شماته وفخر
حصري لصفحة روايات رولا
بصتلي بنتي بنظرة فيها شماتة وفخر، وهي بتعلن بدم بارد إنها نقلت كل مليم سابهولي جوزي المرحوم لحساب جوزها التجاري.
بس لما رديت عليها ببرود تام وقلت: “شيء مدهش فعلاً..” مكانتش فاهمة إن البنك كان مستني التحويل ده بالذات عشان ينفذ التعليمات.
”الفلوس راحت خلاص يا ماما.. مابقاش حيلتك حاجة.”
كانت مريم قاعدة جنب جوزها شريف على الكنبة في صالة بيتي في المعادي، شكلهم كان يدي على إنهم خلاص حسموا المعركة وصاحب الحق خسر.
شريف اتفرد في قعدته وغطس جوة الشلت، كأن البيت خلاص بقى ملكه.. نفس البيت اللي عشت فيه أنا وحسين تلاتة وأربعين سنة.
زودت مريم على كلامها وقالت: “كان المفروض تحترمي جوز بنتك أكتر من كده يا ماما وتعمليلو حساب.”
أنا اسمي نادية.
عندي واحد وسبعين سنة، وكان بقالي شهرين بس دفنة جوزي.
السرطان خد مني حسين بالبطيء.
ما فارقتوش لحظة.. في كل جلسة علاج، كل مستشفى، كل نوبة وجع، وكل ليلة نفضل صاحيين فيها للصبح مش عارفين ننام من الألام.
خلال الشهور الأخيرة من حياته، مريم جمت زارته تلات مرات بالعافية.
وكان شريف بيجي معاها كل مرة، بس عينه مكانتش على الراجل الراقد بيموت قدامه.. عينه كانت بتلمع على دفاتر التوفير، وبوالص التأمين، وعقود ملكية الشقة والأرض.
بس أول ما الجنازة خلصت والعزا اتقفل، فجأة بقوا حنينين بشكل يريب.
يجيبولنا الطلبات لحد البيت، يتعزموا عشان يراجعوا معايا الورق والورثة، وكل شوية يفكّروني: “إحنا مابنعملش كل ده غير عشان نريحك ونشيل عنك يا ماما.”
كنت مكسورة، ومطحونة من الحزن، وعقلي مش قادرة يفكر في حاجة.
لما حطوا قدامي رزمة أوراق وقالولي دي إتخاذ إجراءات روتينية، مضيت من غير ما أقرا كل صفحة التفاصيل الصغيرة.
دي مريم.. بنتي اللي شالتها إيديا.. عمر ما جه في بالي إنها ممكن تغدر بيا.
بعد أسبوعين، دخلوا عليا الشقة وبكل بجاحة أعلنوا إنهم حولوا مية ألف جنيه—كل اللي كان فاضل في الحساب المشترك—لحساب الشركة بتاعة شريف.
قال شريف وهو رافع راسه بمنتهى التكبر: “توقيعك على التوكيل أدانا الصلاحية كاملة.. وكل حاجة تمت بالقانون.”
وكملت مريم: “إحنا محتاجين الفلوس دي عشان نعمل بيها مستقبلنا ونكبر شغلنا.. إنما انتِ خلاص يا ماما، عشتي حياتك مع بابا وأخدتي نصيبك.”
كلماتها القاسية دي صحّت جويا ذكرة لما حسين قبل ما يموت بيومين وطى عليا ووسوس في ودني:
“أول ما أمشي يا نادية.. الفلوس هي اللي هتكشف المعادن الحقيقية اللي المستور كان مغطيها. لو اليوم ده جه، أوعي تخافي.. خليكي هادية وراقبي في سكات.”
وفجأة.. كل حاجة وضحت قدام عيني.
الحساب المشترك ده عمره ما كان ثروة حسين الحقيقية.
ده كان مجرد طُعم.. اختبار حسين كان مرتبه من زمان قوي.
فضلوا بصينلي، مستنيين إني أصرخ، أو أعيط، أو أترجاهم يرجعولي مليم من الفلوس.
بس أنا بصيت في عين مريم مباشرة وبكل هدوء.
قلت لها: “شيء مدهش فعلاً.”
الابتسامة الشامتة اللي على وشها اتمحت في ثانية.
بصت حواليها في الصالة، وبدأت تتفحص العفش والحيطان كأنها بتحسب في سرها إيه تاني تقدر تاخده.
قالتلي: “المفروض تبيعي الشقة دي وتنتقلي لشقة صغيرة في فيصل ولا الزقازيق.. البيت ده كبير قوي على ست عجوزة عايشة لوحدها.”
قلت بصوت قاطع: “لا.”
وش شريف اتشنج وقال: “من غير الفلوس دي، مش هيكون عندك اختيار تاني يا حجة.”
كانوا فاكرين بجد إن المية ألف جنيه دي هي كل ما حيلتي وكل تاريخ حسين.
قمت من كرسيي، مشيت لحد باب الشقة، وفتحته على آخره.
”اطلعوا برة بيتي.”
مريم قامت ببطء، وعينيها تحولت لكتلة جمد: “لما تظلم الدنيا في وشك وما تلاقيش تمن القرش، أوعي تجي تقفلي على بابي وتطلبي مساعدة.”
رديت عليها بثبات: “ما تقلقيش.. عمرها ما تحصل.”
أول ما عربيتهم مشيت واختفت من الشارع، دخلت على مكتب حسين.
قبل ما يتوفى، كان قايلي إن لما اللحظة المناسبة تيجي، أفتح درج معين في مكتبه الخشب.
فتحت الدرج، ولقيت دوسيه جلد أسود فاخر.. مكتوب عليه بره بماء الذهب:
إلى حبيبتي نادية.. لما ييجي الوقت المناسب.
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتحه.
أول صفحة كانت جواب مكتوب بخط إيد حسين اللي حافظاه:
“حبيبتي ونور عيني نادية.. لو بتقري الجواب ده دلوقتي، يبقى في حد من اللي حوالينا كشف عن وشه الحقيقي وأثبت إنه ما يستاهلش حبنا.”
المية ألف جنيه دي مكانتش ثروتنا ولا حاجة.. دي كانت نتوة بسيطة جداً لا تذكر من اللي حسين سابه.
حسين كان أصل أمن حياتنا بالكامل؛ أصول وشهادات استثمار مغلقة، وصناديق ائتمان باسمي، وأملاك وعقارات في الشيخ زايد والتجمع بتدر دخل شهري، وبوالص تأمين ضخمة لا مريم ولا جوزها كانوا يحلموا حتى إنها موجودة.
في آخر سنين حياته، حسين رتّب كل حاجة في السكات عشان أعيش بقية عمري عزيزة نفس، وما أحتاجش لأي مخلوق في الدنيا ولا أكون تحت رحمة حد.
وفي أخر صفحة في الدوسيه، لقيت ملحوظة صغيرة حسين كاتبهالي:
“أول ما الحساب المشترك يفضى والتحويل يتنفذ، البنك يفهم فوراً إن الوقت جه، وهيبدأ الإجراء الثاني.”
في نفس اللحظة دي.. موبايلي رن.
على الشاشة كان ظاهر اسم مدير فرع البنك اللي بنتعامل معاه من تلاتين سنة.
أخدت نفس طويل وتنهيدة أمل قبل ما أرد.
جالي صوته الهادي: “أهلاً يا مدام نادية.. الأستاذ حسين الله يرحمه كان بلغنا إن اليوم ده هييجي، وحصل التحويل المشبوه فعلاً. دلوقتي حظرنا حسابات شريف بالكامل بتهمة الاستيلاء، وفعلنا الودائع والحسابات المغلقة الخاصة بحضرتك.”