كل مره تيجي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
​«—عادي يعني، هي كدة كدة كل مرة بتيجي زاحفة وترجع تترجاني.»
​دا اللي كتبه “كريم” الساعة واحدة وسبع دقايق بالليل، تحت صورة كان مصورها لوحدة ثانية نائمة ومريحة رأسها على صدره.
​”فريدة” كانت لسة طالعة من الحمام. شعرها مبلول وبينقط على تيشرت قديم للمنتخب كان واسع ومريح بتنام بيه، كانت جاباه زمان من العتبة بـ 50 جنيه.
​التليفون اتهز على السرير.
​إشعار أحمر من إنستجرام.
​”كريم الألفي” نزل بوست جديد.
​خطيبها.
​أو دا اللي كانت فاكراه لحد ما الصورة حملت وظهرت كاملة.
​في الصورة، كريم كان نايم من غير قميص، معوج بابتسامته الهادية اللي فريدة قعدت 3 سنين بتحارب عشان تكسبها حتة حتة. وفوق منه، بنت شعرها بني، روجها أحمر صارخ، ولابسة بلوزة مفتوحة زيادة، سانده وشها على صدره بكل أريحية. وهو حاطط إيده على خدها، كأنه بيحميها.. كأنه اختارها هي.
​والكابشن مكتوب فيه:
«دلوقتي بس، ولآخر العمر.. بيكي أنا كملت.»
​فريدة مابرمشتش.
​كانت عارفاه.
​”شهد الباز”.
​زميلتها في ماجستير إعلام القاهرة.
​نفس البنت اللي اتخانقوا بسببها ميت مرة.
​نفس البنت اللي كانت ديماً بتطلع في ستوريهات كريم: قهوة، كتب، كاسات نبيذ، ضحكات أطول من اللازم، وجمل كدة تحت بند “إحنا مجرد أصحاب”.
​— بلاش جنون يا فريدة — كان بيعدهالها كل مرة — شهد زي أختي، لو عندك ثقة في نفسك شوية مش هتركزي في الهبل دا.
​نفس البنت اللي من شهر فات، في خروجة في الشيخ زايد، واحد من أصحابه قعد يزعق ويوصلها:
— خلاص بقى يا كريم اتجوزوا! انتوا شكلكم لايق على بعض أكتر من أي اتنين!
​شهد وقتها وطت رأسها وعملت نفسها كسوفة.
​وكريم مابعدهاش عنه.. بالعكس، ابتسم.
​فريدة قامت من على الطاولة من غير ولا كلمة. خرجت من المكان، طلبت أوبر، وقضت الطريق كله بتعيط لحد ما وصلت شقتها في المعادي، الشقة اللي كانت بتشاركه فيها.
​ومن ليلتها بدأت الحرب الباردة.
​شهر كامل.
​هو مابحثش عنها ولا دور عليها.
​وهي كمان مكلمتوش.
​فريدة كانت فاكرة إنهم مجرد متخاصمين ومحتاجين وقت.
​أتاريه كريم كان بيأسس حياته الجديدة!
​نزلت بصابعها على التعليقات.
​”ماركو”، أنتيم كريم، كاتب:
«ومش خايف فريدة تعملك دراما وتكدّر عيشتك؟»
​كريم رد عليه:
«وهي أمتى مبتجيش زاحفة وترجع تترجاني؟»
​بنت ثانية معاهم في الدفعة كتبت:
«هو انتوا فركشتوا رسمياً ولا إيه؟»
​رد كريم:
«بقالي شهر مابكلمهاش، وأراهنكم بعد بكرة في عيد ميلادي، هتيجي مكسورة وتعيط تحت رجلي عشان أسامحها.»
​فريدة قرت الجملة دي ثلاث مرات.
​”بتيجي زاحفة وترجع تترجاني.”
​كدة كان بيتكلم عنها!
​عن البنت اللي قعدت 3 سنين تعتذر وتتأسف حتى وهي مش عارفة هي غلطانة في إيه.
​عن البنت اللي كانت بتبعث له رسايل في أنصاص الليالي لما كان بيعاقبها بالسكوت.
​عن البنت اللي في مرة اتصلت بيه 27 مرة وبعتت 43 رسالة لمجرد إنه اختفى بعد خناقة هبلة عشان كانت طالعة مع صاحباتها.
​فتحت الشات القديم بينهم.
​كانت آخر رسالة منها من ليلتها:
«أنا أسفة، غلطت.. أرجوك متتجاهلنيش.»
​وبعدها بـ 3 ساعات، هو رد بكلمة واحدة:
«تمام.»
​وقتها فريدة افتكرت إن “تمام” دي يعني خلاص سامحها.
​الليلة دي بس فهمت إن الكلمة كان معناها:
“أنا عارف إنك كدة كدة راجعة تحت جزمتي.”
​بصت للصورة تاني.
​الإيد اللي بتطبطب على شهد دلوقتي، هي نفس الإيد اللي كانت بتمسك وشها وتوعدها إنها بيته وأمانه. والبق اللي بيضحك مع غيرها دلوقتي، هو اللي قالها ميت مرة إن محدش فاهمه في الدنيا دي غيرها.
​فريدة حسيت بحاجة جواه بتتكسر وتتحول لتراب.
​بس المرة دي.. مدمعتش.
​أخدت سكرين شوت.
​للصورة.
​للتعليقات.
​للجملة.
​وللرهان.
​وبعدها بدأت تمسح.
​الأول خرجت من جروب العيلة بتاع عيلة الألفي، الجروب اللي أمه كانت كاتبة فيه من أسبوعين بس: «عقبال ما نفرح ببيتكوا يا حبايبي.»
​وبعدين خرجت من جروب أصحابه.
​عملت لكريم ديليت من إنستجرام.
​ومسحت رقمه.
​مابلكتوش.. مسحته بس.
​زي ما حد بيمسح رقم مفتاح لباب هو خلاص قرر إنه مش هيدخله تاني.
​وبعدها قفلت تيك توك وفيس بوك. غيرت شريحة تليفونها، والرقْم الجديد مادتوش غير لأختها، وأمها، ولمديرتها في شغلها.
​لما خلصت، كانت الساعة بقت 2:06 بعد منتصف الليل.
​شعرها كان نشف خلاص.
​والقاهرة برة كانت لسة بدوشتها: عربية زبالة معدية، كلب بيهوهو في الشارع، وموتوسيكل طاير زي الس\كينة في شارع القصر العيني.
​فريدة اتطوّت على السرير.
​قفلت عينيها.
​ومابكتش.
​صباح اليوم اللي بعده طلبت أجازة من الشغل.
​مش عشان زعلانة.. عشان في ترتيبات لازم تتعمل.
​نزلت راحت دار النشر اللي شغالها فيها في وسط البلد، وقدمت استقالتها.
​مديرتها “إنجي” فضلت تبص لورقة الاستقالة كأنها محطوط قدامها قنبلة موقوتة.
— إيه دا يا فريدة؟ في إيه؟
​— أنا هسيب القاهرة كلها ومهدية.
​— هتسطقري فين؟
​— لسة مش عارفة.
​— بس انتِ عندك تسليمات الشغل الأسبوع دا!
​— سبت كل الملفات متظبطة على الدريڤ، وبعتلك كل الباسوردات على الإيميل.
​إنجي مناقشتهاش. يمكن شافت حاجة مرعبة في وشها، يمكن فهمت إن في استقالات بتبقى عبارة عن طوق نجاة من الغرق.
​رجعت فريدة الشقة.
​الشقة كانت باسم كريم، وهو اللي بيدفع إيجارها. بس هي اللي كانت بتدفع النور، والمية، والنت، والأكل، والسوبرماركت، وكل التفاصيل الصغيرة اللي بتخلي المكان اسمه “بيت”.
​طول 3 سنين كانت فاكرة إن دا معناه إنهم بيبنوا حياة سوا.
​النهاردا بس فهمت إنها كانت مجرد ضيفة في مكان ممكن يترمي منها في أي لحظة هو يعوزها.
​لمت كل حاجتها في شنطتين وشنطة ظهر.
​دا كل اللي طلعت بيه بعد 3 سنين حب.
​لما صاحبة البيت جازت تاخد المفاتيح، استغربت:
— إيه دا يا بنتي؟ مش هتاخدي حاجتك واستني الأستاذ كريم؟
​— لأ.
​— انتوا اتخانقتوا ولا إيه؟
​— سيبنا بعض.
​الست بصت للشنط وماسألتش أكتر من كدة.
​فريدة فتحت أبلكيشن السوبر جيت. قفلت عينيها. واختارت أول أتوبيس طالع بعد الضهر من موقف ألمظة.
​إسكندرية.
​قطعت التذكرة.
​الساعة 5:40، وهي شايالة الشنطتين والشنطة على ظهرها، وقلبها متقطع حتت، ركبت الأتوبيس.
​نامت طول الطريق.
​لما وصلت، كانت إسكندرية هادية، وسماها صافية بشكل يوجع.
​تليفونها الجديد اتهز.
​كانت إنجي المديرة.
​— فريدة.. كريم جه الشركة يدور عليكِ.
​فريدة اتسمرت مكانها في وسط الموقف.
— كان عايز إيه؟
​— بيسأل رقمك مقفول ليه، وكان هيتجنن ويعرف انتِ فين.
​— قولتيله إيه؟
​— قولتله إنك استقلتي ومش عارفة طريقك.
​فريدة بصت لشنطها.
​لأول مرة من 3 سنين، كريم مكنش معاه الخريطة اللي وصله ليها.
​والمرعب مكنش إنها هربت.. المرعب إنها اكتشفت إنها كانت تقدر تعمل كدة من زمان.
​في نفس اليوم، أأجرت شقة قديمة في الدور السادس من غير أسانسير، قريبة من محطة الرمل. حيطان بيضاء، شبابيك كبيرة، مطبخ صغنون، وريحة بوهية جديدة.
​وهي بتسحب الشنطة الأخيرة وتطلع بيها، الشنطة انحشرت في السلم.
​صوت راجل جه من فوق:
— أساعدك يا أنسة؟
​فريدة رفعت رأسها.
​شاب بـ تيشرت رمادي كان نازل وفي إيده كيس زبالة.
​— لأ شكراً، هعرف أتصرف.
​هو كان نزل خلاص، مسك الشنطة وشالها كأنها ورقة.
— طالعة دور كام؟
​— السادس.. شقة 601.
​— يا محاسن الصدف! أنا في 602.
​حط الشنطة قدام باب شقتها:
— أنا مازن.. مازن الألفي.
​— فريدة مصطفى.
​— خطوة عزيزة يا جارة.
​ماسألهاش جاية منين.
​ماسألهاش ليه طالعة لوحدها بشنط سفر.
​ماسألهاش ليه شكلها عاملا زي واحدة طالعة من تحت أنقاض حريق.
​الليلة دي فريدة نامت على الأرض على سجادة يوجا، من غير سرير، من غير غاز، من غير مية سخنة، وصوت قطط الشارع زاحم المكان تحت الشباك.
​بس المهم.. إن محدش كان قاعد مستنيها ترجعله مكسورة وتترجاه.
​ودا، رغم كسرته، كان بادي يبان كأنه أول طريق الأمان.
​وفجأة.. الساعة 11:58 بالليل، إنجي بعتتلها رسالة ثانية:
​«فريدة.. كريم قال لو ماظهرتيش في عيد ميلاده بكرة، هيدور عليكِ تحت الأرض ويجيبك لو كلفته حياته.»
​فريدة بصت للرسالة.
​ولأول مرة.. الخوف حقيقي سكن قلبها.
​مكنتش متخيلة إن الكابوس دا يادوب بيبدأ…الجزء الثاني
​أول شروق لشمس إسكندرية دخل من شباك الشقة القديمة من غير ما يستأذن.
​فريدة صحيت بظهر مشدود، حلقها ناشف، وعلى صوت بائع طماطم بيزعق في الشارع. لا كان عندها ستائر، ولا سرير، ولا كبابي، ولا ثلاجة. كل اللي كانت تملكه شنطتين، وشنطة ظهر، ومحافظة كاملة محدش فيها يعرف اسم العمارة ولا اسمها.
​بصت في التليفون.
​ولا أي خبر من كريم.
​أكيد.. ما هو معندوش رقمها الجديد.
​ولا عنده حساباتها.
​ولا عنوانها.
​ولا حتى معارف يوصلولها.
