الجواب حصري لصفحة روايات رولا
– لو لقيتي الجواب ده يا بنتي، يبقى أخيرًا متّ من غير ما تجيلي الشجاعة إني أقولك الحقيقة في وشك.
دي كانت أول جملة قريتها في الجواب اللي لقيته تحت 189,400 جنيه مستخبيين في علبة الدقيق القديمة بتاعة أمي.
البيت كان لسة ريحته بخور، وقهوة متحوجة متسخنة، وورد العزا. في الصالة، الكراسي الصاج اللي الخالات قعدوا عليها يقرويلها الفاتحة ويدعولها بالرحمة امبارح بالليل كانت لسة محطوطة زي ما هي. أخويا مصطفى كان عمال يلم الحاجات في كراتين وبيربطها بدوبارة بسرعة، كأن لَمّ ذكريات وستر ست عندها 76 سنة زيّه زي نِقلة عفش وخلاص.
– لازم نخلص النهاردة يا سارة –قالها بزهق– مش هنفضل واقفين جنب الماضي طول عمرنا.
بس الماضي كان قاعد مستنيني جوة في المطبخ.
أمي، الحجة فاطمة، كانت مجمعة المطبخ بنظام يرعب. العلب بالتواريخ، الرز في زكيبة صغيرة، السكر في برطمانه الأزرق، والبهارات مرصوصة بالأسماء. كل حاجة لها مكانها وشفايفها مقفولة عليها. ما عدا شوية حقايق.
فوق خالص في أخر رف، كانت فيه علبة صاج بيضة وفيها ورد أزرق. وأنا صغيرة، حاولت مرة أمد إيدي وأجيبها عشان نعمل كيكة، أمي زقتني زقة جامدة طيرت من تحتي الكرسي وقعدت أصرخ من العياط.
بعدها عملتلي كوباية شاي بلبن، وقعدت تسلكلي شعري بإيديها وتقولي معلش يابنتي سامحيني، بس عمرها ما قالتلي ليه العلبة دي بالذات ممنوع حد يهوب ناحيتها.
بعد تلاتين سنة، مديت إيدي ونزلتها.
كانت تقيلة أوي. تقيلة بشكل يخوف.
لما فتحتها، مالقيتش دقيق. لقيت فلوس قديمة، شوية ملفوفين بدوبارة خيش، وشوية جوة أظرف بيضا. الهوا وقف في زوري وماكنتش عارفة أخد نفسي.
مصطفى دخل المطبخ ورجليه شايلاه بالعافية، وشه اتخطف وبقى شبه الملاية البيضا.
– إيه ده؟!
– كانت جوة علبة الدقيق.
– أكيد دي فلوس كانت شايلاها للظروف والزنقات يعني.
بصلته وأنا مش مصدقة. يجي مية وتسعين ألف جنيه مش فلوس انبوبة ولا قسط نور.
تحت الفلوس كان فيه ظرف مكتوب عليه بخط أمي المقلقل والمترعش:
سارة.
ماكتبتش “لأولادي”. ماكتبتش “لمصطفى وسارة”.
كتبت: سارة… وبس.
إيديا كانت بتترعش قبل حتى ما أفتح الظرف.
الجواب كان تلات ورقات. أول جملة نزلت عليا زي قلم على وشي. التانية كسرت ضهري.
سامحيني يا سارة. كان لازم أقولك عبد الله عمل إيه في التعويض بتاعك.
حسيت المطبخ بيلف بيا والحيطان بتميل.
كان عندي 17 سنة لما عربية نقل نص نقل خبطتني قدام سوق السيدة زينب. رجلي اتكسرت حتتين، وتلات ضلوع اتشرخوا، وقعدت شهور مش عارفة أنام من كتر الوجع. شركة التأمين دفعتلي تعويض. جوز أمي “عبد الله” هو اللي خلص كل حاجة، عشان على كلامه وقتها “البت صغيرة ومش فاهمة حاجة في القضايا والورق”.
قالنا وقتها إن التعويض كان 420 ألف جنيه، وصرفنا أغلبهم على المستشفى والعلاج الطبيعي والمحامين. والباقي حلف إنه شايلهولي عشان لما أتم 18 سنة.
ولما كملت الـ 18، عبد الله حط فولدر فاضي قدامي وقال إنه خلاص الفلوس خلصت مصاريف، والورق ماباقيش منه جنيه.
قعدت أعيط. وأمي قعدت تعيط معايا.
لسنين طويلة كنت فاكرة إنها بتعيط عشان شايفاني مكسورة الخاطر ومقهورة.
دلوقتي بس فهمت إنها كانت بتعيط من الخزي والعار.
كملت قراية والدموع بتغطي عينيا.
التعويض الحقيقي ماكانش 420 ألف.
كان 630 ألف جنيه.
عبد الله أخد كل حاجة.
أمي اكتشفت الموضوع ده بعد خمس سنين، وهي بتبعبس في ورق درج مكتبه. واجهته، نكر، وزعق، وكسر أطباق المطبخ وطردها. وفي الآخر اعترف إنه أخد الفلوس عشان يسد ديونه، ويشتري عربية، ويكمل بيها المبناني في دور السطوح.
أمي ماتكلمتش ومابلغتش.
ماسبتش البيت.
وماقالتليش ولا كلمة.
في الجواب، كتبت جملة وجعتني وأهانتني أكتر من حادثة العربية نفسها:
خوفت على بيتي وجبنت، واخترت خوفي على حقك وعدلك يا بنتي.
من يومها بدأت تاخد من جيب عبد الله. 50 جنيه في 50 جنيه. 100 جنيه في 100 جنيه. واستخبت بيهم في علبة الدقيق. ولما عبد الله ساب البيت ومشي مع واحدة تانية، فضلت تحوش في العلبة دي من معاشها، ومن العيدية، ومن الجمعيات، وحتى من القرشين اللي ورثتهم عن اختها.
لسنين طويلة كانت بتحاول ترجعلي اللي تقدر عليه بأي طريقة.
بعدين لقيت ورقة أخيرة، ملفوفة لوحدها ومتثبتة ببلاستر قديم مأكسد.
من برة مكتوب:
إياكي تقري دي في البيت. خديها وروحي بيها على بنك مصر فرع الأوبرا… واسألي عن الأستاذ كامل.
قمت وقفت وعلبة الدقيق في حضني زي العيل الصغير.
مصطفى وقف في وشي وسد عليا الباب.
– سارة، بلاش دراما ونبي. أمي خلاص ماتت وراحت لربنا، وعبد الله غار في داهية هو كمان ومات. هنكعبس في المحفار ونفتح في كلام فارغ ليه دلوقتي؟
الجملة دي جمدت الدم في عروقي.
– أنت كنت عارف؟!
مصطفى جز على سنانه ووشه جاب ألوان.
– لا.