جواز حصري لصفحة روايات رولا
جزء 1
— اتجوزيه وهو غايب عن الوعي كده.. محدش هيسألك إذا كنتِ موافقة ولا لأ.
فريدة افتكرت إنها سمعت غلط. من ليلتين بس كانت بتنام جوه عربية شاهين مكهنة ورا مطعم فول في شبرا. ودلوقتي واقفة قدام المأذون جوه قاعة خاصة في فيلا بالتجمع الخامس، لابسة فستان مأجرينه من محل رخيص، وجنبها راجل ج\ثة هامدة على سرير مستشفى.
سليم العطار بقاله 8 شهور مغمض عينيه ومش حاسس بالدنيا.
في مصر كلها، عيلة العطار كان اسمها بيفتح الأبواب المقفولة ويهز أكبر رجال الأعمال. عيلة مسيطرة على مخازن، وأسطول نقل، وعقود بمليارات. بس من وقت الحادثة اللي دخلت سليم في غيبوبة، وابن عمه مازن مسك زمام كل حاجة في المجموعة.
والجوازة دي كانت فكرته هو.
ماكنش بيجوز اتنين.. كان قاصد يذل سليم ويكسر كبريائه وهو مش حاسس.
— “سليم العطار الكبير.. يتجوز واحدة كانت بتنام في الشارع جوه عربية؟”
سمعت واحد من المعازيم بيبهامس بالكلمات دي وضحكاتهم المكتومة مالية المكان. فريدة ضغطت على صوابعها بوجع. هي وافقت على المهزلة دي عشان مازن وعدها يدفع مصاريف علاج أمها “هدى”، المحجوزة في دار لرعاية مرضى ألمزهايمر وفقدان الذاكرة الشديد. ماكنش حيلتها ولا مليم ولا ليها حد يلجأله.
بس مازن ماكنش يعرف حاجة مهمة أوي.
فريدة ماكنتش طول عمرها شغالة في القهاوي ولا بياعة.
لسنين طويلة، كانت فريدة ممرضة في العناية المركزة. ومن ثلاث سنين اتسحبت منها رخصتها ومستقبلها اتدمر بعد ما مريض مات بسبب أمر طبي متزور عليه إمضتها. هي حلفت وقتها إنها عمرها ما أمضت على الورقة دي، بس محدش صدقها ورموها في الشارع.
ولما جيه الوقت عشان تحط الخاتم في إيد سليم، فريدة وطت عليه، وبحكم خبرتها القديمة كممرضة، عينها راحت تلقائياً على المونيتور، وخرطوم المحلول، وحلقة عين الراجل.
في حاجة مش طبيعية.. في حاجة غلط.
همست بصوت واطي جداً وهي بتحط الخاتم:
— “أنا معرفكش.. بس النهاردة إحنا الاتنين أضحوكة الناس. أنا على الأقل مش هستهزأ بيك ولا هسيبهم يكسروك.”
في الليلة دي، أخدوها على قصر العطار. المسؤول هناك بلغها بلهجة جافة إنها لازم تفضل قريبة من “جوزها” وماتفارقوش.
لما دخلت الأوضة الطبية اللي معموله في الدور التاني، جسمها اتجمد في مكانه.
جنب السرير كان واقف الدكتور فاروق.
نفس الدكتور اللي من ثلاث سنين قدم قدام لجنة التحقيق في المستشفى الورقة المزوّرة اللي عليها إمضاء فريدة ودمر حياتها.
هو ما افتكرهاش ولا عرفها.
قالها وهو بيقفل شنطته وبيداري إزازه صغيرة جوه جيبه:
— “ماتلمسيش أي حاجة هنا.. أنا المسؤول عن حالة المريض.”
فريدة استنته لما خرج. وبعدين سحبت كرسي جنب السرير وقررت تقعد وماتنامش.
على مدار ثلاث ليالي، كانت عينها على كل تفصيلة.
أكياس المحلول كانت بتتغير في أوقات غريبة جداً. الدكتور فاروق كان بيجي دايماً لوحده، مابيكتبش التقرير الكامل، وبياخد الإزايز الفاضية معاه وهو ماشي وما بيسيبش أي أثر.
في الفجرية بتاعة اليوم التالت، فريدة عملت نفسها نايمة، وشافته بعينها وهو بيحقن وريد سليم بمادة مش مكتوبة في أي روشتة أو جدول علاج متعلق جنب السرير.
أول ما الدكتور مشي، سحبت أجيندا قديمة من شنطتها.
كتبت فيها المواعيد، ردود فعل الجسم، التغيرات في النبض، وكل زيارة.
وفي أخر الصفحة كتبت بخط يدها:
”سليم العطار مش غايب عن الوعي بسبب الحادثة.. في حد بيتأكد إنه عمره ما يفوق.”
فريدة بصت للراجل المرمي قدامها وحست ببرودة بتجري في دمها.
الدكتور اللي دمر حياتها زمان، هو نفسه اللي واقف على رأس حالة الراجل اللي أجبروها تسميه جوزها.
ومازن العطار هو اللي جابه وحطه جنبه.
ماكنتش مصدقة اللي على وشك إنه يحصل…
جزء 2
فريدة كانت عارفة إنها لو اتهمت الدكتور فاروق من غير دليل قاطع مش هتوصل لحاجة. بالنسبة للكل، هي مجرد ممرضة مشطوبة ومكسورة الشرف ومستقبلها ضايع، وواحدة معهاش مليم وافقت على جوازة مهينة ومجنونة عشان الفلوس.
عشان كده عملت الحجة الوحيدة اللي بتفهم فيها: المراقبة والسكوت.
كانت بتسجل كل زيارة للدكتور، وبتحاول بذكاء تمنع المواد المشبوهة إنها توصل لجسم سليم من غير ما تفتعل مشاكل. ماكنتش بتفتكس علاجات من عندها؛ كانت بتلتزم بالتعليمات الطبية السليمة المكتوبة في الجدول، وبتراعي الراجل وكأنها لسه لابسة بالتو المريض وموجودة في العناية المركزة.
في فجر يوم من الأيام، حمادة، رئيس حراسة سليم الشخصي، دخل الأوضة فجأة ولطشها وهي واقفة جنب الأجهزة.
مسكها من إيدها بغضب وقالها:
— “ابعدي عن السرير! مين اللي زاقك علينا وبتبعثي لمين؟”
فريدة فتحت شنطتها وسحبت الأجيندا وحطتها في إيده ببرود:
— “لو فاكر إني جاية أقتله، خد عينة من المحلول ده ووديها لمعمل تحاليل بره.. معمل مايكونش مازن اشترى ذمته. وبعدها ابقى قرر مين فينا اللي يستاهل يتربط بالكلابشات.”
بعد يومين، حمادة رجع القصر ووشه أصفر زي الليمونة.
التحاليل أثبتت إن المحلول فيه مادة مخدرة ومهدئة للأعصاب بجرعات عالية مادتش أي إشارة في الخطة العلاجية المعلنة.
ساعتها حمادة كشفلها عن سر أكبر وأخطر: الليلة اللي حصلت فيها الحادثة، سليم كان رايح يقابل شخص معاه مستندات وأوراق بتثبت اختلاس ملايين من شركة العطار.. والشخص ده اتقتل قبل الميعاد بساعات.
فريدة جسمها قشعر. الموضوع طلع أكبر من مجرد تزوير أو جري\مة طبية.. دي سلسلة من الجرائم المتكاملة.
بعدها بيمين، مازن طلبها في مكتبه، وحط قدامها أوراق ومستندات رسمية عشان تمضي عليها، وتعمل توكيل رسمي للتصرف في أملاك سليم.
فريدة وهي حاطة وشها في الأرض سمعت مازن بيكلم المحامي بصوت واطي:
— “الأول كل حاجة تتقيد باسم البت دي.. وبعدها ابن عمي يقدر “يتوكل على الله” ويرتاح في سلام من غير ما حد يشك فينا.”
فريدة فهمت اللعبة بسرعة: عاوزين يستغلوا إمضاها لتمرير قرارات كارثية ومحو أملاك سليم، ولما سليم يموت تتلبس هي في الجري\مة.
عشان كده مثلت الدور.. عملت نفسها غبية ومش فاهمة حاجة. كتبت التاريخ غلط، وسألت بعبط “أبصم هنا ولا أمضي؟”، وفي الآخر دلقت كباية القهوة على الأوراق بالكامل!
مازن خرج من المكتب وهو بيتطاطا من الغيظ، ومتأكد إنه اشترى واحدة جاهلة ومش فاهمة الألف من كف الرعب.
في نفس الأسبوع، وفي ليلة كانت فيها مطرة ورعد شديد، فريدة غلبها النوم وهي قاعدة على الكرسي جنب السرير.
صوت حركة خفيفة صحاها.
فتحت عينها وقامت فزعة.. لقيت سليم باصص لها وعينيه مفتوحة.
بعد 8 شهور كاملين.. سليم فاق من الغيبوبة.
بصلها وصوته طالع مكتوم ومجروح من قلة الاستعمال:
— “انتِ مين؟ ومين اللي دافعلك عشان تقعدي هنا؟”
فريدة خافت في الأول، بس وقفت بثبات وبصلت في عينيه من غير ما تطأطئ:
— “أنا الست اللي ابن عمك اشتراها عشان يذِلك بيها ويضحك عليك الناس.. وأنا برضه الشخص الوحيد اللي اكتشف إن في حد بيحقنك بمواد عشان تفضل غايب عن الوعي وما تفوقش أبداً.”
طلعت له الأجيندا وتقرير المعمل وكلمته عن الدكتور فاروق والتنويم المستمر.
أول ما نطقت اسم “مازن”، ملامح سليم اتغيرت وقست بشكل يرعب.
قال ببرود قاتل:
— “يبقى لازم مايعرفش إني فقت.”
من الليلة دي، الأوضة اتحولت لغرفة عمليات سرية. حمادة كان بيدخل في الخفاء بالليل بعد ما القصر كله ينام. فريدة كانت بتساعد سليم عشان يسترد عافيته ورجليه تشيله تاني. يدوب بدأ يقعد، وبعدها يقف، وبعدين يتحرك خطوات بسيطة حوالين السرير.
في نفس الوقت، سليم بدأ يحرك خيوطه السرية بره القصر وفي المجموعة. شركاء لمازن بدأوا ينسحبوا فجأة، وعقود كبيرة اتعطلت.
مازن بدأ يشك إن في حاجة غلط بتدور من وراه.
أمر أتباعه ينبشوا في ماضي فريدة ويدوروا وراها.
ولقى المفاجأة.. اسم المريض اللي بسببه اتسحبت رخصتها واتدمرت حياتها: “عماد الهواري”.. المحاسب الرئيسي القديم لعيلة العطار!
نفس الراجل اللي من ثلاث سنين كان رايح يسلم سليم أدلة السرقة والاختلاس!
مازن قفل الملف بابتسامة خبيثة، ورفع التليفون على الدكتور فاروق:
— “عندنا مصيبة ولازم تترتب فوراً.”
في الدور التاني، سليم كان لسه بيمثل إنه غايب عن الوعي ومغمض عينيه قدام الكل.
بس مازن ماكنش يعرف إنه مش بيدور ورا ست غلبانة ومكسورة.. ده كان رايح برجليه لاتجاه اتنين فهموا الحقيقة كاملة، ومحدش فيهم ناوي يسيبه يهرب بعملته.
جزء 3
من اللحظة دي، كل يوم جوه قصر العطار بقى عبارة عن مسرحية ملعوبة بذكاء.
بالنهار، سليم ج\ثة هامدة على السرير. فريدة بتمثل دور الزوجة المغلوبة على أمرها اللي مش فاهمة أي حاجة في العز والمستوى اللي أتركبت فيه فجأة. وحمادة واقف بعيد بحذر عشان ما يلفتش النظر.
بس بالليل، المسرحية بتنتهي والحقيقة بتبدأ.
سليم كان بيتدرب على المشي بمساندة كرسي وتحت إشراف فريدة الطبي. عضلاته كانت ضعيفة جداً وميته من كتر القعدة والنوم.
في ليلة من الليالي، رجليه خانته ووقع على الأرض.
فريدة جرت عليه عشان تشيله، بس هو رفع إيده بسرعة وقالها بصوت ناشف:
— “سيبيني أحاول لوحدي.”
قعد أكتير من دقيقة يصارع عافيته لحد ما قدر يقعد على حيله من تاني وهو بيلهث.
بصلها وقال:
— “طول عمري اتعودت أقوم لوحدي ومستناش إيد تتمدلي.. دي أول مرة في حياتي حد يفضل واقف جنبي وأنا بقع.”
فريدة ماسردتش بكلمة.. فضلت واقفه جنب منه بس.
الجملة دي غيرت حاجة كبيرة في المشاعر اللي بينهم.
وفي الأيام دي، فريدة اكتشفت إن الراجل اللي مصر كلها بتقول عليه قاسي ومابيرحمش، محتفظ بمطواة خشب قديمة جداً بتاعة أمه المتوفية. سليم حكالها إن أمه ماتت وهو صغير عشان الإسعاف والرعاية الطبية اتأخروا عليها، وعشان كده كان حاطط ثلاث خطوط حمراء في شغله وممنوع حد يتعداهم: ممنوع اللعب مع الحريم، ممنوع أذية الأطفال، وممنوع قطع عيش الشغالين والعمال اللي مالهمش ذنب في الخلافات.
قالها وهو باصص بعيد:
— “ماتفكرش إن ده طيبة قلب.. أنا عملت حاجات كتير مش فخور بيها.”
ردت عليه بثبات:
— “يبقى لسه قدامك فرصة تختار هتصلح إيه باللي فاضل من عمرك.”
بعدها بأيام، رجعت الحاجة “صفية العطار”، جدة سليم والكلمة الكبيرة والعقل المدبر للعيلة. ست عندها 78 سنة، تقدر بنظرة واحدة تسكت القصر كله.
أول القضايا اللي سمعتها كانت قصة فريدة: البنت اللي جابوها القصر عشان يذلوا بيها سليم، وبدل ما تقعد وتتمتع بالخير، قضت لياليها كلها صاحية جنب راجل مريض وميت بالنسبة للناس.
بعدها بليالي، الحاجة صفية عملت حفلة خيرية كبيرة لتبرعات المستشفيات.
وهناك، فريدة اتفاجأت بـ “تامر”، مدير المستشفى القديم اللي اتسحبت منها رخصتها فيه، وكان خطيبها السابق اللي فص ملح وذاب أول ما الصيبة وقعت على رأسها.
لما شافها واقفة وسط عيلة العطار، بصلها باحتقار وقال بصوت عالي قدام الناس:
— “هو محدش قالكم إن الهانم مطرودة من شغلها ومسحوب منها ترخيص التمريض بسبب إنها موتت مريض؟”
المكان كله سكت ومحدش نطق.
قبل ما فريدة ترد، صوت عكاز الحاجة صفية خبط في الأرض بقوة هزت القاعة:
— “في البيت ده، إحنا مابنحكمش على البني آدم بالمكان اللي كان بينام فيه إمبارح.. إحنا بنحكم عليه بلي بيعمله لما بيكون فاكر إن محدش شايفه. وحضرتك دلوقتي وريتنا أصلك وفصلك قدام الكل.”
ونادت على حد تاني يسلم التبرع ورفضت تتعامل معاه.
مازن كان واقف بيراقب من بعيد، وفهم إن فريدة مابقتش كارت محروق أو لعبة سهلة.
عشان كده جاب “كارما”، خطيبة سليم القديمة، اللي كانت رمت له الخاتم ورجعت له حاجته بعد الحادثة بأسابيع قليلة.
مازن دخلها أوضة سليم وهو فاكر إن سليم مش حاسس بحاجة:
— “أول ما يفوق أو يموت، عاوزك تكوني هنا. انتِ ليكِ اسم وعيلة، إنما التانية دي مجرد أداة وبتقضي غرض.”
— “ونصيبي من التورتة؟”
— “هيوصلك وزيادة.”
سليم كان سامع كل كلمة وددمه بيغلي، بس كاتم في نفسه ومغمض عينيه.
لما فريدة دخلت وشافت كارما بتمسك خرطوم المحلول بجهل، قربت فوراً:
— “من فضلك ابعدي إيدك عن الخرطوم.”
مازن ابتسم بخبث:
— “أعرفك.. دي كارما، اللي كان المفروض تكون حرم سليم العطار.”
ردت فريدة ببرود:
— “مايهمنيش مين تكون.. هي بتمسك أجهزة طبية مش فاهمة فيها حاجة. اتفضلوا بره الأوضة.”
لما الباب اتقفل، سليم فتح عينيه وبصلها:
— “ضايقتك؟”
— “من الناحية الطبية بس.”
— “أه طبعاً.. طبية.”
ولأول مرة من يوم ما فاق، سليم ابتسم من قلبه.
في نفس الأسبوع، “هدى” أم فريدة، اتنقلت فجأة لدار رعاية متخصصة وفخمة جداً، وكل المصاريف مدفوعة ومحدش عارف مين اللي دفع.
فريدة لما سألت حمادة، عينيه راحت لوحدها ناحية أوضة سليم.
في الليلة دي دخلت عليه ومسكت فيه:
— “عملت كده ليه؟”
— “عشان طول الثمان شهور اللي فاتوا، انتِ البني آدمة الوحيدة اللي دخلت الأوضة دي وماكانتش عاوزة تاخد مني حاجة.”
في زيارة من الزيارات، أم فريدة جتلها لحظة صفاء نادرة من مرض ألمزهايمر. فريدة كانت بتطهر إيد أمها، فأمها مسكت إيدها وجمدت عليها وقالت:
— “فريدة.. إيديكي لسه ماتعرفش الخوف ولا الارتعاش يا بنتي.”
وبعد ثواني رجعت تاهت تاني في ذكرياتها، بس الكلمتين دول أدوا لفريدة طاقة تكفيها سنين.
الهدوء ده ماطولش.. “أم سعاد”، الخدامة القديمة في القصر، جرت على فريدة وهي بتبكي وبتعترف إن مازن بيمهادها وبيجبرها تنقل له كل حاجة بتدور في الأوضة، لأنه اشترا ديون ابنها وبيهددها بالحبس والدمار.
— “هو عرف إن الأستاذ سليم بدأ يتحسن.”
فريدة طبطبت عليها وقالت:
— “انتِ مش خاينة.. انتِ مهددة ومجبرة.”
مازن تأكد من شكوكه بنفسه. دخل الأوضة لوحده، ولما افتكر إن فريدة بره، قرب من سليم المغشي عليه وقال بشر:
— “عندي ليك خبر بمليون جنيه عن مراتك.. عملت حادثة إمبارح بالليل وماتت.”
جهاز النبض والمونيتور ضرب بسرعة وزاد معدل ضربات القلب فجأة!
مازن ابتسم بشر وسعادة.
في اللحظة دي الباب اتفتح وفريدة دخلت:
— “مين دي اللي ماتت؟”
مازن اتنطر في مكانه وكأنه شاف عفريت! بصل للمونيتور تاني لقى النبض رجع منتظم وطبيعي جداً. خرج من الأوضة وهو بيتكتك، بس الشك بقى يقين عنده.
في نفس الأسبوع، عربيتين حاولوا يزنقوا على فريدة ويقلبوها في الترعة وهي راجعة من عند أمها. بس حمادة كان باعت حراسة وراها بطلب من سليم، وقدروا ينقذوها في أخر لحظة.
لما سليم عرف باللي حصل، جاتله حالة انهيار وعصبية شديدة من قلة حيلته وغضبه. فريدة فضلت جنبه وتهديه لحد ما فاق.
أول ما فتح عينيه، سأله بلهفة:
— “عملوا فيكي حاجة؟ جرالك حاجة؟”
دموعها نزلت وقالت له:
— “انت كنت هتموت من شوية.. وده أول سؤال تسأله؟”
سليم مسك إيدها بحنية وضغط عليها.
حمادة قالهم: “كده اللعب بقى في المكشوف ومابقاش ينفع نستنى أكتير من كده.”
بعدها بليلة، فريدة جتلها رسالة إن أمها تعبت أوي وتنقلت على مخزن في منطقة صناعية. هي كانت عارفة إنه فخ ومصيدة، بس حمادة كان زرع جهاز تتبع صغير جوه جلدة الأجيندا بتاعتها.
فريدة راحت للمكان.. كان مخزن مهجور في منطقة أبو رواش.
مازن كان واقف هناك ومعاه أربعة بلطجية، وحاطط على التربيزة شيك بمبلغ ضخم وورقة إقرار.
— “امضي هنا إنك الموافقة على رفع الأجهزة ومنع التدخل الطبي عن سليم، خدي الشيك واختفي من مصر كلها.. وأمك مش هتحتاج جنيه طول حياتها.”
فريدة مسكت الورقة.. وراحت قاطعاها نصين ورمتها في وشه:
— “أنا خسرت شغلي ومستقبلي بسبب إمضاء مزورة.. مش هصلح حياتي بإمضاء حقيقية تقتل بني آدم.”
وش مازن اتغير والشر ظهر فيه.
فريدة قعدت تتكلم وتطول في الكلام عشان تكسب وقت، وتسأله هيقول إيه للبوليس وللحاجة صفية.
مازن فقد أعصابه وقال:
— “محدش هيسمعك هنا ولا حد هيدورك عليكي!”
— “بس أنا سامع كل حاجة.”
الصوت جه من وراهم عند الباب!
مازن اتجمد في مكانه ومش مصدق.
سليم العطار كان داخل وواقف على رجليه، ساند على عكاز خشب بس واثق في خطوته.
صح مش بنفس صحته القديمة، بس واقف وطالع منه هيبة ترعب.
وراه دخل حمادة ورجالته المسلحين وحاصروا المكان.
مازن بذهول:
— “مش ممكن.. انت..!”
سليم رد ببرود:
— “مش ممكن؟ دي الكلمة اللي كنت بتقولها كل يوم وأنا سامعك من على السرير.”
الدكتور فاروق حاول يهرب من باب ورااني، بس رجالة حمادة جابوه من قفاه. سليم ماطلبش يقتله أو ينتقم بنفسه؛ كان عاوز الكل يروح للنيابة وللحاجة صفية وهو صاحي.
تاني يوم، سليم طلب اجتماع عاجل لمجلس إدارة العيلة.
لما دخل القاعة وهو ماشي على رجليه، الناس قامت اتنطرت من أماكنها! كارما وقعت كاس العصير من إيدها، وتامر مدير المستشفى اللي كان معزوم أصفر وشرب المية كلها من الصدمة.
مازن حاول يلعب أخر كارت وقال وهو بيزعق:
— “الست دي لعبت في دماغه ودتله أدوية! دي رد سجون ومطرودة من شغلها ولها سوابق!”
حمادة طلع الأجيندا وتحاليل المعمل وسجلات الدكتور فاروق وحطهم على التربيزة.
وأم سعاد دخلت واعترفت قدام العيلة كلها بتهديدات مازن ليها.
ساعتها مازن طلع قسيمة الجواز وقال بأعلى صوته:
— “دي حتى مش مراته! إمضاء سليم على قسيمة الجواز دي مزورة! الست دي مالهاش أي صفة ولا ليها علاقة بالعيلة!”
سليم مسك القسيمة وبص فيها، وبعدين بص للجميع وقال:
— “كلامه صح.. الجوازة دي كانت تزوير ومؤامرة هو اللي عملها.”
القاعة اتملت همس ووشوشة.
سليم كمل بصوت قاطع هز القاعة:
— “بس سهرها جنب سرياري 8 شهور ماكنش تزوير.. خوفها عليا ماكنش تمثيل.. ورفضها للفلوس عشان تنقذ حياتي كان حقيقي 100%. قولولي انتوا بقا.. إيه اللي يعمل عيلة؟ قبالة ورقة حقيقية بقلب مزيف وخاين؟ ولا ورقة مزيفة بقلب حقيقي وأصيل؟”
محدش قدر ينطق بكلمة.
حمادة حط ملف أخيرة على التربيزة.. ملف “عماد الهواري”.
المحاسب القديم اللي اكتشف سرقات مازن، وقبل ما يوصل لسليم، الدكتور فاروق بوظ له العلاج في المستشفى وتزور إمضاء فريدة عشان تتربس هي في القض\ية ويسكتوا المحاسب للأبد.
وتامر ساعد في قفل القض\ية عشان يحمي سمعة مستشفاه.
وفليلة الحادثة، سليم كان رايح ياخد النسخ الاحتياطية من أوراق عماد الهواري.
سليم بص لمازن وقال:
— “الأول خلصت من عماد.. وبعدين حاولت تخلص مني.. ولما جيت تغطي الجريمتين، استخدمت نفس الممرضة من غير ما تعرف هي مين.”
مازن بصل لفريدة واكتشف السخرية القاتلة.. الست اللي اختارها عشان فاكرها غلبانة وضعيفة وماحيلتهاش حاجة، طلعت هي الشخص الوحيد في الدنيا اللي يقدر يفهم اللعبة ويكشف السر اللي كان مخليه غايب عن الوعي!
الحاجة صفية قامت وقفت، والمجلس كله أيدها.
مازن اتجرد من كل مناصبه وأسهمه وممتلكاته وتحول للنيابة بتهمة محاولة القتل والاختلاس. الدكتور فاروق وتامر دخلوا السجن، وكارما سحبت حالها وخرجت يغطيها العار.
بعدها بأسابيع، سليم طلب فريدة في مكتبه.
كان حاطط على المكتب ظرف ورقي وعلبة قطيفة صغيرة.
الظرف كان فيه ورقة بتثبت إن الجواز الأولاني باطل قانوناً، ومرفق معاه عقد شقة تمليك باسم فريدة ومبلغ مالي كبير يؤمن حياتها هي وأمها طول العمر.
سليم بصلها وقال بصدق:
— “انتِ دخلتي هنا مجبورة.. اشتشروكي وجابوكي جنب سريري وقرروا مصيرك. أنا مش هكرر نفس الجري\مة.. لو عوزتي تمشي وتعيشي حياتك، انتِ حرة تماماً.”
فريدة فتحت العلبة القطيفة..
لقيت جوة كارنيه نقابة التمريض بتاعها متجدد، ومعاه قرار رسمي من النيابة ببرائتها التامة من ق\ضية قت\ل عماد الهواري ورد اعتبارها.
إيدها بدأت ترتعش من الفرحة والدموع في عينها:
— “أنا كنت فاكرة إني عمر ما هرجع لشغلي تاني..”
رد عليها سليم:
— “وأنا كنت فاكر إني عمر ما هفتح عيني تاني.”
سليم ماطلبش منها تفضل..
وعشان كده هي اختارت تفضل.
بعد أشهر، رجعوا لنفس القاعة الخاصة اللي شهدت المهزلة الأولى.
بس المرة دي ماكنش في سرير مستشفى ولا محاليل.
سليم كان واقف طوله بصحة وعافية، ولابس بدلة عريس بجد.
وأم فريدة كانت قاعدة في أول كرسي، وفي لحظة صفاء من لحظاتها بصت لبنتها بالفستان الأبيض وقالت بابتسامة:
— “فريدة يا بنتي.. يا زينة البنات.”
فريدة جرت عليها حضنتها قبل ما تطلع للمأذون.
سليم مسك إيد فريدة وقالها قدام الكل:
— “أول مرة غيرنا قرروا عنا إحنا وبنعمل إيه.. النهاردة أنا بختارك وأنا فايق، وواقف على رجلي، وعارف انتِ مين كويّس.”
ابتسمت فريدة والدموع في عينها وقالت:
— “وأنا بختارك النهاردة لأن بقى عندي القدرة أقول “لأ”.. بس اخترت أقولك “أيوة”.”
وده كان الفرق الكبير.
مع الوقت، مجموعة العطار نظفت كل شغلها المشبوه ورجعت للحق. سليم فهم إن النجاة مالهاش لازمة لو هيعيش في نفس الظلم اللي كان هيموته.
وفريدة فتحت مركز طبي خيري للفقراء بتطوير وتأمين كامل، ورجعت تمارس تمريض وتحضر العلاج بإيدها. وكل ما كانت تخلص حالة صعبة، كانت بتفتكر كلمة أمها:
“إيديكي لسه ماتعرفش الخوف ولا الارتعاش يا بنتي.”
مازن كان فاكر إن كل بني آدم وله سعر يتباع بيه..
بس الحقيقة اللي أثبتتها فريدة كانت حاجة تانية خالص:
قيمة البني آدم مابتتقاسش كان بينام فين إمبارح، ولا باسم عيلته، ولا برصيده في البنك.. قيمته بتبان في التصرف اللي بيختاره لما بيكون فاكر إن محدش شايفه.
والحب مش عقد، ولا قسيمة، ولا تجارة.. الحب بيبدأ بجد لما اتنين يكون عندهم كل الحرية إنهم يمشوا.. ويفضلوا مختارين إنهم يفضلوا مع بعض