​لأول مرة في حياته، لو كان بجد عايز يوصلها، كان لازم يعرق ويتعب.
​ولأول مرة هي كمان.. مكنتش هترفع صابع واحد عشان تسهلها عليه.
​نزلت للسوبر ماركت اللي تحت العمارة تجيب عيش، وزبادي، وإزازه مية. صاحبة المحل، ست شعرها مصبوغ نبيتي وصوتها جهوري، بصت لها من فوق لتحت:
— جديدة في العمارة يا بنتي؟
​— أيوة.
​— دور كام؟
​— السادس.
​— يا لهوي يا حبيبتي! ربنا يقوي ركبك!
​كان دا أقرب حاجة للترحيب سمعتها من ساعة ما نزلت.
​وهي طالعة، درجات السلم كانت بتولي في رجلها. في الدور الخامس كانت خلاص بتتحسر إنها اختارت شقة من غير أسانسير.
​وفي الدور السادس، باب شقة 602 اتفتح.
​مازن خرج وهو شايل شنطة أدوات وصيانة.
​— صباح الخير يا جارة.
​— صباح النور.
​شاور على أكياس الأكل اللي في إيدها:
— الغاز وصل؟
​— مش عارفة.
​— والمية السخنة؟
​— ولا دي كمان.
​— يبقى انتِ مأجرة مغارة بباب وشباك!
​فريدة ابتسمت غصب عنها:
— حاجة شبه كدة.
​— لو تحبي، أعدي أبص على محبس الغاز، العماير القديمة دي طبعها غريب.
​— شكراً.. كلك ذوق.
​دخلت شقتها وقفلت الباب.
​جدعنة مازن ولطفه مفرّحوهاش.. بالعكس، خضّوها.
​كريم في الأول كان لطيف كدة برضه. كان بيجيب لها قهوة لما تسهر في الشغل، يستناها تحت المقر، ويقولها إن حياته من غيرها ملهاش طعم ولا لون.
​وبعدين اللطف دا اتحول لسيطرة وتحكم.
​في الأول كان بيعرف بتحب تأكل إيه.. وبعدين بقى هو اللي يطلب لها.
​في الأول كان بيتطمن وصلت ولا لأ.. وبعدين بقى يحقق اتأخرت ليه خمس دقائق.
​في الأول كان يقولها بتوحشيني.. وبعدين يقلب وشه لو خرجت مع صاحباتها.
​مع الوقت، فريدة اتعلمت تستأذن في أبسط تفاصيل حياتها.
​وكريم اتعلم حاجة أوحش بكثير: إنها مهما حصل، كدة كدة راجعة.
​فتحت الاستوديو على التليفون.
​الصور والسكرين شوتس لسة موجودين.
​مما مسحتهمش.. مش عشان تعذب نفسها، بس عشان تفكر روحها. كانت عارفة إن هتيجي أيام سودة، أيام توحشها ضحكته، ريحته، وطريقته لما يقرر يبقى حنين. أيام ذاكرتها هتحاول تجمّله وتنسيها اللي عمله.
​في الأيام دي، هتكون محتاجة تقرأ كلامه بلسانه:
​”بتيجي زاحفة وترجع تترجاني.”
​في نفس اليوم، اشترت سرير إيكيا رخيص، ترابيزة بتتقفل، طبقين، حلة، ولمبة، وستارة. السرير وصل في كرتونة، متبهدل قطع، ومعاه كتالوج كأنه مكتوب بالهيروغليفية.
​الساعة 8 بالليل، فريدة كانت قاعدة وسط المسامير، والخشب، ورجل السرير المكسورة، وإصبعها اتخبط وموجوع جداً، وكانت خلاص على وشك العياط.
​وفجأة.. ضحكت بصوت عالٍ!
​كانت فاكرة إن حياتها هتقف من غير كريم.. وادي هي اهيه، مش عاجزة بسبب الفراق، لكن بسبب سرير خشب مش عارفة تركبه!
​الباب خبط.
​— أنا مازن.. سمعت خبط جامد، كل حاجة تمام؟
​— أيوة.
​— متأكدة؟
​— يعني.. نص نص.
​فتحت الباب.
​مازن بص على الميدان والملاية المفرودة على الأرض من غير ما يبتسم ولا يتريق.
​رفع شنطة العدة:
— تحبي مأسألش خالص وأساعد بس؟
​فريدة بلعت ريقها.
​يا لها من جملة خطيرة.. “مأسألش.. وأساعد بس”.
​— يا ريت.
​دخل، بص في الكتالوج 10 ثواني وقال:
— الكتالوج دا غبي، بادئ الخطوة الثانية غلط اصلاً.
​— شكراً على التكشير دا.
​— مش عليكِ.. على اللي كاتب الكتالوج!
​في خلال 40 دقيقة، السرير كان معطوف ومتركب تمام.
​— بلاش تنطي عليه بقى — قالها وهو بيلم حاجته — المصنع دا خشب حبيبي مش حاملك.
​— مكنتش ناوية أحتفل بالطريقة دي عموماً.
​— تمام زي الفل.
​وهو طالع، قالها إن المية هتقطع بكرة من 9 لـ 3 الظهر.
​— بلّغوا في الجروب بتاع العمارة.
​— أنا مش في الجروب.
​— لو تحبي أضيفك؟
​فريدة ترددت.. جروب يعني جيران، وأسئلة، وعلاقات، وناس.
​مازن فهم نظرتها بسرعة:
— ولا يهمك، لو في حاجة مهمة هبقى أبلغك.
​في اليوم الثالث.. كان عيد ميلاد كريم.
​فريدة صحيت الساعة 6 الصبح.
​أول فكرة جأت في بالها: “النهاردا عيد ميلاده.”
​الفكرة الثانية: “مش هعمل أي حاجة.”
​الفكرة الثالثة الأكثر صراحة: “نفسي أعمل حاجة.. بس مش هعمل.”
​طول 3 سنين، كانت بتجهز هدايا، ورسايل، وعشوات، وتورتاية، وبوستات طويلة الساعة 12 بالليل. السنة اللي فاتت اشترت له ساعة بأكثر من نص مرتبها، وقتها قالها: “مكنش له لزمة المصاريف دي”، بس مكنش بيلبس غيرها في أي مقابلة مهمة.
​في اليوم دا، شربت قهوتها عند الشباك.
​ماتصلتش.
​مابعتتش.
​ولازلت ولا منشور.
​على الظهر، إنجي المديرة بعتت لها رسالة:
«كريم جه الشركة تاني.. هيتجنن ومفيش فايدة، مش فاهم انتِ بتعملي كدة ليه.»
​فريدة ضغطت على التليفون:
«بعمل إيه؟»
​«إنك اختفيتي كدة فجأة!»
​فريدة اتنفست ببطء.
​لما كريم كان بيختفي، كان بيبقى اسمه “محتاج مساحة لشغله”.
​لما هي تختفي، بيبقى اسمه “جنان وقلة أدب”.
​بعد الظهر، بعتت السي في لعدة أماكن. لقت فرصة في دار نشر صغيرة، وفرصة ثانية في شركة كورس أونلاين، وفرصة تصمم كتالوجات لمحل أثاث.
​الساعة 7 نزلت تجيب رز وخضار.
​وهي راجعة، لقت مازن قاعد على السلم بيكهرب لمبة.
​— عديتي من عطلة المية؟
​— الحمد لله.
​— والسرير؟
​— عايش.
​— دا انتِ طالعة بأسبوع إنجازات بقى!
​فريدة طلعت 3 برتقالات من شنطتها:
— دا حاسب بيه على إزازه المية.
​— مكنش له لزمة.
​— انت قلتلي حاسبي بعدين.
​— أصل أنا قلت كدة عشان ترضي تاخديها بس!
​بصت له:
— دا اسمها ملاوعة ودهاء!
​— بس دهاء غلابة يعني!
​فريدة ضحكت.. مكنتش ضحكة كبيرة، كانت خرم إبرة، بس دخل منه هواء.
​عدى أسبوعين.
​اشتغلت في دار النشر. المرتب كان أقل من القاهرة، بس مكفي. محدش هناك يعرف مين كريم، محدش بيسميها “الخطيبة النكدية”، ومحدش بيطب طب عليها بشفقة.
​كانت “فريدة مصطفى”.. المصممة الجديدة. وبس.
​في الأسبوع الثالث، إنجي اتصلت:
— فريدة متتقضيش..
​فريدة سابت الماوس من إيدها:
— خير؟
​— كريم بيسأل عليكِ كل معارفك، راح للست صاحبة الشقة القديمة وقالتله إنك سلمتي المفاتيح، وبعت لزملاؤك كلهم.
​فريدة قفلت عينها:
— هو لسة مع شهد؟
​— معرفش.. بس مسح البوست والصورة!
​قلب فريدة دق دقة غبية.
​مش أمل.. تعوُّد.
​زي الكلب اللي بيسمع صوت مفاتيح صاحبه القديم اللي كان بيأكله.
​— هو ممحيهاش عشان ندمان — قالت فريدة.
​— أمال ليه؟
​— مسحها عشان أنا مبرجعتش.
​الفيلم دا زارها في الحلم الليلة دي.
​مش الصورة.. زارها حلم قديم في يوم مطر، لما جابلها شوربة وهي تعبانة وكان بينشف شعرها بالفوطة ويقولها:
— انتِ تعملي إيه من غيري؟
​وهي بترد عليه:
— أستناك.
​صحيت وهي بتعيط.
​وقتها فهمت حاجة قاسية جداً: الحب مابينتهيش لمجرد إن حد أهانك، الكرامة ممكن تاخد قرار الرحيل قبل ما القلب يستوعب الصدمة.
​ودا عادي.
​مش لازم تتوقف عن الحب عشان تنقذ نفسك.
​في الشهر الرابع.. كريم وصلها.
​كان يوم سبت، فريدة نازلة تجيب مسحوق غسيل، ولما نزلت الشارع شافته واقف قدام العمارة.
​بدلة سودة.
​شعر مظبوط.
​وفي إيده بوكيه ورد أبيض.
​جسمها اتصلّب قبل عقله.
​بطنها اتعصرت.
​ورجليها كانت عايزة ترجع ورا.
​هو شافها:
— فريدة!
​كلمة واحدة كانت كفيلة تفتح جرح هي فاكرة إنه اتقفل.
​— انت إيه اللي جابك هنا؟
​كريم قرب خطوة:
— دورت عليكِ في كل شبر.
​— أنا مأسألتكش دورت ولا لأ، بأسألك جيت ليه؟
​ضغط على بوكيه الورد:
— كنت محتاج أشوفك.
​— بس أنا مش محتاجة.
​وشه اتكسر.
​زمان، فريدة كانت هتجري تجيب بلاستر وتلحق الكسرة دي.
​دلوقتي، اكتفت إنها تبص له وبس.
​— سامحيني يا فريدة.
​نزلت درجة:
— على إيه بالظبط؟
​— إني جرحتك.
​— حدد أكتر.
​كريم بلع ريقه:
— عشان نزلت الصورة.
​— وإيه كمان؟
​— عشان التعليقات.
​— وقلت إيه في التعليقات؟
​وطى رأسه الأرض:
— قلت إنك كدة كدة راجعة.
​— وانت كنت فاكر كدة؟
​كريم ماردش.. ومكنش محتاج يرد.
​ورا فريدة، باب العمارة اتفتح.
​مازن كان نازل بكيس زبالة، ووقف لما شافهم.
​كريم بص لمازن كأنه شايف واحد اقتحم ملكيته الخاصة:
— مين دا؟
​أهو دا.. لسة فاكر إن له حق يسأل ويحقق!
​مازن رد بهدوء:
— أنا جارها.
​— أنا بكلمها هي، مابكلمكش انت!
​فريدة نزلت آخر درجة ووقفت في وش كريم:
— متتكلمش معاه بالأسلوب دا!
​كريم ضحك ضحكة زفرة:
— تمام.. فهمت، عشان كدة اختفيتي بسرعة!
​فريدة حسيت بتقل وجع قديم، مغبر ومكتوم.
​— أنا اختفيت عشان نفسي!
​— مش مصدقك.
​— ومش محتاجة تصدقني أصلاً.
​قرب منها وحاول يمسك إيدها:
— تعالي نتكلم على جنب.
​— لأ.
​— 3 سنين مش هينتهوا كدة بسهولة!
​فريدة طلعت تليفونها، فتحت السكرين شوت، وورته التعليق بتاعه:
“وهي أمتى مبتجيش زاحفة وترجع تترجاني؟”
​— عندك حق — قالت له — الـ 3 سنين مخلصوش النهاردا.. هما خلصوا الساعة 1:17 بالليل لما حولتني لرهان بين أصحابك.
​كريم وشه اصفر:
— فريدة.. عشان خاطري..
​— متقوليش يا فريدة!
​وفجأة كريم قال حاجة خلت الدم يهرب من عروقها:
— لو مبرجعتيش معايا، أنا هحكي للناس كلها اللي حصل ليلتها في الشيخ زايد!
​فريدة وقفت مكانها، الهواء اتطرد من صدرها.
​لأن محدش في الدنيا يعلم اللي حصل الليلة دي غير كريم…
​الجزء الثالث
​فريدة فضلت متسمرة مكانها عند باب العمارة.
​بوكيه الورد الأبيض كان بيتهز في إيد كريم.
​مازن كان واقف وراها بخطوتين، من غير ما يتدخل، بس مكنش ماشي. مش بيمثل دور البطل، ولا فارض نفسه.. مجرد شاهد موجود.
​— انت قلت إيه؟ — سألت فريدة بصوت طالع بالعافية.
​كريم جز على سنانه:
— متجبرينيش يا فريدة.
​فريدة حسيت بضحكة ميتة بتطلع من حلوقها.
​طول 3 سنين كانت بتسمع الجملة دي بميت شكل:
متجبرينيش أسيبك وأمشي.
متجبرينيش أتجاهلك.
متجبرينيش أزعق فيكي.
متجبرينيش أدور على الراحة مع حد تاني.
​ديماً هي اللي بتجبره.. وديماً هو البريء اللي بيؤذي بوش مظلوم!
​— قول — ردت فريدة — انت بدأت خلاص.
​كريم بص لمازن، وبعدين بص لها:
— ليلتها في الشيخ زايد عملتِ نمرة وسينما! زقيتي الترابيزة وخرجتي بتزعقي، وبعدها قعدتي تترجيني تحت العمارة! تحبي الناس كلها تعرف الهبل دا؟
​فريدة حسيت بكسفة؟ أيوة.
​بس مش من الكلام اللي قاله.. كسفة من نفسها إنها ضيعت سنين تصدق إن دي الحقيقة.
​الليلة دي، لما أصحابه قالوا له يتجوز شهد، فريدة مازقتش ترابيز ولا زعقت. هي قامت من سكات عشان أطرافها كانت بتترعش.
​كريم حصلها بعد 20 دقيقة، وكان متضايق إنها “كسفت شكله قدام أصحابه”.
​هي طلبت منه يمشوا سوا.
​هو قالها:
— لو هتنكدي عليا، اركبي روحي لوحدك.
​فريدة قعدت تعيط في الشارع.. مش عشان تلوّي إيده، بس عشان الراجل اللي بيحبها هانها قدام الناس، وفوق دا كله مستني منها تكون باردة ومبتسمة!
​وبعدها في الأوبر، بعتت له رسايل.. رسايل كتير جداً.. بتتحايل عليه يتكلموا وما يسيبهاش كدة.
​هو أخد الضعف دا وعمل منه أسطورة.
​طلعها هي “المجنونة”..
طلعها هي “النكدية”..
وحكاها وسط ضحكات أصحابه على القهوة.
​— أنا مازقتش ترابيزات — قالت بصوت ثابت.
​كريم رفع حواجبه:
— هتنسي كمان إنك عيطتي؟
​— لأ.. عيطت.
​صوتها طلع ناضج ومفيهوش تهتهة:
— عيطت عشان كنت موجوعة، عيطت عشان كنت بحبك، عيطت عشان قضيت سنين فاكرة إن سكوتك عقاب على غلطة أنا مش عارفاها.. بس العياط مبيخلنيش مذنبة ولا مجنونة.
​كريم حس إنه بيفقد سيطرته ثانية بثانية:
— فريدة…
​— ولو عايز تحكي الحكاية، احكيها كاملة! احكي إنك سبت أصحابك يسبوا فيا ويهينوني، احكي إن شهد كانت بتضحك وانت مبعدتهاش، احكي إنك سبتني أروح لوحدي نص الليل، احكي إنك بعدها نزلت صورة معاها وراهنتهم إني هاجي أتباس إيدك!
​مازن بَص للأرض. والست بتاعة السوبر ماركت كانت عاملة نفسها بترتب كراتين الشيبسي وهي أذنها معاهم. وجارة في الدور الثاني طلعت راسها من الشباك.
​كريم أدرك إن المسرحية مبقتش ملكه.
​— أنا مجمتش هنا عشان نتخانق — قال بصوت واطي.
​— انت جيت عشان ترجع السيطرة.
​— أنا جيت عشان بحبك!
​زمان.. الجملة دي كانت هتخلّي ركبها تخبط في بعض.
​دلوقتي.. مجرد كراكيب صوت.
​— لأ يا كريم — فريدة قالت له — انت مابتحبش اللي بيمشي.. انت بتحن للاستعباد، بتحن للطباطبة اللي بتجيبها بعد ما تكسر العضم.
​كريم ساب بوكيه الورد يقع على الأرض:
— أنا وشهد فركشنا خلاص.
​الاسم وقع بينهم زي طوبة نزل في ترعة ميتة.
​— ميهمنيش.
​— هي طلعت مش زي ما كنت فاكر!
​— طبعاً.. هي كانت فسحة وفرفشة عشان مكنتش شالة همومك، أنا اللي كنت النكد عشان عارفة أصلك وفصلك.
​بص لها وعينيه محمرة:
— أنا هتغير يا فريدة.
​— يارب تتغير.
​— اديني فرصة واحدة!
​— اتغير عشان ما تدمرش البنت اللي جاية.. مش عشان ترجعني أنا.
​كريم قرب منها خطوة.
​مازن تحرك حركة بسيطة جداً.
​فريدة رفعت إيدها وراها من غير ما تبص له.. مكنتش محتاجة حد يخوض معركتها.
​دا كان أصل الحكاية كلها.
​— أوعى تدور عليا تاني — قالت له.
​— بالبساطة دي؟
​— لا مش ببساطة.. دا أخد مني 3 سنين، 27 مكالمة، 43 رسالة، صورة، رهان، شنطتين، وسفر لمدينة مأعرفهاش عشان أقدر أقول الجملة دي النهاردا.
​كريم فتح بقه.. بس ملقاش كلام.
​— متجيش تاني.
​فريدة دخلت بواب العمارة.
​طلعت السلم خطوة خطوة، مكنتش بتجري.
​في الدور الرابع، رجلها اترعشت.. في الخامس، عينها اتملت دموع.. وفي السادس، فتحت شقتها وقفت الباب بالعافية وقعدت على الأرض ورا الباب مباشرة.
​وعيطت.
​عيطت زي ما مابكتش ليلة الصورة.
​عيطت على فريدة القديمة..
على البنت اللي كانت بتعتذر عشان خايفة تتساب..
على اللي كانت بتتلغبط بين الخوف والحب..
على اللي كانت فاكرة إن 43 رسالة دليل حب، بينما كانت صرخة استغاثة في بيت بيتحرق.
​بعد شوية.. الباب اتخبط.
​— أنا مازن — الصوت جه من برة — مش هتدخل، بس عايز أتطمن إنك كويسة.
​فريدة مسحت وشها:
— لأ.. مش كويسة.
​سكت شوية، وبعدين قال:
— تمام.. أنا هفضل واقف هنا دقيقة واحدة بس.
​ماحاولش يفتح.. ماسألهاش مالك.. وماقالهاش “كل حاجة هتبقى تمام”.
​وقف ورا الباب زي لمبة متسابة منورة في طرقة ضلمة.
​فريدة سندت جبهتها على الخشب:
— شكراً.
​— العفو يا جارة.
​بعد اليوم دا.. كريم بدأ يبعت جوابات.
​أول جواب وصل على دار النشر. فريدة مكنتش عارفة جاب العنوان منين. إنجي حطت الظرف على مكتبها:
— أنا مقتحتوش.. ولو عايزه أرميه في الزبالة هرميه.
​فريدة بصت لخطه اللي حافظاه صم:
— لأ.. هقرأه.
​دخلت الحمام.. فتحت الظرف.
​«فريدة.. مش عارف أكلمك من غير ما أبان أناني. أنا بدأت أفهم إني بنيت علاقتنا على خوفك من إنك تضيعي مني. شهد مكنتش حب، كانت غرور فارغ. هي مكنتش تعرف أسوأ ما فيا، انتِ كنتِ تعرفي، ودا كان بيخليني أحس بإحساس الذنب. عارف إني أستاهل الجزمة، بس مش قادر أستوعب إن حكايتنا تخلص كدة.»
​فريدة قرأت الجملة الأخيرة كذا مرة.
​”مش قادر أستوعب.”
​حتى وهو بيتأسف.. لسة بيتكلم عن اللي يقدر ويستوعب يعمله!
​شالت الجواب.. وماردتش.
​الجواب الثاني جه بعد أسبوع.. أطول، وأكثر يئساً.
​الجواب الثالث كان بيتكلم عن إنه بدأ يروح لدكتور نفسي.
​الجواب الرابع قال فيه إنه قطع علاقته بماركو عشان اكتشف إن أصحابه كانوا بيشجعوه على أوسخ ما فيه.
​الجواب الخامس جه بعد شهرين.
​كان فيه جملة واحدة:
«النهاردا بس فهمت إن طلبي إنك ترجعي كان أنانية ثانية مني. أتمنى تكوني مبسوطة.. حتى لو دا معناه إنك مبقتيش محتاجاني.»
​الجواب دا بالذات بكّاها.
​مش حب.. حداد.
​عشان ربما دي كانت أول مرة كريم يحبها بجد من غير ما يحاول يشدها لملكيته.
​أو يمكن دي مجرد جملة ثانية مكتوبة بحرفنة.
​مافرقش كتير.. ماردتش برضه.
​السنة الأولى في إسكندرية كانت صعبة.
​الحرية مابتنزلش فلوس الإيجار في الحساب.
​والكرامة مابتشيلش جراكن المية.
​والبداية من الصفر مش مشهد سينمائي معاه مزيكا حزينة.. البداية كانت إنها تتوه في خطوط الميكروباصات، تبتسخ وتتعب لوحدها، تشتري دوا من صيدلية مأعرفهاش، تظبط الميزانية بالعافية، تركب السرير غلط، وتوحشها نبرة صوت كانت بتأذيها.
​كان في ليالي.. كانت بتبقى على تكة وتفتح سيرش إنستجرام وتكتب اسمه.
​وكان في أيام.. كانت بتتمنى ترجع، مش عشانه، بس عشان كانت حافظة أماكن كل حاجة هناك.
​ما هو السجن القديم ساعات بيبقى أرحم من التوهة!
​بس بالراحة.. المدينة بدأت تعرفها.
​ست السوبر ماركت بقت تشيلها الكرواسون الطازة.
إنجي شالتها شغل أكبر وأهم.
تصميماتها بقت أحسن.
بقت تأكل في مواعيدها.
تنام أهدى.
اشترت فستان أحمر كريم كان زمان هيقول عليه “ملفت زيادة عن اللزوم”، ولبسته في يوم عادي ونزلت بيه تجيب فول وطعمية.
​محدش انتقدها.
محدش طلب منها تبرير.
​وهي دي الحرية.
​هي ومازن بقوا أصحاب بالراحة.
​مفيش ألعاب نارية ولا سيناريوهات.. تفاصيل صغيرة جداً.
​لمبة بتركب..
حلة شوربة لما فريدة سخنت..
طرد بياخده مكانها..
وقط شوارع أعور وناشف بدأوا يأكلوه سوا، وجارتهم في الدور الثاني سمته “الجنرال”.
​مازن ماسألهاش ولا مرة عن كريم بشكل مباشر.
​في يوم، والجنرال نازل أكل في الأكل كأنه ورث أبوه، فريدة قالت:
— كريم كان فاكر إني سبته عشانك.
​مازن ضحك ضحكة خفيفة:
— دا يبين هو بيفكر إزاي، مش إحنا بنعمل إيه.
​— صح.
​— وجعك الكلام؟
​فريدة فكرت:
— هلكني.
​— في فرق كبير.
​— فعلاً.
​عدت سنة ثانية قبل ما مازن يعزمها على العشاء بشكل واضح. كان يوم في أكتوبر، بعد ما ودوا الجنرال للبيطري عشان كان بيمشي يعرج، وطلع في الآخر مجرد خناقة مع قط تاني.
​وهم راجعين العمارة، مازن وقف عند الباب:
— تتعشي معايا؟
​فريدة ابتسمت:
— ما إحنا بنتعشى سوا عادي.
​— لأ.. مش كدة. من غير قطط، ومن غير لمبات محروقة، ومن غير كراكيب.
​قلب فريدة متنفضش.
محسيتش بدوخة.
محسيتش بالتوتر اللي كانت زمان بتسميه “شغف”.
​حسيت بأمان وراحة.
​والراحة.. بعد سنين من العواصف.. بتبقى تخوّف برضه!
​— مش عارفة لو جاهزة ولا لأ.
​مازن هز رأسه:
— ولا يهمك.. براحتك خالص.
​مازعلش.
ماتقمصش.
ومعاقبهاش بالخصام والغياب.
​بس قالها:
— وقت ما تحبي قوليلي.. ولو الرد “لأ”، هنفضل نأكل الجنرال عادي!
​بعد أسبوع، فريدة خبطت على شقة 602.
​مازن فتح وفإيده فوطة المطبخ.
​— موافقة — قالت له.
​— موافقة على إيه؟
​— على العشاء.. من غير قطط.
​مازن ابتسم:
— تمام أوي.
​راحوا مطعم صغير على البحر. أكلوا سمك، ورز، وسلاطات. اتكلموا عن أهاليهم، عن المزيكا، عن الشغل، وعن المرة اللي اتكهرب فيها وهو بيركب اللمبة عشان نسي يفصل الكوبس.
​وهم راجعين، قدام العمارة، مازن سألها:
— ينفع أمسك إيدك؟
​فريدة كانت هتدمع.
​مش عشان رومانسية.. عشان الاحترام.
​— ينفع.
​مسك إيدها من غير ما يضغط، من غير ما يتملك، ومن غير ما يحسسها إنها محبوسة.
​مشى جنبها وبس.
​بعد 3 سنين من الليلة دي، فريدة رجعت القاهرة عشان الشغل. الشركة بعتتها معرض الكتاب في التجمع. مبقتش المصممة الجديدة خلاص، بقت مديرة القسْم البصري لكتب الدار كلها. معاها فريق، وهالات سودا محترمة تحت عينها، وشنطة سفر نظيفة أغلى بكتير من الشنطتين اللي هربت بيهم.
​في اليوم الثاني.. شافته.
​كريم.
​كان واقف في أجنحة دور النشر، بيكلم حد. شعره أقصر، وشه أهدى.. وشهد مكنتش معاه.
​هو كمان شافها.
​في ثانية واحدة، العالم عمل الحركة السخيفة دي وصغر فجأة.
​فريدة اتنفست.
​العالم رجع لحجمه الطبيعي.
​كريم قرب:
— فريدة.
​— كريم.
​مفيش مزيكا..
مفيش مطر..
مفيش دراما.
​— شكلِك حلو أوي — قالها.
​— أنا كويسة.
​وطى رأسه وابتسم بكسرة:
— مبسوط لكِ.
​ولأول مرة، فريدة صدقته. مش عشان يفرق معاها، بس عشان الكلمة مكنتش طالعة بـ صُنّارة عشان تشدها.
​— وانت؟
​— أحسن.. مش تمام أوي، بس أحسن.
​— محدش بيبقى تمام أوي.
​سكتوا ثانية.
​— شفت شغل لكِ — قال كريم — جميل جداً.
​— شكراً.
​— انتِ طول عمرك شاطرة.
​زمان.. فريدة كانت ممكن تستنى سنين عشان تسمع الجملة دي منه.
​دلوقتي، جأت كأنها صفحة في كتاب هي خلاص مقتنعة إنها مش محتاجة تقرأه تاني.
​كريم اتنفس بتقل:
— مش هتأسف تاني.. اتأسفت كتير وبوقت متأخر. بس عايز أقولك شكراً إنك مبرجعتيش.
​فريدة بصت له:
— شكراً؟
​— لو كنتِ رجعتِ، كنت هفضل زي ما أنا.. يمكن أسوأ. غيابك هو اللي أجرمني أشوف نفسي من غير ما أتجمل قدام الجمهور.
​فريدة حسيت بحزن خفيف.. مش وجع، حزن إنساني.
​— كان صعب أوي مبرجعش — قالت له.
​كريم قفل عينيه ثانية:
— دلوقتي أنا عارف دا.
​— لأ.. انت معندكش فكرة.
​فتح عينيه.. والمرة دي مجادلش.
​— عندك حق.
​الرد البسيط دا، من غير دفاع، ورّاها إن يمكن في حاجة جواه اتغيرت فعلاً.
​مش عشانها هي.. بس اتغيرت.
​— خلي بالك من نفسك يا كريم.
​— وانتِ كمان يا فريدة.
​مشوا.
​فريدة مبصتش وراها فوراً. ولما بصت، كان لسة واقف بيراقبها وهي بتبعد. بس مكنتش حاسة بحبل مشدود في صدرها.
​مفيش غير مسافة.. وبس.
​بالليل اتصلت بمازن من الفندق.
​— شفته.
​— هو؟
​— أيوة.
​— إزيك دلوقتي؟
​فريدة بصت من الشباك على المدينة اللي حبت فيها، وترجت فيها، واستنت فيها، واختفت منها.
​— كويسة.
​— كويسة بجد ولا كويسة بتاعة “مأسألش”؟
​ابتسمت:
— كويسة بجد.
​سكتوا ثواني.
​— مازن.
​— نعم؟
​— شكراً إنك عمرك ماسألتني أنا ليه جيت بشنطتين.
​— قلت هتحكيلي لما تحبي وتكوني جاهزة.
​— أظن إني جاهزة النهاردا.
​— وأنا سامعك.
​الليلة دي فريدة حكت له كل حاجة.
​مش مجرد أحداث.. حكت له عن مشاعرها.
​الـ 27 مكالمة..
الـ 43 رسالة..
الـ “تمام”..
الصورة..
التعليق..
الأتوبيس..
السقف البارد..
السرير المكسور..
المية..
والإيد اللي استأذنت قبل ما تلمس إيدها.
​مازن مقاطعهاش.
​وفي الآخر قالها:
— أنا مبسوط إنك وصلتي شقة 601.
​— وأنا كمان.
​— و602 برضه!
​فريدة ضحكت:
— دي كانت خدمة جليلة!
​— جداً.. بالذات ليا أنا!
​بعد سنة.. فريدة ومازن نقلوا سوا. مش شقة 601 ولا 602. شقة جديدة بأسانسير، بلكونة كبيرة، ومكان يكفي الجنرال، اللي قبل النقلة بمنتهى القرف والتعالي بتوعه!
​الاتنين مضوا العقد سوا.
الاتنين بيدفعوا الإيجار.
الاتنين معاهم مفاتيح.
​أول ليلة، وهم قاعدين وسط الكراتين، مازن سلمها نسخة المفاتيح:
— مفتاحك.
​فريدة أخدته:
— مش هتقول “بيتنا”؟
​— ممكن.. بس هتبقى حنيكة ورومانسية زيادة!
​— شوية فعلاً.
​— وبعدين البيت مش المفتاح.. البيت هو اللي بتعمليه بعد ما تفتحي الباب.
​فريدة بصت له.
​ساعات الحياة بترد لك جمل مكنتيش عارفة إنك محتاجة تسمعيها.
​مااتجوزوش على طول.. مكنش في استعجال.
​فريدة اتعلمت تقلق من القصص اللي بتتقفل بخواتم وخلاص. عاشوا الأول.. اتخانقوا على الزبالة، على القط، على المواعد، وعلى الطريقة الصح لتعليق الفوطة.
​بس خناقات مختلفة..
​من غير غياب..
من غير عقاب بالسكوت..
من غير ما ينزلوا صور مع ناس ثانية عشان يوجعوا بعض..
ومن غير ما يتحول الحب لرهان!
​بعد 5 سنين من الليلة دي، الساعة 1:17 بالليل، فريدة لقت السكرين شوتس بالصدفة على نسخة قديمة في الجوجل درايف.
​الصورة.
التعليقات.
“وهي أمتى مبتجيش زاحفة وترجع تترجاني؟”
​فضلت باصة للشاشة.
​مازن كان في الصالة بيركب رفوف.
​— كل حاجة تمام؟
​— أيوة.
​— بتتفرجي على إيه؟
​— عفريت قديم.
​قرب منها، بس مابصش على الشاشة بالعافية.
​فريدة وّرتها له.
​مازن قرأ بسكات.
​وبعدين قال:
— يا لهوي على الغباء والاستحقاقية!
​قالها بتلقائية خلت فريدة تفرك ضحك.
​— جداً.
​— تحبي تمسحيهم؟
​فريدة بصت للصور.
​سنين وهي شايلاهم معاها كإثبات.. كمصل.. كتذكرة عشان مأترجعش.
​بس خلاص.. مبقتش محتاجة دليل على وجعها عشان تصدق قرارها.
​حددت الكل.
​مسح.
​التليفون سألها: “هل تريد الحذف نهائياً؟”
​ضغطت: نعم.
​الشاشة رجعت فاضية ونظيفة.
​مفيش انفجارات..
مفيش دراما سينمائية..
مجرد نفس أعمق وأهدى.
​— خلاص — قالت له.
​مازن رجع للرفوف:
— زي الفل.
​— محتاج مساعدة؟
​— أيوة.. ولو الكتالوج طلع غلط هحط العيب على الشركة!
​— كالعادة!
​— العادات والتقاليد محترمة!
​فريدة قامت تساعده.
​وهي ماسكة لوح الخشب، فكرت في البنت اللي خرجت من الحمام ليلة كاملة، وشافت صورة كسرت حياتها نصين. كان نفسها تحضنها.. تقولها إن عدم العياط مش معناه جفاء، وإن المشي مكنش جبن، وإن شنطتين اتنين كافيين جداً لبداية جديدة. إن الدور السادس من غير أسانسير هيوجع رجليها، بس هيعلمها إزاي تطلع وتعتمد على نفسها. إن جار شايل كيس زبالة مكنش طوق نجاة، بس كان وجود حنين في طريق هي اختارته بنفسها.
​وإن كريم.. مع الوقت، هيبقى مجرد اسم عادي.
​الحياة مبرجعتلهاش اللي ضاع بالظبط.. الحياة مابتشتغلش كدة.
​أدتها حاجات ثانية:
مدينة جديدة..
شغل بتاعها..
قط قليل الأدب..
ترابيزة بتتهز شوية..
وراجل بيستأذن قبل ما يمسك إيدها.
​وفوق دا كله.. رجعت فريدة لنفسها.
​ساعات لما حد كان بيسألها ليه مشيت من غير ما تقول لحد، فريدة كانت بتمسح بابتسامة وتقول:
— عشان كنت اتكلمت كتير أوي مع حد mكنش عايز يسمعني.
​ولما يسألوها لو كانت فكرت ترجع، كانت بتقول الحقيقة:
— أيوة.. ميت مرة.
​بس مابرجعتش.
​مبرجعتش في عيد ميلاده..
ولا لما مسح الصورة..
ولا لما جه ببوكيه ورد..
ولا لما بعت جوابات..
ولا لما قال إنه بيحبها..
ولا حتى لما كان قلبها لسة بيوجعها.
​لأن الواحدة مش محتاجة تبطل تحب عشان تختار كرامتها.
​محتاجة بس.. مرة واحدة.. مَتردش على المكالمة.
مرة واحدة.. تقفل الباب.
مرة واحدة.. تركب الأتوبيس.
مرة واحدة.. توصل لمدينة جديدة بشنطتين وقلب مكسور.
وتكتشف مع الوقت.. إنها مكنتش تايهة.
كانت بتدور على الباب اللي هيخرجها للنور.
​الحياة اللي كريم وعد بيها مع غيرها مبقتش تلزمها.
​وحياة فريدة بدأت من الليلة دي، لما شالت الصور، ومسحت اسمها من عالمه، وفهمت إن المشهد اللي الكل كان مستنيه — إنها ترجع زاحفة تترجاه — مش هيحصل أبداً.
​أبداً.
​ولا في العمر دا.. ولا في أي عمر تاني تفتكر فيه هي اتكلفت إيه عشان تلاقي نفسها من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *