الم الولاده حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
في نص العشا العائلي، صرخت وأنا ماسكة نفسي: “يا جماعة، أنا بتألم.. ألم الولادة بدأ!”
رد بابا بمنتهى البرود وهو مش باصصلي أصلاً: “اتصلي بالأسعاف وما تفتعيش مواضيع وتدوشينا، سيبينا ناكل.”
ولا واحد فيهم اتحرك من مكانه ولا فكر يمد إيده يساعدني.
​بعد أسبوع بالظبط، لقيتهم واقفين على باب بيتي وباصينلي بابتسامة عريضة وكأن مفيش حاجة حصلت، وأمي بتقول: “جايين ونفسنا نشوف حفيدنا حبيبتنا!”
رديت عليهم بجمود: “أنتم سبتوني لوحدي وبموت في الليلة دي.”
وفجأة، الراجل اللي كان واقف ورايا قرب وفتح الباب على آخره.. وبس بابا لمحه، وش وش فجأة وألوانه اتخطفت.
​وأنا في الشهر السابع، كنت خلاص اتعلمت إن ما استنّاش أي حنية أو رحمة من عيلتي. بس بالرغم من كده، عمري ما اتخيلت إنهم يسيبوني قاعدة على ترابيزة السفيرة بتعصر من الوجع وطلق الولادة بيجيلي كل خمس دقايق، ولا حد فيهم يتهز.
​”بابا..” قيلتها وأنا ماسكة في كرسي السفيرة بأيدي الأثنين وبحاول أتنفس: “الطلق بدأ.. أنا بولد!”
​أبويا، الأستاذ محمود عبد المجيد، يبصلي بطرف عينه من غير ما يشيل نظره من على شاشة التلفزيون اللي كان شغال عليها ماتش الأهلي.
​”اتصلي بالإسعاف وما تعطليناش وتقطعي كلامنا،” رد وهو بيرجع يشرب الشاي.
​أمي، هدى، اتأفأفت ونفخت بصوت عالٍ كأني دلقت كوباية عصير على السجادة وجايبة لهم المشاكل. وأخويا الصغير، كريم، فضل ياكل في طبقه ولا كأن في بني آدمة بتموت جنبه. ولا واحد فيهم قام من كرسيه.
​”أنا مش هقدر أسوق العربية ولا أمشي في الشارع بالوضع ده!”
​”خلاص، كلمي الإسعاف تجي تاخدك،” بابا قالها بنبرة جافة. “أنتِ كبرتي وبقيتي ست مسؤولة يا ياسمين، اتصرفي.”
​جتلي نغزة طلق تانية أقوى، وطيت لشدة الوجع وغمضت عيني وأنا بحاول أركز في التنفس بس.
​كريم أخويا بصل بضيق وتمتم: “أفورة وعاملة لنا حوارات على الفاضي.”
​مسكت شنطتي بالعافية، ومشيت بخطوات بالعافية للشارع، ووقفت في مدخل العمارة في الهرم وطلبت النجدة والإسعاف. البنت بتاعة الإسعاف فضلت معايا على الخط وبتطمني لحد ما عربية الإسعاف وصلت تحت البيت.
​وأنا ممددة في عربية الإسعاف والمسعفين بيلحقوني، بصلت لفوق على شباك الصالة بتاعنا.. كانوا لسه قاعدين حوالين الترابيزة بياكلوا وبيضحكوا، والأغراب هما اللي شايلين بيسعفوني.
​بعد تلات ساعات، في مستشفى القصر العيني الفرنساوي في القاهرة، ولدت ابني.
​ياسين اتولد بدري عن معاده، بس الحمد لله كان بيتنفس كويس. كنت لوحدي تماماً لما الممرضة حطته على صدري، لوحدي لما الدكتور كان بيشرحلي حالته وضرورة دخوله الحضانة، ولوحدي وأنا بمضي على أوراق المستشفى وإيدي بترتعش من التعب والخوف. رنيت على البيت مرتين.
​محدش رد عليا.
​أمي شافت الرسالة اللي بعتهالها على الواتساب وببشرها فيها بإن ياسين اتولد.. وما كلفتش نفسها حتى ترد بكلمة.
​في اللحظة دي، افتكرت الظرف المقفول اللي جدتي الله يرحمها كانت مديهولي قبل ما تتوفى.
​جوا الظرف كان فيه كارت شخصي وجملة واحدة مكتوبة بفرط إيدها: “لو أبويكي في يوم حسسك إنك متكتفة أو ضاغط عليكي.. كلمي الأستاذ أحمد متولي فوراً.”
​الأستاذ أحمد كان المحامي اللي ماسك كل شؤون وممتلكات جدتي سوسن الله يرحمها. كلمته من قلب المستشفى تاني يوم الصبح.
​وجالي على طول قبل الضهر.
​على مدار ست أيام كاملين، وفي الوقت اللي كان ياسين ابني فيه تحت الملاحظة في الحضانة، الأستاذ أحمد كان بيساعدني أجمع ونفهم حاجات عمري ما كنت فاهماها ولا مستوعباها: ليه بابا كان مُصر إني أأجر شقة وأقعد جنبهم بعد ما جوزي توفى من سنتين؟ وليه كان حاطط عينه على حساباتي ومصاريفي ومضيّق عليا؟ وليه كان بيتجنن ويغير الموضوع كل ما أجيب سيرة ورث جدتي؟
​بعد أسبوع من ولادة ياسين، وأنا قاعدة في الشقة المتأجرة، سمعت خبط على الباب.
​فتحت، لقيت أمي واقفة ومسكالها لعبة دبدوب أزرق وصغيرة، وبابا واصل وعلى وشه أكبر ابتسامة مزيفة شفتها في حياتي، وكريم أخويا واقف وراهم ومطلع الموبايل ومستعد يصوّر.
​”جايين ونفسنا نشوف حفيدنا حبيبتنا وجايين نباركلك يا ياسمين!” أمي قالتها بصوت زغاريد فرحان.
​بصيتلهم بذهول وجمود: “أنتم سبتوني أصارع الموت لوحدي في الليلة دي.”
​ابتسامة بابا اختفت في ثانية ونبرته تحولت لحدة: “ما تبقاش بياعة دراما وتأفوري! ما أنتِ وصلتي المستشفى وقومتي بالسلامة أهو، جرى إيه؟”
​في اللحظة دي، اتسمعت خطوات منتظمة جاية من جوه الشقة.
​الأستاذ أحمد متولي قرب ووقف جنبي، وفتح الباب على وسعه وظهر قدامهم.
​وش بابا اتقلب في ثانية، والدم هرب من عروقه.
​الأستاذ أحمد كان شايل في إيده دوسيه أسود تقيل مكتوب عليه بخط عريض اسم: محمود عبد المجيد.
​أبويا ما اتخضش ولا ألوانه اتخطفت عشان شاف محامي واقف معايا في خناقة عائلية..
​أبويا اترعب لأن جدتي سوسن كانت سيبالي ورث وفلوس أكتر بكثير جداً من اللي هما فهموهوني ورضيو يتكلموا عنه.. والأستاذ أحمد كان لسه كاشف السر وعارف الفلوس المفتفدة والمختفية دي راحت فين وفي جيب مين!
​أبويا بص بفزع من وش المحامي أحمد متولي للدوسيه التقيل اللي في إيده، وبعدين رجع بصلي تاني وهو مش مصدق.
​”هو الراجل ده بيعمل إيه هنا؟” سأل بنبرة فيها خوف مستخبى.
​الأستاذ أحمد رد عليه قبل ما أنا أفتح بوقي:
“جاي أتأكد إن ياسمين تاخد كل حقها اللي حاولتم تسرقوه.”
​ابتسامة أمي اختفت تماماً، وكريم أخويا نزل الموبايل من إيده ببطء.
​أبويا قرب خطوة ناحيتي وهو بيحاول يتصنع القوة، بس الأستاذ أحمد اتحرك خطوة بسيطة وسد الباب بجسمه من غير ما يهدده.
​”دي أمور عائلية ومحدش ليه دعوة بيننا،” أبويا قالها بحدة.
​رديت عليه بجمود: “كانت أمور عائلية.. بس تحولت لمسألة قانونية وجنايات من الساعات اللي عملتوه.”
​على مدار سنين، كان بابا دايماً يفهمني إن تركة جدتي سوسن كانت حاجة بسيطة وقليلة. كان دايماً يقولي إن بعد مصاريف المستشفيات والضرائب ومصاريف الجنازة والتخليل، متبقاش أي حاجة تتذكر. وأنا صدقته.. لأني ساعتها كنت لسه عيلة عندها 23 سنة، ولسه متجوزة جديد، ومكسورة من الحزن على وفاة جدتي.
​بس الدوسيه اللي في إيد الأستاذ أحمد كان بيكشف قصة ثانية خالص.
