!”
​اتسمر مكانه. ولأول مرة في الليلة دي، الكل كان ساكت وبيسمع.
​طلعت تليفوني من شنطتي.
​سوسن هانم بصتلي بشر: “بتكلمي مين يعني؟”
​بصيت في عينها بثبات وقلت لها: “بكلم الناس اللي كان المفروض تخافوا منهم قبل ما تفكروا إن حيطتي مايلة وتستضعفوني.”
​النهاية:
​طلبت الشرطة وبلغت عن الواقعة: تعدي جسدي بالضرب وإحداث إصابات (ركبي اللي انحفرت في الرخام)، وبلاغ رسمي بتزوير توقيعي في أوراق مالية وتسهيل الاستيلاء على أموال شخصية.
​في ظرف نص ساعة، البوليس كان واقف تحت فيلا التجمع. سوسن هانم اللي كانت فاكرة إن التوكيل والجاه هيحموها، الوان وشها راحت وهيبتها اتكسرت قدام قرايبها والخدم لما الضابط دخل الصالون وبدأ ياخد الأقوال.
​ما سمعتش لترجيات حسام ولا دموعه اللي نزلت متأخرة أوي. في نفس الليلة، أخدت شنطة هدومي ولاب توبي ومشيت من الفيلا، وتاني يوم الصبح كنت في مكتب المحامي بتاعي.
​رفعنا دعوى طلاق للضرر، وقدمت كل المستندات اللي بتثبت التزوير، بجانب محضر الضرب. وفي خلال أسبوع واحد، البنوك جمدت كل التسهيلات، والرهونات اتفعلت.
​سوسن هانم اضطرت تبيع عربيتها المرسيدس والساعات والمجوهرات عشان تسدد أجور المحامين والديون العاجلة، وما بقاش حيلتها هي وابنها غير شقة صغيرة بالإيجار في مكان متواضع، بعد ما الفيلا اتعرضت في المزاد العلني لتسديد ديون البنوك.
​أما حسام، فخسر شغلي معاه وخسر الشركة اللي كانت ساندة اسمه، واكتشف إن السكوت ومساعدة أمه على الظلم كلفه مراته، فلوسه، ومستقبله.
​أنا رجعت لشغلي وحياتي، أقوى وأنجح من الأول، وعرفت إن القوة مش في طول اللسان ولا المظاهر الفاضية… القوة الحقيقية إنك تعرفي أمتى تقفي، وأمتى تقفلي الحساب وتدوسي “كليك” للنهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *