الجواب حصري لصفحة روايات رولا
– وصدقته؟!
– كان عندي 21 سنة يا سارة! الراجل ده كان حاطط إيده على البيت كله وبيعاملنا زي العبيد.
– بس أنت كبرت يا مصطفى!
السكوت كان أتقل من الجبال.
وفجأة مصطفى قال جملة هدت كل حاجة:
– أنا شفت أمي وهي بتعيط مع الورق ده بعد الحادثة بسنين.. وهي اللي طلبت مني أقولك الحقيقة لو جرا لها حاجة.. وأنا جبنت وماقلتش.
بصلته وكأني بكتشف بني آدم تاني.
– أمي طلبت منك تقولي الحقيقة وأنت سكت؟
وطى راسه في الأرض:
– أيوه.
ساعتها فهمت إن الميراث ماكانش فلوس.. كان سلسلة طويلة من السكوت والجبن، وأخويا كان حلقة فيها.
يوم الإثنين كلمت الأستاذ عادل المحامي.
مااتتفاجئش خالص:
– كنت مستني مكالمتك يا أستاذة سارة.. والدتك كانت متأكدة إنك هتوصلِيلي في الآخر.
الجملة دي وجعتني بس ريحتني. أمي ماتت من غير ما تنطق، بس سابتلي علامات في الطريق عشان أوصل: العلبة، الجواب، البنك، المحامي، الورق.. كل حاجة كانت مترتبة بالملي.
الموضوع ماكانش سهل ولا سريع.
شركة التأمين كانت غيرت إدارتها، والبنك قفل فروع قديمة. كان لازم نعبس في الأرشيف ونقارن إمضاءات ونرجع ورق من سنين.
شهور طويلة وحياتي كلها متلخصة في ورق ودوسيهات:
ملف الحادثة.
ملف التعويض.
ملف التزوير.
ملف أمي.
الأستاذ عادل قالها لي صريحة:
– مش هقدر أوعدك بحقك كامل، عدى وقت طويل.. بس معانا أدلة تخلينا نلوي دراعهم.
أنا ماكانش يهمني الفلوس، كنت عايزة بس حد يقف في وشي ويقولي: “فعلاً.. أنتِ اتظلمتي”.
بعد 11 شهر، شركة التأمين وافقت على تسوية بـ 410 ألف جنيه. دفعوا عشان يلموا الدور من غير قضايا.
لما جمعت المبلغ ده على الـ 189,400 اللي كانوا في علبة الدقيق، الرقم قرب أوي من اللي عبد الله سرقه مني.
أكيد مش زي زمان.. الفلوس وأنا عندي 50 سنة غير وأنا عندي 18.. بس كانت زي نقطة مية نضفت جرح قديم.
صلحت بيهم سقف بيتي اللي كان بينزل مية في الشتا، وشيلت جزء، واخدت بنتي “نور” وسافرنا مرسى مطروح. قعدنا قدام البحر لأول مرة من سنين حسيت إن فيه حاجة جوة صدري بتتفك.
مع مصطفى الموضوع أخد وقت.
بعد اعترافه، قعدنا شهرين مابنتكلمش، يبعتلي رسائل قصيرة وأرد على قد الكلمة.
لحد ما جالي يوم الأحد ومعاه كيس نويشة وصور قديمة.
قعد في المطبخ وبص لعلبة الدقيق الصاج اللي كنت غسلتها وحطيتها فاضية على الرخامة.
– مش قادر أبص للعلبة دي من غير ما أحس إني صغير ورخيص –قالها بكسرة.
– خلاص بص لها كتير عشان تفتكر.
ردي كان ناشف، بس ما ندمتش.
مصطفى طلع صورة لينا وأحنا صغيرين:
– عبد الله ضحك عليا وداس عليا.. بس أنا كمان اخترت أسكت واريح دماغي.. قلت خلاص أنتِ كبرتي وتجوزتي ومعاكي بنت، ملوش لازمة نفتح القبور.
– ده ماكانش خوف عليا يا مصطفى.. ده كان خوف على نفسك.
هز راسه:
– عارف.. سامحيني يا سارة.
السماح ماخرجش مني بسهولة، بس قلتله:
– مش عارفة هسامح إمتى، بس كفاية إنك بدأت تقول الحقيقة.
العائلات مش بتتكسر لما الحقايق الصعبة تطلع.. العائلات بتتكسر لما يجبروا الكل يعيشوا في كدبة.
مع بنتي نور كنت واضحة. حكيتلها كل حاجة، من غير ما أجمل صور الميتين. قلتلها إن جادتها حبتني بس خانتني بخوفها، وإن جوز جادتها سرقني، وإن خالها سكت.
سألتني:
– أنتِ سامحتي تيتة يا بابا؟