​جدتي سوسن كانت سيبالي وديعة بنكية وحساب استثماري فيه أكتر من 3 مليون جنيه، وشقة تمليك في منطقة راقية في الشروق. وكانت كاتباني أنا المالك الوحيد، وحاطة أبويا وصي مؤقت بس لحد ما أوصل لسلسلة 25 سنة.
​وأنا دلوقتي كان عندي 29 سنة!
​الشقة دي اتباعت من تلات سنين.
​وأنا عمري في حياتي ما مضيت ولا بتمت على أي ورقة بيع!
​الأستاذ أحمد جاب صور وفورمات العقود المسجلة من الشهر العقاري. الإمضاء اللي جنب اسمي كانت شكلها يخدع أي حد غريب ويحسسهم إنها إمضائي، بس مش أنا. أبويا حط كل فلوس البيع دي في حساب شركة “عبد المجيد للمقاولات والديكور”، الشركة اللي كان فاتحها ومشارك فيها كريم أخويا.
​صوت أبويا بقى جاف وحاد: “جدتك الله يرحمها كانت عاوزة العيلة كلها تتستر وتتصلح أحوالها!”
​الأستاذ أحمد رد بمنتهى الثبات: “هي كتبت بالظبط وبنص صريح في الوصية مين اللي يتستر وياخد الفلوس.. كتبت ياسمين بس.”
​أمي بصت لبابا بصة ذهول: “محمود؟ الكلام ده بجد؟”
​أبويا طنشها وما ردش عليها، ولفلي وشتم بحدج:
“أنتِ فاكرة إن مصاريف تربيتك ودراستك في الكلية ومصاريف فرحك دي كانت ببلاش؟ كل ما كنتِ بتحتاجي حاجة مين اللي كان بيدفع؟”
​رديت بثبات: “جوزي الله يرحمه وأنا اللي دفعنا مصاريف فرحنا قرش صاغ بقرش! والكلية أنا كنت جايبة مجموع ودخلت بمجهودي!”
​فك أسنانه اتشد بغل وقال:
“ولما أحمد جوزك مات؟ مين اللي وقف جنبك وشال الشيلة كلها وسندك؟”
​هنا بقى الجرح القديم اتفتح.
​جوزي أحمد توفى في حادثة عربية أليمة من سنتين. وبعد وفاته، كنت مكسورة ومش قادرة حتى أنزل أشتري طلبات البيت من غير ما أعيط. أبويا ساعتها دخل في الصورة، وعمل فيها الأب الحنين وقال لي: “هاتي كل الأوراق والتوكيلات وأنا هخلص لك كل ورق المعاش والمستحقات والتأمين عشان ما تتبيعيش نفسك.”
وأنا عشان كنت بأثق فيه سلّمته كل حاجة.
​الأستاذ أحمد المحامي اكتشف إن أبويا استغل التوكيل ده وحول جزء كبير من مبلغ بوليصة التأمين على حياة جوزي لحساب سري أنا عمري ما سمعت عنه ولا أعرف عنه حاجة.
​المبلغ كان أكتر من مليون و200 ألف جنيه!
​ركبي كانت هتخونني وأقع لما الأستاذ أحمد وراني الأوراق دي لأول مرة في المستشفى.
​مش عشان الفلوس.. بس عشان افتكرت أبويا وهو قاعد جنبي بعد عزا جوزي، ماسك كتفي وبيقولي: “ما تشيليش هم حاجة يا بنتي، أنا هنا عشان أحميكي.”
دلوقتي بس فهمت هو كان بيحمي إيه.. كان بيحمي سبوبة الفلوس والسبيل اللي بيسرقني منه!
​أبويا بص ناحية الشارع وقال بضيق: “يلا بينا نمشي من هنا.”
​أمي قالت بصوت واطي ومكسور: “لا يا محمود.. مش هنمشي.”
​كلنا بصلناها.
​كانت باصاله وكأنها بتشوفه على حقيقته وبشاعته لأول مرة في حياتها.
​”أنت أخدت فلوس التأمين كمان بتاع جوزها المتوفي؟”
​ملامح أبويا اتغيرت وشه اتخطف، والسكوت ده كان إجابة كافية وضحت كل حاجة.
​كريم أخويا اتكلم فجأة وهو متلخبط: “بابا قال لي إن القرض بتاع الشركة ومصاريف العمال دي جاية من فلوس مكافأة نهاية الخدمة بتاعته!”
​الأستاذ أحمد فتح الدوسيه: “تحويلات الحسابات والفيشات البنكية بتقول عكس الكلام ده خالص.”
​وش كريم اصفرّ.
​اسمه كان محطوط على الحساب البنكي بتاع الشركة.. هو صحيح ما زورشي حاجة بإيده، بس كان بيصرف وبيستمتع بالفلوس الحرام دي.
​أبويا شاور بصباعه على الأستاذ أحمد بغضب: “أنت مالكش أي حق تدخل بيني وبين عيلتي وتقومهم عليا!”
​الأستاذ أحمد فضّل هادي تماماً: “أنا ما اتصلتش بالإسعاف لبنتك وسبتها بتموت وأنت قاعد بتتفرج على الماتش في الصالة، أنا ما زورتش إمضاها، وما سرقتش فلوسها.. أنا بس وثقت المهازل والجرائم اللي أنت عملتها.”
​أبويا بصلي تاني، ولأول مرة في حياتي كلها، شفت حاجة مستخبية ورا العصبية والشر اللي في عينه..
شفت الخوف.
​رجعت خطوة لورا، وحطيت إيدي على الباب:
“أنتم مش هتشوفوا ياسين النهاردة.. ولا هتدخلوا بيتي.”
​عين أمي اتملت بالدموع: “ياسمين.. أرجوكي يا بنتي.”
​رديت عليها: “كان قدامكم سبع أيام كاملين تسألوا فيهم حتى لو بمسج إذا كان الحفيد ده عايش ولا مات!”
​أمي حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط.
​ملامح أبويا تحولت للشر تاني وقال: “هتندمي يا ياسمين إنك طردتينا وصغرتينا بالشكل ده!”
​”لا يا بابا،” قيلتها بجمود، “أنا ندمانة بس إني وثقت فيكم في يوم من الأيام.”
​وقفلت الباب في وشهم.
​سمعت أبويا بره بيزعق باسمي مرة واحدة، وبعدها الصمت ساد. الأستاذ أحمد كان واقف جنبي من غير ما يتكلم كلمة. ومن الاوضة جوه، طلع صوت بكاء ياسين الصغير العطوف.
​لفيت ورحتله.
​ولأول مرة من ساعة ما عربية الإسعاف شالتني من قدامهم، كنت عارفة بالظبط أنا المفروض أعمل إيه.
أنا هحمي ابني بكل قوتي من الناس اللي علموني إن الحب ممكن يطلبوه بالقوة بعد ما حرموني منه وراموني وأنا بموت.
​تاني يوم الصبح، الأستاذ أحمد خدني معاه على نيابة الأموال العامة وقسم الشرطة، بعد ما اتفقت مع جارتي أم أحمد، الست الكبيرة الطيبة اللي ساكنة جنبي في العمارة، تقعد مع ياسين ساعتين.
​كنت شايالة دوسيه فيه صور العقد المزور، وكشوفات الحسابات البنكية اللي الأستاذ أحمد طلعها بتفويض مني، وأوراق التركة الأصلية بتاعت جدتي، والرسائل اللي أبويا كان بيبعتهالي على الموبايل على مدار الأربع سنين اللي فاتوا.
​الأستاذ أحمد كان مفدمني إن الموضوع مش هيخلص في يوم وليلة.. التزوير في المحررات الرسمية وسرقة أموال التركة محتاج أصل العقود، واستدعاء أوراق البنوك، وتقرير خبراء التزييف والتزوير من الطب الشرعي، وتحقيقات طويلة.
​بس أنا المرة دي كنت مبسوطة إن الإجراءات ماشية ببطء وبأصول.
ما كنتش عاوزة انتقام أعمى طالع من الغضب.. كنت عاوزة حق بالأرقام والأدلة.
​رئيس النيابة والمقدم اللي مسك القضية كان اسمه المقدم شريف، راجل حاسم وصبور. قعد يسألني عن كل التفاصيل، ومتى عرفت موضوع التركة.
​”من 6 أيام بس يا فندم.”
​”وقبل كدة؟”
​”أبويا فهمني إن جدتي ماتت وما سبتش أي حاجة تذكر.”
​”هل اديتيله أي إذن أو توكيل إنه يبصم أو يمضي بدالك؟”
​”أبداً.”
​”هل وافقتي إنه يبيع الشقة؟”
​”ولا جابلي سيرة أصلاً.”
​”وبالنسبة لفلوس التأمين؟”
​”أنا أديته توكيل يخلص أوراق المعاش والتأمين بعد وفاة جوزي، بس ما أديتلوش إذن يحول الفلوس لحسابات شركته الشخصية.”
​المقدم شريف كتب كل كلمة، ولما مشيت من عنده، كنت حاسة إني مهدودة جسدياً بس نفسي مرتاحة وثابتة.
​المفاجأة بجد جت بعد الضهر.
​كريم أخويا اتصل بيا.
​كنت هكنسل عليه، بس في الآخر ورديت.
​صوته كان مهزوز وصغير جداً عكس طريقته دايماً: “ياسمين.. ينفع نتكلم؟”
​”اتكلم.”
​سكت شوية وبعدين قال: “بابا ضحك عليا وحور عليا طول السنين اللي فاتت.”
​بصيت لياسين وهو نايم في سريره الصغير جنب الكنبة: “وده ما يمسحش اللي أنت عملته يوم العشا.”
​”عارف..”
​”أنت ضحكت وأنا بتعصر من الألم وبولد!”
​”عارف..”
​”أنت وقفت تتفرج عليا وأنا طالعة للإسعاف لوحدي في الشارع!”
​”عارف والله يا ياسمين..” صوته اتخنق بالدموع في آخر كلمة.
​أنا ما طبطبتش عليه ولا حنيت.
​كريم حكالي إن بابا فهمه إن الفلوس اللي بتدخل الشركة دي استثمارات وقروض من مستثمرين، وإنه عمره ما شك ولا دور ورا أبوه. كان عاجبه بقى العربية الجديدة اللي راكبها، والمخزن الجديد للشركة، والعدّة الغالية، والنظرة اللي كان أبويا بيبصهاله لما دخل معاه شريك.
​وبعدين قال لي على سر الأستاذ أحمد نفسه ما كانش يعرفه.
​أبويا كان حاطط خزنة حديد مصفحة ومقفولة في مكتب الشركة في الهرم.
جوا الخزنة دي، كان حاطط دفاتر شيكات قديمة، وعقود ملكية، وفلاشة. وكريم افتكر إنه شاف أبويا زمان بيحط أوراق تركة جدتي سوسن جوه الخزنة دي.
​”ما تلمسش حاجة،” قلتله. “اتصل بالمقدم شريف في القسم وبلغه.”
​وفعلاً كريم عمل كده.
​والخطوة دي هي اللي قلبت القضية رأساً على عقب.
​بعد أسبوعين، النيابة طلعت إذن بتفتيش مكتب الشركة.
​الخزنة كان فيها صور عقد بيع الشقة، وعينات من إمضائي المزوّرة اللي كان بيدرب عليها، وإيميلات ومحادثات بينه وبين السمسار اللي باع الشقة.
​والأدهى من ده، الفلاشة كان عليها شيت إكسيل (Excel)!
أبويا كان كاتب كل قرش سرقه بالتفصيل المُمِل!
​فلوس وديعة جدتي..
فلوس بيع الشقة..
جزء كبير من تأمين جوزي..
التحويلات اللي راحت لحسابات الشركة..
الأقساط اللي اندفعت لعربية كريم..
وحتى المقدم اللي دفعه عشان يشتري شاليه في الساحل الشمالي أنا عمري في حياتي ما شفته ولا دخلته!
​أبويا كان بوثق كل قرش بيسرقه بمنتهى الثقة، وكأنه كان متأكد إن محدش في الدنيا هيحاسبه أو يشك فيه.
​على أواخر شهر سبتمبر، صدر أمر بضبطه وإحضاره، واتقبض عليه.
​في الوقت ده، ياسين كان كبر شوية وزاد وزنه وبدأ ينام فترات أطول.
​عرفت خبر القبض عليه وأنا واقفة في المطبخ بسخن الببرونة.
​أمي هي اللي اتصلت بيا وهي بتعيط: “أبوكي اتقبض عليه ونزلوا بيه بالكلابشات من العمارة قدام الجيران يا ياسمين!”
​غمضت عيني وقلت: “تمام.”
​”تمام؟! ده اللي هتقوليه؟”
​”عاوزاني أقول إيه يا أمي؟”
​”ده أبكي!”
​”وأنا بنته اللي سابها بتموت.”
​سكتت وما لقتش رد، والمكالمة انتهت على كده.
​أبويا اتوجهتله تهم رسمية بتزوير في محررات رسمية، واستيلاء على أموال قاصر وتركة، وخيانة أمانة.
​الأستاذ أحمد كان دايماً يفهمني إن القضايا الجنائية بتاخد وقت، وفي نفس الوقت رفعنا قضية مدنية عشان نسترد كل الممتلكات والفلوس اللي اتسرقت.
​أبويا أجر محامي كبير وغالي جداً.
وبدأ يروج قصة وسط القرايب والمعارف في العيلة؛ قال إن أنا بنت طماعة ومجنونة، وإن جوزي لما مات عقلي اتلحس، وإن المحامي أحمد متولي بيضحك عليا ومشياني وراه عشان ياخد هو الفلوس، وإن الفلوس دي كانت “فلوس العيلة” وأبويا كان بيستثمرها.
​حتى إنه راح حكى لعمتي سعاد وقالها إن أنا ألفّت قصة إنهم سابوني وأنا بولد دي من دماغي!
​بس الكدبة دي ما عاشتش أكتر من تلات أيام.
​الإسعاف كان عندهم تسجيل رسمي بمكان الطلب وساعة البلاغ.
تسجيل مكالمة 911 كان موجود ومسجل صوتي وأنا بستغيث.
والأهم من ده كله.. كاميرا المراقبة اللي أبويا كان مركبها فوق باب البيت عشان الحرامية، سجلت اللحظة اللي عربية الإسعاف وصلت فيها والمسعفين شايليني على النقالة، وأبويا وبقية العيلة قاعدين جوه عادي!
​كريم أخويا هو اللي أدى النيابة الباسورد بتاع حساب الكاميرات.
​الفيديو كان جايب كريم وهو بيبص من شباك البلاكونة، وشايفهم وهما بياخدوني في الشارع، وبعدين دخل يكمل أكله عادي.
​لما الأستاذ أحمد وراني الفيديو ده في المكتب، طلبت منه يوقفه وما قدرتش أكمله.
​أنا كنت فاكرة إني حاسة بالوجع وقتها، بس لما شفته بعيني كان الوجع أضعاف.
​بعد شهر، أمي اتصلت بيا تاني.
المرة دي ما طلبتش تشوف ياسين.. طلبت تقابلني أنا لوحدنا.
​اتقابلنا في كافيه قريب من القصر العيني.
شكلها كان كبر عشر سنين، شعرها مطفي وما كانتش حاطة أي مساحيق، وكانت ماسكة كوباية الشاي بإيديها الاتنين وبتترعش.
​”أنا كنت أعرف موضوع شقة الشروق يا ياسمين،” اعترفت أخيراً.
​الكلمة نزل عليا زي الصاعقة.
​”كنتِ تعرفي إيه بالظبط؟”
​”كنت أعرف إن جدتك سيباهالك.. بس محمود أبوكي فهمني إنك أنتِ اللي وافقتي تبيعيها وتديله الفلوس يستثمرها.”
​”وأنا عمري ما وافقت!”
​”عرفت كده دلوقتي..”
​”ما كلفتيش نفسك تسأليني ليه يا أمي؟”
​وطت رأسها في الأرض: “كان المفروض أسألك.. غلطت.”
​بصيت في عينها وسألتها السؤال اللي كان بياكل في قلبي: “وليلتها؟ لما قلتلكم أنا بولد والطلق ماسكني.. ليه ما حدش فيكم قام يساعدني؟”
​دموعها نزلت: “أبوكي قالنا إنك بتبالغي وعاملة دراما، وقال لو جرينا وراكي كل ما تتوتري مش هتعرفي تعيشي وتتحملي مسؤولية نفسك.”
​ضحكت بمرارة.. ضحكة وجع.
“أنا كنت في الشهر السابع يا أمي! كنت بولد ولادة مبكرة!”
​”عارفة..”
​”كنتم عارفين إن ابني كان ممكن يموت وأنا معاه؟”
​اتخضت وقالت: “أيوه..”
​سكت تماماً وسبت الصمت يجلدها.
​وبعدين أمي قالت: “أنا آسفة يا ياسمين.. حقك عليا يا بنتي.”
​دي كانت أول مرة في حياتي كلها حد من عيلتي ينطق كلمة “آسفة” بجد.
بس الأسف ما بيرجعش الثقة اللي اتهدمت.
​قلتلها: “أنا مقتنعة إنك ندمانة.. بس ده مش معناه إنك ليكي مكان في حياة ابني دلوقتي.”
​هزت رأسها بكسرة: “فاهمة يا بنتي.. وعندك حق.”
​المرة دي ما جادلتش ولا زقّت، وده كان يفرق معايا.
​على مدار الست شهور اللي بعدهم، أمي سابت أبويا وطلبت الطلاق، وأجّرت شقة صغيرة في شبيرا على قدها. وسجلت أقوالها في النيابة وقدمت أوراق ومصاريف للبيت بتثبت إن أبويا كان بيصرف من فلوس التركة على نفسه وعلى مظاهره.
وبدأت تروح لأخصائي نفسي وتتعالج.
كانت بتبعتلي مسج كل يوم جمعة تطمن عليا، وعمرها ما ضغطت عليا عشان أرد.
ساعات كنت برد، وساعات كتير لا.
​كريم أخويا باع العربية وباع حصته وسلم الفلوس للنيابة عشان يسدد جزء من الفلوس اللي دخلت الشركة، وساب شغل المقاولات وراح اشتغل مهندس موقع براتب ثابت في شركة تانية.
​في يوم في شهر يناير، جالي البيت ووقف على الباب وحاطط إيده في جيوبه.
​”أنا مش مستني منك تسامحيني يا ياسمين،” قالها وهو باصص في الأرض.
​”كويس.”
​”أنا بس جاي أقولك أنا آسف من غير ما أحور ولا أطلع أسباب.”
​ده كان فرقه عن أبويا.. أبويا دايماً عنده مبررات، دايماً يطلع نفسه صح والناس هي اللي مديونة له.
​كريم كان واقف ساكت، فسمعته.
​”أنا كنت بتعامل معاكي بنفس طريقة بابا،” قال وهو بيغالب دموعه. “كنت فاكر إن القسوة والرخامة دي شطاطنة ورجولة. ليلتها، أنا كنت عارف إنك خايفة وبتتألمي.. وضحكت عشان هو ضحك.”
​بصيتله فترة طويلة، وبعدين قلت: “أنت مش هتشوف ياسين النهاردة برضه.”
​وشه اتخطف، بس هز رأسه: “تمام.. حقك.”
​”يمكن كمان فترة.”
​بصلي بتفاجؤ ومصدقش: “بجد؟ شكراً يا ياسمين.”
​ومشي.
​القضية الجنائية ما خلصتش بفرقعة ولا بمشاهد سينمائية.
الحياة الحقيقية أبطأ بكثير.
​بعد شهور من التحقيقات والضغط، أبويا وافق على صفقة وتنازل (Plea Deal) وإقرار بالتهم عشان يخفف الحكم. أقر بإنه زور العقود واستولى على أموال التركة والتأمين بطريقة غير قانونية.
​الحكم كان رد كل الممتلكات والفلوس، وبيع الشاليه والمعدات، وسجن لمدة 5 سنين مع النفاذ.
​الشركة أفلست واتقفل بابها.
​أنا حضرت جلسة النطق بالحكم.. مش عشان أتشمت، بس عشان يشوفني وأنا واقفة على رجلي، مش بترجاه ولا بستجد منه حنية.
​لما القاضي إداني الكلمة أقول كلمتي، قلت كلام محدد وقصير:
“سيادة القاضي، أبويا ما سرقش مني فلوس بس.. أبويا استغل كسرتي وحزني على جوزي المتوفي عشان يستغفلني. علمني أشك في نفسي وفي نظرتي للأمور عشان أفضل محتاجة له ومستسلمة له. والليلة اللي اتولد فيها ابني، أثبتلي إن حياتي وسلامتي مالهاش أي قيمة عنده. أنا مش بطلب من المحكمة تعاقبه لأنه كان أب قاسي.. أنا بطلب تنفيذ القانون في الجرائم اللي اعترف بلسانه إنه ارتكبها.”
​أبويا كان باصص قدامه في القفص ومابصلنيش ولا مرة.
وما كانش فارق معايا.. أنا قضيت عمري كله بحاول أخليه يبصلي ويشوفني، ودلوقتي خلاص ما بقتش محتاجة ده.
​بعد سنة من ولادة ياسين، نقلت لشقة جميلة شاريها باسمي في منطقة هادية في السادس من أكتوبر.
​جزء من الفلوس اللي استرديناها حطيته في وديعة مقفولة لحساب ياسين لما يكبر، وجزء اشتريت بيه الشقة، والباقي استثمرته في البنك عن طريق مستشار مالي محترم الأستاذ أحمد دلني عليه.
​ورجعت لشغلي أخصائية علاج طبيعي وتنفّسي 3 أيام في الأسبوع.
​أول يوم سبت فيه ياسين في الحضانه، قعدت في العربية أعيط 10 دقايق متواصلين من الخوف عليه.
وبعدين طلعت شغلي.
وبعد الظهر رحت استلمته بنفسي وحضنته.
كانت خطوة صغيرة بس بالنسبة لي كانت الدنيا كلها.
​أمي قابلت ياسين لأول مرة لما تم سنة وشهرين.
التقابل كان في حديقة عامة.
جت بدري وما جابتش معاها ألعاب ولا هدايا زهرية، وأنا قدرت ده جداً.
قعدت على الدكة وياسين كان بيلعب ويمشي حوالينا فرحان بشجر الحديقة. ما حاولتش تجبره يحضنها ولا تقولوا قول “تيتا”.. استنته هو اللي يقرب منها الأول.
ولما مسك إيدها الصغيرة، أمي بكت بالدموع.
​تعلمت إن التسامح مش باب ببيتفتح مرة واحدة.. ده قرارات صغيرة بتاخدها كل يوم.
في ناس تستاهل تاخد فرصة، وناس لا.
​كريم شاف ياسين بعديها بتلات شهور، بعد ما سدد كل الفلوس اللي عليه وكان بقاله سنة بيساعد في القضية المدنية، وعمره ما يتجرأ يضايقني أو يتريق عليا تاني.
​أبويا بيكتبلي جوابات من السجن.
الأولاني كان بيلوم فيه المحامي أحمد متولي.
التاني كان بيلوم فيه أمي.
التالت كان بيلوم فيه كريم.
والرابع كان بيلومني أنا!
​رجعت الأربع جوابات مقفولين زي ما هما من غير ما أفتحهم، لأن الأستاذ أحمد فكرني إن إنتي مش مجبورة تتواصلي معاه.
الجواب الخامس ما جاش أبداً.
​في عيد ميلاد ياسين التاني، عملنا حفلة صغيرة في جنينة الشقة تحت.
بلالين زرقا، وتورتة جميلة، وزحليقة بلاستيك ياسين مش راضي ينزل من عليها.
​أمي جت..
وكريم جه..
والأستاذ أحمد متولي جه هو ومراته..
وحتى الممرضة فاطمة، اللي كانت معايا في المستشفى ومسكتلي الموبايل وأنا بحاول أكلم أهلي، عزمتها وجت.
​كنت واقفة عند شباك المطبخ ببص عليهم بره.
أمي قاعدة على الأرض بتساعد ياسين يرص المكعبات.
كريم بيتكلم مع الأستاذ أحمد وبيضحكوا.
وفاطمة بتلعب مع الأطفال.
​افتكرت ليلة العشا القديمة دي..
أبويا وهو باصص للتلفزيون.
أمي وهي بتتأفأف.
كريم وهو بيتريق عليا.
وأنا ماسكة الكرسي وبموت من الوجع.
​زمان، كنت فاكرة إن العيلة هما الناس اللي مسموح لهم يؤذوك ويجرحوك لمجرد إنهم من دمك.
بس ابني ياسين عمره ما هيتعلم المعنى المشوه ده مني.
​بالليل بعد ما كل الناس مشيت، شلت ياسين وطلعت بيه فوق.
كان نائم على كتفي، دافي وثقيل.
حطيته في سريره ووقفت أسمع صوت نفسه الهادي.
​على الكومودينو، كان فيه الدبدوب الأزرق الصغير اللي أمي جابته أول يوم جم فيه بعد الولادة.
كنت هرميه في الزبالة ساعتها.. بس احتفظت بيه لسبب تاني خالص.
مش كرمز للتسامح.. بس كذكرى وتذكرة.
​تذكرة باليوم اللي أبويا جه فيه وهو فاكر إن الشخصية القديمة بتاعتي هي اللي هتفتحله الباب.
البنت الخايفة..
الأرملة المكسورة..
الست اللي بتصدق أي مبرر عشان خايفة تفتعل مشاكل.
​بس الست دي راحت المستشفى لوحدها.
وشالت ابنها البوصة على صدرها لوحدها.
وعملت مكالمة للأستاذ أحمد متولي.
ولما أبويا جه بابتسامته المزيفة يستغلني تاني، قالتله كلمة واحدة بس: “لا.”
​الكلمة دي ما أصلحتش الماضي.. بس بدأتلي حياتي الحقيقية.
​طفيت النور الصغير وخففت الباب.
وتحت، موبايلي رن.. كانت مسج من أمي:
“شكراً على النهاردة يا ياسمين.. أنا عارفة إن لسه قدامي طريق طويل عشان أصلح اللي عملته.”
​قريتها مرتين، وبعدين كتبت لها:
“كملي في الطريق ده.”
​قفلت الموبايل وبصيت حواليا في بيتي الهادي.
مفيش زعيق..
مفيش ماتشات كورة مغطية على صوت وجعي..
مفيش حد بيتهمني بإني بأفور..
ومفيش حد بيقرر إيه اللي ملكي وإيه اللي يسرقه مني.
​الهدوء ده ما بقاش يحسسني بالإهمال والوحدة..
الهدوء ده بقى هو السلام الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *