ضرب اخويا ليا حصري لصفحة روايات رولا

​الجزء الأول
​”هاتي مفتاح الخزنة يا حرامية!”، دا اللي صرخه أخويا قبل ما يلطشني بقلة أدب في نص صوان العزا وأبويا لسه على وش الدنيا بين أيدينا.
​حتى صلاة الجنازة والذكر ما كانوش خلصوا لما حسيت بقبضة إيده بتفتح لي شفتي. طعم الدم ملا بؤي، وفستاني الأسود اتملا بقع على صدري، وصويت عمتي اتخلط مع صوت الكراسي وهي بتتخلع لما ولد عمي حاولوا يمسكوه ويكتفوه.
​أبويا، الحاج إسماعيل الدسوقي، كان لسه جوه الصوان، إيديه متكتفة على المصحف اللي أنا حطيته له الصبح بنفسي.
​وأخويا طاهر، ابنه المقرب للدنيا كلها، كان واقف قدامي وكأن الميت دا مش أبونا، دا مكنة ATM ولسه قافلة في وشه.
​”دي كوشت على كل حاجة!” صرخ بعلو صوته وهو بيحاول يتملص من اثنين من ولاد عمي حابسينه. “من يوم ما أبايا تعب، والست دي بتشيل وتعين من وراه وتخليه يبصم! عاوزه تسرق نصيبي في الورث!”
​الناس بدأت تتهامس وتتوشوش.
​في العزا، الواحدة بتبقى فاكرة إن الكل جاي يدعي للميت ويترحم عليه. دي أوهام. فيه ناس بتيجي عشان تقيس السجاد، تحسب الشقق والقياريط، وتشوف مين اللي بيعيط بصوت عالي ومين اللي ساكت.
​أنا كنت مريم، البنت الهادية. اللي عايشة مع بابا في بيت العيلة في مصر القديمة. اللي كنت بديه العلاج، وأقيس له الضغط، وأعمل له الشوربة لما زوره يقفل وما يقدرش يبلع. اللي قضت ليالي على كرسي بحر جنب سريره في قصر العيني، في الوقت اللي طاهر كان بيبعت فيه رسائل يقول إن “الزحمة واقفة في الدائري” أو “بكرة هبقى أجي أشوفه”.
​بس قدام العيلة، طاهر كان دايماً هو الولد المظلوم، الشاب السعيق.
​رجل الأعمال.
​اللي دايماً يقول إنه على وشك يقفل “صفقة بمليون جنيه”، مع إن محدش فينا كان عارف هو عايش منين أساساً.
​مسحت الدم بمنديل. إيدي كانت بترتعش، بس صوته ما ارتعش لحظة.
​”الخزنة هتتفتح في البيت،” قلتها. “وهتتفتح قدام الكل.”
​طاهر أخرج ضحكة مكسورة وناشفة.
​”بقيتي بتأمري وتنهي؟ فاكرة نفسك مين يعني؟”
​”الموصى ليها بالإدارة.”
​السكوت نزل على المكان أتقل من ريحة البخور.
​عمي حلمي، أخو أبويا، قام من أول صف ووشه أحمر من الغضب.
​”أبوكي عمره ما كان يقدم بنت على ابنه الراجل.”
​بصيت على الخشب بتاع الصوان. ما عيطتش. أنا كنت خلاص خلصت دموعي في طرقات المستشفى لما الدكاترة كانوا بيكلموني بصوت واطي، وبابا يمسك إيدي بجامد وكأنه لسه عاوز يحميني.
​”هو ما قدمش حد على طاهر،” رديت بثبات. “هو بس حط الأمانة في إيد الشخص اللي لسه يقدر يثق فيه.”
​الكلمة دي كانت الشرارة اللي ولعت السم.
​نهى، مرات أخويا، قربت وهي لابسة نظارة شمس كبيرة وسلسلة لولي ما تليقش أبداً مع تمثيلية الحزن المفتعلة دي.
​”مريم، بلاش تكبري الموضوع. طاهر بس عاوز يطمن على حقه. الحاج الله يرحمه كان قايل له إن الخزنة دي فيها عقود شقق، ودولارات، وأوراق استثمار.”
​”يبقى هنشوف كل حاجة مع بعض،” قلتها وأنا ببص لها.
​طاهر بص لي نفس البصة بتاعة زمان ونحنا عيال، لما كان يكسر حاجة ويقول مريم هي اللي كسرتها. بقلة أدب وثقة واحد مقتنع إن حنية الناس هتفضل دايماً غطا يحميه.
​المشوار للبيت كان شبه موكب ثقيل ومريحش. الجيران كانت بتتفرج من البلكونات. القرايب دخلوا البيت ومعاهم صواني الأكل وشيلل العيش، ووشوش جيعانة مستخبية ورا تمثيل الحزن.
​الخزنة كانت في مكتب بابا، ورا صورة الآية القرآنية المعلقة على الحيطة. الكل كان عارف مكان الصورة. محدش كان عارف السر غيري.
​طاهر كان ماشى ورايا، ونفسه العالي طالع في رقبتي.
​”افتحيها يا مريم،” همس في ودني. “وأول ما اللي جوه يطلع، هتطلعي برة البيت دا فوراً.”
​”البيت دا مش بتاعك.”
​”كل حاجة سابها الحاج بتاعتي. أنتِ كنتِ مجرد ممرضة ببلاش.”
​حسيت بضربة تانية، بس المرة دي ما نزلتش دم.
​طلعت المفتاح من سلسلة كانت مستخبية تحت فستاني. بابا كان مديهولي قبل ما يموت بثلاث أيام، لما كان بالعافية بيطلع النفس.
​”ما تسيبيهوش غير لما ينزع القناع قدام الكل،” دا اللي قاله لي وقتها.
​حطيت المفتاح. درته.
​الخزنة اتفتحت بتكة باردة خلت حتى نهى تبطل تعيط وتصوت تمثيل.
​جوه، ما كانش فيه رزم فلوس. ولا دولارات. ولا مجوهرات. ولا عقود جاهزة للتوزيع.
​ما كانش فيه غير ست أظرف مقفولة بشمع، وفلاشة، وجواب مكتوب بخط بابا المرتعش.
​وش طاهر اصفرّ وجمّد.
​مسكت الجواب من غير ما أفتحه.
​”قبل ما أقرأ دا،” قلت بصوت عالي، “بابا طلب مني أكون حاضرة مع المحامي بتاعه.”
​من الصالة برة، جه صوت هادي ومستقر:
​”أنا موجود بالفعل.”
​المتر الأستاذ مصطفى دخل المكتب، ووراه اثنين من موظفين البنك، وست من النيابة العامة لقضايا كبار السن.
​طاهر قطع النفس.
​ولأول مرة في حياته كلها، أخويا ما بصليش على إني الأخت الضعيفة اللي يقدر يخوفها ويفركشها.
​بص لي على إني الشاهد الوحيد اللي ما كانش ينفع يلمسه أو يضربه أبداً.
​وساعتها بس فهمت ليه بابا طلب مني أستنى للحظة دي بالذات، والعيلة كلها ملمومة، ودمي لسه ناشف على فستاني.
​عشان اللي جوه الخزنة ما كانش ورث…
​دي كانت مصيدة وتقفلت على رقبة الكل.
​الجزء الثاني
​المتر مصطفى حط الأظرف على مكتب بابا وكأنه بيرتب قطع دومينو قبل ما يوقع العيلة كلها.
​”بطلب من حضراتكم محدش يخرج من الأوضة،” قالها بهدوء. “كل اللي هيتفتح هنا جزء من إجراءات توثيق وتحقيق بدأ من قبل وفاة المرحوم الحاج إسماعيل الدسوقي.”
​طاهر طلع موبايله بسرعة.
​الست بتاعة النيابة بصت له من غير ما ترفع صوتها:
​”تقدر تطلب محاميك. بس لو حاولت تمسح محادثات، أو تحول فلوس، أو تبلغ حد من المتورطين، دا كله هيتسجل عليك في المحضر.”
​طاهر حط التليفون في جيبه.
​نهى قلعت النظارة السودا. عينيها كانت ناشفة تماماً.
​أنا فتحت جواب بابا.
​لو طاهر اتهم مريم إنها بتسرقني، اقرأوا الكلام دا للكل. هي ما أخدتش فلوسي. هي حمت الشوية اللي هو ما لحقش يشفطهم.
​البيت اتملى بصريخ وهيصة.
​”الكلام دا تزوير!” صرخ طاهر. “أبويا في ألايامه الأخيرة ما كانش دريان بحاجة! هي اللي كتبت الكلام دا!”
​واحد من موظفي البنك، راجل لابس بدلة رمادي، حط تابليت على المكتب.
​”البصمة والتوقيع متسجلين فيديو، ومعتمدين من تقرير طبي، وشاهدين معتمدين.”
​عمي حلمي نزل عينيه في الأرض.
​أنا فتحت أول ظرف.
​جواه كانت كشوفات حسابات بابا: التوفير، الاستثمار، حساب الشركة، والودايع. في خلال 11 شهر، أكتر من 34 مليون جنيه اتسحبوا في تحويلات صغيرة وكبيرة لثلاث شركات وهمية مسجلة باسم طاهر.
​استشارات فنية.
​مقدمات عقارات.
​قروض طارئة.
​خدمات إدارة.
​أسماء شيك ومحترمة عشان تداري على سرقة بلطجية ببدل.
​”أبويا هو اللي وافق على التحويلات دي!” طاهر قالها. “هو طول عمره مؤمن بمشروعاتي!”
​”لا،” رديت عليه. “أنت افتكرت إن محدش هيراجع أكواد التفويض والرمز السري.”
​على مدار سنين، طاهر كان بيتريق على شغلي. كان يقول عليّ “ست أكسيل”، وإنهم بيلعبوا بيا بالفلوس عشان أعمل أرقام. ما كانش يعرف إن شغلي في مراجعة الحسابات والتفتيش المالي في شركة عالمية، وبجيب الفواتير المضروبة والشركات الفانتوم من تحت الأرض.
​بابا كلمني قبل ما يموت بست شهور. كان خايف. جاله إخطار من الضرائب على حركات أموال هو ما يعرفش عنها حاجة. طلب مني أراجع وراه من غير ما أقول لطاهر.
​في الليلة دي لقيت أول الخيط.
​توكيل قديم كان اتلغى من سنتين، اتستغل عشان يتغير بيه نظام الحسابات في البنك. كشوفات الحسابات بقت تروح على عنوان تاني. أرقام السر اتغيرت. وتفويضات بتتم بفيوز مكالمات يتقال فيها إن الحاج “تعبان ومش قادر ييجي البنك”.
​في الظرف الثاني كان فيه سجلات الدخول للحسابات من مكتب طاهر في المهندسين.
​وفي الظرف الثالث، تسجيلات صوتية.
​صوت طاهر طلع من سماعة موبايل المحامي:
​”بعد العزا على طول هنبيع بيت العجمي. أختي مش حاسة بحاجة خالص. دي عايشة فاكرة إن خدمة الكبار فضيلة وكرامة.”
​نهى بعدت عنه خطوة وكأنها اكتشفت فجأة إنها واقفة جنب حريقة.
​”طاهر،” همست. “أنت مش قلت لي إن دا جزء من الورث بدري؟”
​مسك إيدها بجامد: “انطمي أنتِ!”
​الست بتاعة النيابة سجلت الحركة دي في دفترها.
​طاهر ساب إيد نهى ولف للباقيين:
​”دا فيلم محبوك! مريم بتكرهني من ونحنا عيال! طول عمرها عاملي فيها القديسة عشان تكوش على بابا!”
​”لا،” قلت له. “أحنا إديناك ثلاث فرص.”
​فكرته بالمكاتبات الرسمية اللي ما ردش عليها. بالاجتماع في البنك اللي خاف يحضره. بالريبورتاج الصوتي اللي بابا بترجي فيه بصوت ضعيف إنه يرجع الفلوس قبل ما الفأس تقع في الرأس.
​طاهر وقتها قال عليه كبر وخرف.
​وفي نفس اليوم حول 4 مليون و200 ألف جنيه تانيين.
​المتر مصطفى فتح الظرف الرابع.
​”العملية دي تمت والحاج إسماعيل كان عنده تقرير طبي رسمي بعدم القدرة على إدارة أمواله بنفسه.”
​ثقة طاهر اتهزت لثانية، بس البلاطة والشر رجعوا تاني.
​”حتى لو أخدت الفلوس، أنا ابنه! كده كده كانت هتبقى بتاعتي!”
​المحامي رفع عينه فيه:
​”والدك غير عقد التركة والوصية.”
​طاهر بص لي بعيون مليانة غل:
​”عشان يكتب لك كل حاجة؟”
​”مش بالظبط،” قال المحامي.
​وصلت الفلاشة بالكمبيوتر اللي في المكتب.
​الشاشة عرضت بابا قاعد على نفس الكرسي اللي محدش قادر يقعد عليه دلوقتي. كان خاسس، وعينيه غايرة، بس حكيم وواعي. بص للكاميرا مباشرة.
​”طاهر،” بدأ يتكلم، “لو بتشوف الفيديو دا، يبقى أنت اخترت الطمع على أخر فرصة إديتهالك.”
​طاهر هجم على الكمبيوتر.
​موظفين البنك وابن عمي دانيال مسكوه وكتفوه.
​بابا كمل كلامه:
​”ولو كنت مديت إيدك على أختك، اعرف حاجة واحدة. هي مش معاها كل الأدلة في الخزنة دي. الأهم من دا كله في حتة تانية.”
​طاهر بص لي.
​شاف شفتي المفتوحة. شاف فستاني المتوسخ دم. شاف العيلة كلها بتنفر منه.
​وفهم متأخر أوي إن الضربة اللي ضربهالي ما سكتتنيش…
​دي كانت القشة اللي قطمت رقبته.
​الجزء الثالث
​فيديو بابا استمر ثمان دقائق.
​محدش اتنفس وصوته مالي المكتب. برة في الصالة، نساء المنطقة كانوا لسه بيرتبوا صواني القهوة والقرص، من غير ما يعرفوا إن جوه البيت بيتقام عزا من نوع تاني: عزا أكبر كدبة عاشت فيها العيلة.
​بابا أخد نفسه بالعافية في التسجيل. كان حاطط بطانية على رجليه وإيديه رفيعة أوي.
​”طاهر،” قال، “أنا وقفت جنب لما أول مشروع ليك اتخرب. ووقفت جنبك لما عملت الحادثة وأنت سكران وأمك الله يرحمها لسه عايشة. ووقفت جنبك لما كنت مديون للظوبار وحلفت إنها أخر مرة. كل مرة كنت بتطلب النجدة، كنت بخلط بين الحنية وبين إنقاذ واحد ما يستاهلش.”
​طاهر هز رأسه بنفي، بس اللسان اتلجم.
​على الشاشة، بابا بص للأسفل. كان باين إن كلمة الحق طالعة بوجع أشد من المرض نفسه.
​”لما مريم اكتشفت السرقات، طلبت مني أبلغ عنك فوراً. أنا اللي طلبت منها تستنى. مش عشان شاكك فيها، بس عشان كان عندي أمل ابن يتصلح حاله قبل ما السجن يعلمه اللي ما عرفتش أعلمهوله.”
​عمتي جليلة أخرجت شهقة بكاء.
​عمي حلمي كان لسه واقف جنب الباب، ووشه زي اللي اكتشف إنه كان بيدافع عن الحرامي بداعي الأصول.
​الفيديو كمل:
​”بعت لك ثلاث رسائل. قلت لك تعال شوفني. قلت لك إني عرفت بالتحويلات. أنت ما جيتش. بعت ورد مع دليفري، وتاني يوم سحبت فلوس زيادة.”
​نهى حطت إيدها على بؤها.
​الست بتاعة النيابة سألتها بصوت واطي لو عاوزة تخرج. نهى هزت رأسها بـ لا. لأول مرة، كانت باينة مش مرات طاهر، دي مجرد ضحية تانية في مسرحيته.
​بابا أخد نفس عميق:
​”مريم عمرها ما طلبت مني البيت. ولا مجوهرات، ولا عقود. هي طلبت مني الإذن عشان تحمي اللي فاضل، وعشان بعد موتي الحقيقة تطلع من غير شتيمة ولا تهديد. لو أنتم ملمومين النهاردة، فدا بطلبي أنا.”
​الكاميرا اتهزت شوية. أظن أنا اللي كنت بظبط الموبايل وقتها، من غير ما أعرف إن دا هيكون أخر صوت بابا يدافع بيه عني.
​”أنا كتب البيت بتاع مصر القديمة لمريم، لأنها ما تعاملتش معاه كغنيمة. تعاملت معاه كبيت لما أنا ما بقيتش قادر أطلع السلم. وأي فلوس ثانية هترجع من طاهر، هتتحول لـ “جمعية إسماعيل الدسوقي لحماية حقوق كبار السن”، عشان نساعد بيها المساكين اللي أهاليهم بياكلوا حقوقهم.”
​طاهر طلع ضحكة مكسورة.
​”دا كلام فارغ! الراجل دا كان خرفان! مريم شحنت دماغه ضدي!”
​كلمة “الراجل دا” نزلت على الكل زي الصاعقة.
​ما قالش “أبويا”.
​ما قالش “بابا”.
​قال “الراجل دا”.
​وفي الكلمة القاسية دي، اتفتحت طاقة جهنم على كدبته.
​المتر مصطفى قفل الفيديو.
​لثواني، ما كانش مسموع غير صوت الدقة بتاعة ساعة المكتب القديمة. الساعة اللي بابا كان بيملاها كل جمعة، حتى وهو مش قادر يرفع دراعه.
​بعدها، صوت سرينة الشرطة ضربت في الشارع.
​طاهر بص ناحية الشباك:
​”عملتي إيه؟” سألني.
​أنا ما رديتش.
​دخلوا اثنين ضباط مباحث معاهم أمر ضبط وإحضار. الست بتاعة النيابة عرفت نفسها رسمي، ووضحت إن بناءً على البلاغ المفتوح من الحاج إسماعيل قبل وفاته، تم تنفيذ التحفظ بناءً على التلبس بالاعتداء ومحاولة إخفاء أدلة.
​طاهر كان عمل الثلاث حاجات في أقل من ساعة.
​واحد من الضباط طلب منه يقف.
​طاهر رفع إيديه، مش استسلام، دا كان حب شو ومنظرة.
​”دا كلام عيب وصمة عار!” صرخ. “بتنزلوا كلبشات في إيد ابن في يوم عزا أبوه؟”
​ابن عمي دانيال، اللي كان طول عمره سلبي، قال أخيراً:
​”لا. أحنا بنقبض على حرامي ضرب أخته جنب نعش أبوه.”
​محدش دافع عنه.
​دا كان أول عقاب حقيقي لطاهر: سكوت الناس اللي كانت بتطبل له زمان.
​عمي حلمي قرب مني خطوة:
​”مريم يا بنتي…”
​”لا،” قلتها.
​ما صرختش. ما كانش له لزمة.
​هو سكت وقفل بؤه.
​قضى سنين يقول طاهر طايش، طاهر راجل، طاهر عليه ضغوط، طاهر محتاج زقة، طاهر بكرة يعقل. وفي نفس الوقت، أنا كنت النكدية، الباردة، القاسية، المفتراية اللي ما بتحبش العيلة.
​العائلات أوقات مش بتحمي البريء. بتحمي الفكرة اللي تخيلهم يناموا مرتاحين من غير ضمير.
​نهى بدأت تعيط لما موظف البنك بلغها إن حساباتها هي كمان اتجمدت. السلسلة اللولي، العربية، شقة التجمع، وحتى المطعم اللي طاهر كان بيتفشخر بيه كلها كانت متمولة من فلوس بابا المسروقة.
​”أنا ما كنتش اعرف كل دا،” نهى قالتها.
​الست بتاعة النيابة بصت لها:
​”يبقى عندك فرصة تقولي الكلام دا في التحقيق.”
​طاهر اتعافر وهو بياخد الكلبشات.
​”مريم،” قالها، وصوته بيحاول يرجع صوت الأخ الحنين. “قولي لهم إن دا سوء فهم. عشان خاطري. أحنا إخوات.”
​قربت منه.
​الدم على شفتي كان نشف، بس الوجع كان بيحرق مع كل كلمة.
​”على مدار عشر سنين، كل ما كنت بتحتاج جنيه، بابا كان بيفتح لك جيبه. كل ما كنت بتهينني، كان يقولي معلش دا أخوكي. كل ما كنت بتكدب، كان حد بيطلع لك عذر.”
​عينيه اتملت غل:
​”وهسدد لك كل مليم.”
​”منين؟”
​ما ردش.
​المتر مصطفى فتح أخر ظرف.
​كان فيه أوراق التحفظ على الشركات، العقارات، العربيات، والحسابات. التقرير بتاعي كان جايب الفلوس بالمليم: شقة، عربيتين أحدث موديل، عملات رقمية، حساب في اسكندرية، وشركة استيراد ما دخلتش بضاعة بجنيه.
​طاهر بص للأوراق وكأنه بيشوف نعشه هو.
​”أنتِ خططتي لكل دا،” همس.
​”بابا هو اللي خطط إن الحقيقة تعيش. أنا مجرد شيلت المفتاح.”
​لما أخدوه ومشيوا، ناس طأطأت رأسها، وناس خرجت للشارع تعمل نفسها بتتكلم في التليفون. محدش كان قادر يواجه الحقيقة.
​عمتي جليلة حضنتني. كان ريحتها صابون غسيل وحزن قديم.
​”سامحيني يا بنتي،” قالت لي. “أنا افتكرتك بتهولي الموضوع.”
​حضنتها، بس ما وعدتهاش بحاجة.
​بعد الظهر، دفنا بابا.
​التراب نزل على الخشب بصوت ما بيتنسيش. طاهر ما كانش موجود. ولا نهى. فستاني كان لسه مبقع دم، بس ما رضيتش أغيره. الدم دا كان جزء من الشهادة.
​بعد ثلاث شهور، طاهر اعترف بجرايمه. الموظف المرتشي بتاع البنك اعترف عليه. أثبتوا التزوير واستغلال التوكيل الملتغى والسرقة. طاهر أخد حكم بالسجن مع إلزام برد المبالغ، والمنظرة اللي كان عايش فيها اتهدت فوق رأسه.
​نهى اتطلقت منه قبل الجلسة الأخيرة. سلمت العربية والشقة والمجوهرات. ما عرفش هي كانت ضحية ولا شريكة، بس اتعلمت إن مش كل الأجابات بتجيب راحة.
​عمي حلمي جه البيت كذا مرة. جاب ورد، وأكل، وأعذار. قبلت كلامه، بس ما رجعتلوش المكانة بتاعة زمان.
​موت بابا علمني درس قاسي: المسامحة مش معناها تقعد حد على ترابيزتك بعد ما ساعد في كسرها.
​بعد سنة، حولت مكتب بابا لمقر “جمعية إسماعيل الدسوقي”. شيلت الخزنة من الحيطة وحطيت مكانها صورة لبابا في العجمي، بيضحك ولابس طاقية شكلها يضحك كنت اشتريتهاله من السوق.
​أول حالة ساعدناها كانت ست من بنها، حاجّة فاطمة، ابن أخوها كان واكل معاشها وبيتها بالنصب. لما رجعت أوراقها، مسكت إيدي وعيطت بهدوء.
​ساعتها فهمت إن بابا ما سبليش ورث…
​هو سبلي رسالة.
​البيت رجع يتملى أصوات تاني. محاميين، محاسبين، ناس غلابة، جيران جدعان. ناس جاية بملفات متعبية وأمل كان خلاص هيضيع.
​كل حالة كانت شكل، بس الوجع واحد: حد افتكر إن الكبر معناه الضعف، وإن القرايبة تدي الحق في السرقة.
​في ذكرى وفاة بابا، رحت المدافن لوحدي.
​أخدت معايا فل، الورد اللي كان بيشتريه لأمي كل جمعة. قعدت قدام القبر ولمست الندبة الصغيرة اللي على شفتي. كانت خلاص اتقفلت وبقت علامة بيضا خفيفة.
​طلعت مفتاح الخزنة من السلسلة.
​”شيلت الأمانة يا بابا،” قلت. “زي ما طلبت مني.”
​حطيت المفتاح تحت اسمه، بين الورد.
​ولأول مرة من يوم العزا، حسيت إن نفسي راجع لي تاني.
​وأنا طالعة من المقابر، الشمس كانت مالية الشارع. كان فيه زحمة، وبياع طعمية، وست بتزعق لابنها، والدنيا ماشية بضوضائها العادية.
​بصيت ورايا مرة واحدة بس.
​وبعدها مشيت لبيتي.
​مش بيت الورث…
​البيت اللي الحقيقة فيه، أخيراً، ما بقاش عندها حاجة تخاف منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *