ابويا بيطرد ابني حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
«خلّي ابنك يعتذر حالاً يا إما تطلعوا من بيتي وما ترجعوش تاني خالص!»
صوت أبويا “حاج شريف” رجّ صالة الشقة بقوة لدرجة إن صوت التلفزيون في الصالة الثانية اختفى فجأة.
بصيت له وأنا مستني يقول إنه بيكدب أو بيهزر.
ما كانش بيكدب.
مراتي “سارة” كانت قاعدة جنب ابننا “أحمد” اللي عنده تمان سنين، وكان ماسك نفسه بالعافية عشان ما يعيطش. طبق المكرونة بالبشاميل بتاعه كان مدلوق على أرضية السيراميك، بعد ما “يوسف” ابن أختي “ريهام” اللي عنده حدعشر سنة زيحه بقصد وهو معدي من جنبه.
يوسف طول السهرة وهو عمال يرخم على أحمد.
خد منه حتة الفرخة بتاعته، حدفه بالزيتون، ووطى وشوشه وقال له إن أحمد “عيل فقير ومعهوش فلوس” لمجرد إننا عايشين في شقة إيجار في شبرا مش في فيلا جدو الكبيرة اللي في التجمع الخامس.
ولما أحمد أخيرًا قال له: “خلاص بقى يا يوسف بس”، يوسف زق كوعه بقصد في طبق أحمد، فكل الأكل اترمى على الأرض.
ورغم كل ده، كان أبويا باصص لأحمد بغل ونظرة غضب.
”اعتذر ليوسف يا أحمد!” أبويا زعق.
رديت وأنا مش مصدق: “يعتذر له على إيه يا بابا؟”
أختي ريهام ساندت ضهرها على الكرسي وابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت: “علشان قال له يا رخيف وسخيف!”
سارة مراتي اتصدمت وقالت: “بعد ما دلّق أكله وبوّظ له العشا؟”
ريهام هزت كتافها ببرود: “عيال وبيلعبوا مع بعض، كبروا جيلكم بقى.”
أحمد قال بصوت واطي وهو بيبص للأرض: “لا والله.. هو عملها بقصد.”
أبويا ضرب بكف إيده على الترابيزة بكل قوته: “بس! أنا كلمتي هي اللي تمشي هنا، ده بيتي! أحمد يعتذر حالاً، يا إما تاخد عيلتك وتطلعوا بره وما توتبوش العتبة دي تاني!”
بصيت لأمي “حاجة هدى”.
كانت بصة في منديلها وساكتة خالص.
السكوت ده كان كفيل يفهمني كل حاجة.
طول عمرها ريهام هي الحبيبة والمدللة. أخطاؤها بتعدي على أنها سوء فهم، وأي غلطة مني بتتفسر إنها قلة أدب وعيب في شخصيتي. ابنها يهد الدنيا ويضحكوا له، وابني بس يرفع صوته يتصنف إنه قليل الأدب وسبب المشاكل.
في العادي كنت ببلعها وأسكت عشان المركب تسير.
بس الليلة دي.. لأ.
وقفت حيلتي.
”تمام.”
أبويا برّش بعينيه: “تمام إيه؟”
”إحنا ماشيين.”
ريهام ضحكت باستهزاء: “أوه بلاش دراما يا دانيال.. قصدي يا حازم، بلاش حركات الأفلام دي.”
ساعدت أحمد يلبس جاكيته، وسارة جابت شنطتها.
أبويا وضع إيديه في وسطه وقال: “لو مشيت من الباب ده دلوقتي، ما تحلمش إنك ترجع تحبي هنا تاني.”
وقفت عند الباب وبصيت له: “مش هرجع.”
ومشينا.
من غير زعيق.
من غير كلام درامي وتلطيش.
مجرد تلاتة ماشيين في الشارع في ليلة من ليالي شهر نوفمبر البرد.
في العربية، أحمد سألني بصوت خايف: “بابا.. هو أنا بوّظت عزومة العيلة؟”
بصيت له في المراية وقلت له: “لأ يا حبيبي، أنت ما بوّظتش أي حاجة.”
لما وصلنا الشقة، طلبنا بيتزا وقعدنا نتفرج على فيلم كوميدي قديم لحد ما أحمد ضحك من قلبه وأخيراً نسي.
الساعة كانت 7:12 الصبح تاني يوم، لما لقيت حد بيخبط على باب الشقة.
مش خبط عادي..
ده كان رزق وتهديم على الباب!
فتحت.
كان أبويا واقف.. بمهدوم أمس، هدومه متنعكشة، وشه أصفر، بيعرق، وبياخد نفسه بالعافية.
لأول مرة في حياتي، أشوف “الحاج شريف” بالرعب ده في عينيه.
مسك في دراعي وقال بصوت مخنوق: “يا حازم.. لازم ترجع معايا حالاً!”
شدت دراعي منه ببرود وقلت له: “عشان إيه؟”
نزل صوته ووسوشني بنبرة مكسورة ومرعوبة:
”عشان أختك سحبت كل الفلوس اللي في الحساب وصفرته!”اللحظة دي افتكرت فيها إن أبويا قصده إن ريهام عملت شوية شوبنج وشرت حاجات زيادة كالعادة.
ده كان هيكون شيء سيئ طبعاً، بس مش للدرجة اللي تخلي راجل كبّارة يركب عربيته وييجي شبرا قبل الساعة تمانية الصبح، بهدوم أمبارح، ووشه أصفر ومستوي من كتر القلق كأنه مانامش ثانية.
”حساب إيه يا بابا؟” سألته.
أبويا بص وراه ناحية الشارع كأنه خايف ريهام تكون ماشية وراه أو ملاحقاه.
”حساب القرض اللي بضمان الشقة اللي في التجمع.”
بطني اتعصرت.
من تلات سنين، بعد ما الحاج شريف طلعت معاش من شركة المقاولات اللي كان شغال فيها، فتح هو وأمي حساب خط credit بضمان الشقة عشان لو حصلت أي ظروف طارئة، أو مصاريف علاج لأمي في المستقبل.
أبويا كان قايلي قبل كده إن الحساب ده فيه قريب من مليارين جنيه… قصدي حوالي 800 ألف جنيه مصري.
”وريهام تلفحه إزاي وتفضّيه؟” سألت وأنا مش مصدق.
حط إيديه الاتنين على وشه وهو حاسس بالخزي:
“أنا أضفت اسمها في البنك من ست شهور عشان تكون ليها صلاحية السحب والتوقيع…”
بصيت له بذهول: “ليه يا بابا؟!”
بص للأرض بكسوف: “قالتلي إنها بتساعد أمك في دفع الفواتير ومصاريف البيت ومتابعة المستشفيات.”
طبعاً.. حجة مظبوطة وتدخل على أي حد!
سارة مراتي خرجت ورايا وهي لابسة الروب: “في إيه يا جماعة؟ خير يا حاج؟”
أبويا بلع ريقه بالعافية: “حوالي 760 ألف جنيه اتمسحوا من الحساب.. مفيش منهم جنيه!”
سارة اتسمرت مكانها: “اتمسحوا راحوا فين؟!”
أبويا هز رأسه: “ماعرفش!”
بس أنا كان عندي تخمين مظبوط جداً.
ريهام وجوزها “تامر” بقالهم سنة عايشين في الدور وممثلين إنهم فوق الريح وعايشين في طبقة عالية جداً.
عربية عربية فور باي فور جديدة.
مصايف في الساحل والشرم في أرقى القرى.
تمارين وأطقم كورة غالية لابنها يوسف.
هدوم براندات.
وكل ويك إند أكل في مطاعم التجمع والشيخ زايد.
مع إن تامر جوزها اتطرد من شغله كمشرف مبيعات من شهر أغسطس اللي فات، وريهام كانت نازلة زن على الكل إن جوزها بقى “مستشار مستقل” وبيعمل بيزنس خاص.
طلعت خطوة لبره وقفلت باب الشقة ورايا.
“كلم البنك يا بابا.”
أبويا هز رأسه: “كلمتهم.”
”وقالولك إيه؟”
فك أسنانه بالعافية من الغيظ: “قالوا إن أغلب التحويلات تمت أونلاين وتوقيعات سحب عادية ومصرح بيها.”
”يعني بريهام؟”
هز رأسه: “كانت بتسحب وتحول مبالغ على مدار الأربع شهور اللي فاتوا.. مبالغ صغيرة في الأول، ولحد امبارح العصر سحبت تحويلة واحدة بـ 280 ألف جنيه مرة واحدة!”
امبارح!
في نفس الوقت اللي كانت قاعدة فيه على سفرة أبويا وبتتريق وابتسامتها المسمومة على وشها عشان ابني أحمد المكرونة وقعت على جزمته!
”واجهتها؟” سألته.
أبويا بص بعيد: “عشان كده أنا جيتلك يا حازم.. محتاجك معايا.”
ردي جيه بسرعة ومن غير تفكير: “لأ.”
برق لي بذهول: “إيه؟!”
”حضرتك مش محتاجني عشان أواجه ريهام.. أنت محتاج تتصل بمباحث الأموال العامة، والبنك، وتشوف محامي فوراً.”
أبويا كشر: “دي أختك يا حازم!”
”وهي صاحبة التوقيع والتفويض في الحساب، يعني الموضوع مش بسيط ومش خناقة عائلية.”
رجع لنبرة التحكم القديمة بتاعته لثانية: “يا حازم، المشاكل العائلية بتتحل جوه البيت وفي السر!”
كنت هضحك بسخرية: “من 12 ساعة بس، حضرتك قايل لي إني ماليش مكان في بيتك وما أشوفش وشك تاني!”
ملامحه اتشنجت: “ده كان لحظة غضب!”
”لأ.. ده كان قرار أنت أخدته.”
أبويا بص من شباك الصالة، شاف أحمد ابني قاعد على بار المطبخ بياكل بليلة وبيضحك.
أكتاف أبويا نزلت لتحت وكأنه اتكسر: “أنا غلطت يا حازم..”
بصيت في عينيه بصلابة: “أنت غلطت كتير قوي يا بابا.”
ما نطقش.
افتكرت ريهام لما كانت بتاخد فلوس زيادة في كل مناسبة عشان “ظروفها صعبة”.
افتكرت لما أبويا سلف جوزها تامر 200 ألف جنيه عشان مشروع وهمي وطاروا في الهواء في سنة.
افتكرت أمي وهي بتخدم يوسف وابنها وتراعيه، وفي نفس الوقت لما أمي عملت عملية في الركبة، ريهام كانت مش فاضية ومش فضايالها!
وافتكرت لما أبويا طرد ابني وزعق له عشان يعتذر للولد اللي افترى عليه.
ورغم كل ده.. 760 ألف جنيه ده رقم يخرّب بيوت.
قلت له: “ارجع بيتك.. ما تحذرش ريهام بأي حاجة دلوقتي. احفظ كل المسجات، كل الإيميلات، نزل كشف حساب كامل من الأبلكيشن، غيّر باسورداتك، واقفل كروت الائتمان.. وبعدها اطلب محامي فوراً.”
أبويا بصلّي بعجز: “يعني مش جاي معايا؟”
”لأ.”
صوته اتقطع: “يا حازم.. دي ممكن تضيعنا وتبيع البيت!”
قلت له بصوت هادي وبس بصرامة: “أنت قضيت عمرك كله بتعلم ريهام إن نتائج أفعالها الغلط دايماً بتيجي على دماغ حد تاني غيرها.”
الجملة دي وجعته أكتر من لو كنت زعقت فيه.
أبويا في لحظة بان عليه العجز والكبر.
فجأة تليفونه رن.. اسم “ريهام” ظهر على الشاشة.
رد بسرعة: “إيه يا ريهام؟”
كنت سامع صوت زعيقها وطالع من التليفون وأنا واقف على بعد متر.
وش أبويا هرب منه الدم: “يعني إيه تامر طار؟! يعني إيه مش موجود?!”
زعيق أكتر.. وبعدين السكوت.
أبويا نزل التليفون ببطء شديد.
”في إيه؟” سألته.
بص لي بذهول: “تامر ساب البيت واختفى من بالليل.”
”راح فين؟”
”ما تعرفش.. سحب كل الفلوس اللي في حسابهم المشترك، لم هدومه في شنطتين وفص ملح وذاب.”
أنا أخدت نفس طويل.. كده الـ 760 ألف جنيه الضايعين بقوا لغز أكبر وأخطر.
تليفون أبويا جاله مسج ثانية.. المرة دي من أمي (الحاجة هدى).
قرأها مرة.. وقرأها تاني.
ركبه اتهزت وقعد على درجات السلم بتاعة العمارة بتعب.
”في إيه تاني يا بابا؟”
اداني التليفون.
”لحقني يا شريف، ريهام نازلة تكسير في مكتبك وبتقلب الدنيا وبتقول فين عقود الشقة وأوراق الملكية! تعال فوراً!”
رجعت له التليفون.
أبويا قام واقف في ساعتها: “أنا لازم أمشي.”
”أيوة.. لازم تمشي.”
وقف وهو ماسك الدربزين وإيده بترتعش: “لو كلمتك.. هترد عليا يا حازم؟”
بصيت جوه الشقة.. شفت أحمد بيضحك على كلام سارة.
من أقل من يوم، أبويا كان بيهددني بالقطيعة لمجرد إن رفضت أهين ابني.. ودلوقتي عايزني أرجع أكون مدير الأزمات بتاعه اللي بيلحق العيلة.
”هرد عليك يا بابا.. بس مش أنا اللي هصلح القرف ده المرة دي.”
أبويا هز رأسه: “فاهم.”
ولأول مرة في حياته.. ماجادلش.
جري على عربيته، وقبل ما يفتح الباب بص لي: “حازم؟”
”إيه يا بابا؟”
صوته كان مختلف.. واطي، مجهد، ومكسور:
”أنت كان عندك حق لما مشيت امبارح.”
ركب عربيته وطار.
وقتها افتكرت إن دي أقرب حاجة ممكن أسمعها منه كـ اعتذار.
بس طلعت غلطان..
على الضهر.. كانت عربيتين شرطة واقفين قدام فيلا أبويا في التجمع.
وقبل ما اليوم يخلص.. أختي ريهام كانت بتتهمـني أنا رسميًا إن أنا اللي سرقت الفلوس!
الساعة 12:43 الضهر، أبويا اتصل تاني.
كنت هكنسل.. بس افتكرت كلمته الصبح. هو مش طالب مني أحل.. هو بس طالب أرد.
رديت: “أيوة يا بابا.”
صوت ريهام كان جايب آخر الشارع في الخلفية.. مش بتعيط، دي بتصرخ وتصوّت!
أبويا قال: “تعال يا حازم التجمع حالاً.. محتاجك.”
”لأ يا بابا.”
”يا حازم دي بتقول للظابط إنك أنت اللي كان معاك الباسوردات وحسابات البنك!”
قمت واقف من على الكنبة. سارة مراتي بصت لي بقلق وهي بتساعد أحمد في واجبه.
”هي اتجننت ولا إيه؟!”
أبويا كرر نفس الكلام.. وإحساس بارد سرى في جسمي.
”أنا عمري ما حطيت إيدي على حساباتك ولا أعرف عنها حاجة!”
”أنا عارف.. بس الظابط عايز يسمع منك بنفسه.”
الموضوع كده اتغير.. دي بقت ق\ضية ورسميات.
بعد نص ساعة، كنت باركن عربيتي جنّب البيت في التجمع.
عربيتين بوكس واقفين.
أمي كانت واقفة جنّب الشباك مرعوبة.
وريهام كانت واقفة في الصالة ومربعة إيديها، ولابسة نفس البلوزة الغالية اللي كانت لابساها في العزومة امبارح، وأول ما شافتني دخلت، شاورت عليا بصوباعها:
”أهو! الشراميت أهو جيه! اسألوه هو ودى الفلوس فين!”
الظابطة الملازم اللي كانت واقفة تبص لي: “أنت حازم Collins.. قصدي أنت حازم شريف؟”
”أيوة يا فندم.”
ريهام ضحكت بسخرية: “اسألوه يا فندم عن التحويلات! ده هو طول عمره بيكرهني وبيغير مني!”
بصيت لها بقرف: “أنتِ اتجننتي؟ كرهي ليكي هيخليني أفتتح أكونت البنك بتاع بابا إزاي؟!”
”ما أنت مهندس برمجة وشغال في التكنولوجيا ومخ العيلة!”
ده كان كل دليلها! لمجرد إن شغلي في السوفت وير والشبكات في شركة اتصالات، ريهام اقتنعت إن عندي قدرة خارقة أهكر أي بنك في مصر وأسحب منه فلوس!
الظابطة رفعت إيدها: “صوتكم ما يعلاش، واحد واحد يتكلم.”
شرحت للظابطة إني عمري ما كان ليا صلاحيات على حسابات والدي، ولا عمري كنت طرف في أمورهم المادية، وإني عرفت بالقصة دي كلها لما أبويا جالي الشقة الصبح بيجري، ووريتها مكالمة أبويا الساعة 7:12 الصبح.
أبويا هز رأسه وأكد كلامي: “أيوة يا فندم.. حازم مالوش دعوة بالفلوس دي خالص.”
وش ريهام اتغير.. اتلخبطت.
هي كانت متوقعة إن أبويا هيغطي عليها ويكدب عشان يحميها كالعادة.
التوقع ده اتزرع فيها على مدار 30 سنة!
لما كانت في الثانوي وخبطت العربية في سور الجيران، أبويا دفع التصليح وقال للجيران إن أنا اللي كنت سايق!
لما شالت مواد في الجامعة عشان ما بتحضرش، أبويا حط العيب على الدكاترة والمناهج!
لما تامر جوزها خسر مشروعه الأولاني، أبويا قال “قسمة ونصيب” وادالهم 100 ألف جنيه فك أزمة!
ريهام عمرها ما احتاجت تقول كدبة حبكة.. هي بس كانت محتاجة كدبة أبويا يحب يصدقها!
بس المرة دي.. في 760 ألف جنيه طاروا، وأمي كانت جابت أخرها!
أمي دخلت الصالة وهي شايلة دوسيه: “أنا طبعت الورق ده من البنك أونلاين.”
ريهام لفّت لها بزهول: “ماما?!”
أمي جهلتها تماماً وادت الورق للظابطة.
كانت كشوفات حساب.. والتحويلات باينة زي الشمس.
خلال الأربع شهور اللي فاتوا، الفلوس كانت بتتحول من حساب القرض لـ 3 حسابات:
الأول: حساب ريهام شخصياً.
التاني: حساب مشترك بين ريهام وتامر.
التالت: حساب شركة اسمها “TJR للاستيراد والتصدير”.
الظابطة بصت لريهام: “بتاعت مين الشركة دي؟”
ريهام اترددت: “بتاعت تامر جوزي…”
أبويا كشر: “شركة إيه يا ريهام؟! هو مش كان شغال مستشار؟!”
كلنا فهمنا اللعبة.
الظابطة سألت أبويا: “حضرتك وافقت على التحويلات دي كلها؟”
أبويا بص لريهام بكسرة وقال: “لأ.”
ريهام انفجرت فيه: “أنت اللي قولتلي أديتني الكارت عشان أدرلك مصاريف البيت!”
“أنا قلتلك ادفعي الفواتير ومصاريف مستشفى أمك! ما قلتلكيش اسحبي القرض كله!”
“أنا كنت باخدهم سلفة!”
“سلفة 760 ألف جنيه من غير ما تقوليلي?!”
ريهام سكتت خالص والدموع نزلت من عينها.
أمي سألتها بصوت مكسور: “الفلوس راحت فين يا ريهام؟”
ريهام بصت للأرض.. وهنا الكل عرف إن الفلوس طارت ومافيش أمل ترجع.
الحقيقة بدأت تتكشف حتة حتة..
تامر جوزها بعد ما اتطرد من شغله، دخل في سكة “المضاربة والبورصة والأبلكيشنز بتاعة الرهانات الرياضية”.
في الأول خسر مبالغ صغيرة، ووهم ريهام إنه لو ضخ فلوس أكتر هيعوض الخسارة.
ريهام سحبت أول 50 ألف.. طاروا!
سحبت 100 ألف.. طاروا!
وبعدين بقت تسحب بالـ 200 ألف عشان تغطي الخساير.. ولحد امبارح العصر، تحويلة الـ 280 ألف جنيه الأخير راحت كاش في حساب شركته، وتامر لم الشنطة وطار على مطار القاهرة أو هرب في أي محافظة!
أبويا كان هيطب ساكت: “كنتِ بتسحبي الفلوس امبارح وإحنا قاعدين بناكل وبنضحك في العزومة؟!”
ريهام بقت بتعيط بجد: “كان بيقولي دي آخر ضربة وهنرجع كل الفلوس ونعمل ملايين!”
قلت لها بسخرية: “مفيش حاجة اسمها ضربة مضمونة في القمار يا ريهام.”
صرخت في وشي: “محدش أخد رأيك يا حازم! أطلع منها أنت!”
الظابطة دخلت ونهت الكلام: “إحنا هنعمل بلاغ رسمي بالواقعة، وبالنسبة للزوج هينزل عليه تحريات وطلب ضبط وإحضار.”
أبويا كان قاعد على الكرسي مكسور: “أنا وثقت فيكي يا ريهام..”
ريهام مسحت دموعها بغل وقالت له: “أنت طول عمرك بتثق في حازم أكتر مني!”
ضحكت من كتر العجب!
نفس السكريبت العائلي المريض! ريهام تضيع قريبة من مليون جنيه، وبرضه تطلعني أنا السبب وأنا اللي وحش!
شاورت عليا: “هو فاكر نفسه أحسن منا! طول عمره بيتنطط علينا!”
رديت بثبات: “لأ يا ريهام.. أنا بس شايف إن كل واحد لازم يشيل مسؤولية قرف أفعاله.”
”اخرس يا حازم!”
أبويا بالعادة كان هيقولي: “حازم! عيب اتكلم مع أختك كويس!”
وفعلاً أبويا فتح بؤه وقال تلقائياً: “حازم…”
بس الصمت ساد القاعة.. وأبويا استوعب هو بيعمل إيه.
حتى وهو بيضيع وبيفتلس، كان مجبر تلقائياً يسكتني أنا عشان يريح ريهام!
أبويا غمض عينيه.. وبعدين بص لريهام وقال بصلابة لأول مرة في حياته:
“لأ.. حازم يتكلم براحته، وأنتِ اللي تسكتي!”
ريهام بصت له كأنه ضربها بالنار.
أنا ماكنتش محتاج أعمل خطبة عصماء، قلت كلمتين هاديين:
“امبارح ابنك زق أكل ابني على الأرض وضحكتوا، وبابا طلب من ابني يعتذر.. دي كانت المأساة اللي عايشين فيها طول عمرنا. تظلموا وتغلطوا ولما حد يتكلم تطلعوه هو الغلطان. ابنك عنده 11 سنة، لحقوا علموه قبل ما يطلع شبهكم.”
ريهام بصت لأبويا: “سايبه يغلط في ابني يابابا؟”
أبويا رد بصوت جاف: “أيوة.”
وبعدين كمل: “اتفضلي المي حاجتك واطلعي بره بيتي.”
ريهام اتصدمت: “إيه؟! دي شقة بابا اللي كبرت فيها!”
أبويا قال: “قدامك ليوم الإثنين تنقلي حاجتك وتدوري على حتة تقعدي فيها.”
”بأني فلوس يا بابا?!”
أمي هي اللي ردت المرة دي مش أبويا: “دي حاجة كنتِ تفكري فيها أنتِ وجوزك قبل ما تسرقونا.”
أمي اللي قضت عمرها كله بتطبطب وبتعدي القرف، المرة دي هي اللي وقفت.
ريهام وشها اتلوي: “يعني بايعينِّي عشان حازم؟”
أمي هزت رأسها: “لأ.. إحنا بنحمي اللي فاضل من حياتنا.”
دي الجملة اللي قطعت كل العروش. ريهام طلعت تجري على فوق وهي بتصرخ. الشرطة أخدت أقوال أبويا ومشت، وأنا قعدت مع أمي شوية بناء على طلبها هي.
خلال الكام شهر اللي بعدهم، كل حاجة اتغيرت.
تامر جوز ريهام أتقبض عليه في لوكاندة في الإسكندرية بعد أسبوعين، وكان صرف نص الفلوس والباقي اتحفظ عليه.
البيت بتاعهم دخل في إجراءات حجز البنك عشان الأقساط متأخرة.
ريهام أضطرت تأجر شقة صغيرة في منطقة شعبية في المطرية، واشتغلت في حضانة عشان تصرف على نفسها وعلى يوسف.
وفي رأس السنة.. يوسف جيه مع أمي بيتنا.
الولد كان متغير تماماً.. مافيش التنطط ولا قلة الأدب.
قرب من ابني أحمد وقال له بصوت واطي: “أحمد.. أنا آسف على اللي عملته في عزومة العيلة.”
أحمد بص له وقال: “عشان دلقت الأكل؟”
“أيوة.. وعشان قلت عليك كلام يزعل.”
أحمد هز كتافه: “خلاص حصل خير.”
مافيش حد أجبر أحمد يسامح، ولا حد غصبه يحضنه.. اعتذار حقيقي ورد هادي.
في اللحظة دي احترمت يوسف أكتر ما احترمت كبار كتير في عيلتنا.
أبويا؟
علاقتي بيه ما بقيتش وردية بين يوم وليلة.. العلاقات مش بتبهر بلمسة ساحر.
بس بقى بيحاسب على كلامه.
البنك رفض يرجع أغلب الفلوس لأن السحب كان بتفويض، وأبويا اضطر يبيع حتة أرض كان شايلها للزمن عشان يغطي ديونه.
بعد تلات شهور من الحادثة، أبويا طلب يقابلني في قهوة في الكورنيش قريب من شغلي.
وصل قبلي.. وده عمره ما حصل.
طلب شاي، وقعد يبص فيه فترة، وبعدين رفعه وبص لي:
“أنا مديون لك باعتذار يا حازم.”
سكتت واستنيت.
”مش بس عشان ليلة عزومة الأكل..”
كمل وهو بيحرك المعلقة: “أنا كنت فاكر إن إرضاء ريهام هو اللي هيحافظ على العيلة متجمعة.. ولما كنت أنت بتعترض، كنت بشوفك أنت المشكلة لأن الكلام معاك أنت كان أسهل وأنت اللي بتهدى وتكبر عقلك.”
كلامه كان وجع حقيقي بس صح.
”أنا كنت عارف إنها بتستغلنا.. بس الاعتراف بالمرض بعد 20 سنة معناه إني أعترف إن عمري كله كان غلط.”
بص لي وقال: “أنا غلطت في حق أحمد ابنك.. هو ماكانش مفروض يعتذر ليوسف.”
قلت له: “فعلاً.”
ابتسم بتعب: “أنت مش مخلّي الموضوع سهل عليا يا حازم.”
”أنت ماعزمتنيش هنا عشان أسهلها عليك يا بابا.”
”صح..”
وبعدين كمل ونبرة صوته مكسورة: “أنا آسف يا حازم.”
قبلت اعتذاره.. مش لمجرد إنه أبويا، ولا عشان صلة الرحم وخلاص.. قبلته لأنه ولأول مرة في حياته، كان عارف هو بيعتذر عن إيه بالظبط.
في عيد ميلاد أمي المرة دي، اتجمعنا في مطعم في المعادي.. أرض محايدة.
ريهام جت مع يوسف، تقريباً ما اتكلمتش معايا، وده كان تمام جداً بالنسبة لي.
وفي وسط الأكل، الويتر وهو معدي خبط كرسي أحمد بالرجل بالغط.
الكل ضحك عادي.. محدش زعق، ومحدش طلب اعتذار من الشخص الغلط!
أبويا مال عليا وقال: “عارف يا حازم؟”
“إيه يا بابا؟”
“الليلة اللي مشيت فيها وسيبت البيت.. أنا كنت فاكرك عنيد وبتقوم مشكلة من مفيش.”
ابتسمت: “ودلوقتي؟”
بص لأحمد ابني من بعيد وقال:
“دلوقتي عارف إنك كنت بتحمي ابنك.. وأنا كان مفروض أحمي ابني أنا كمان زمان.”
كان يقصدني أنا.
طول عمري كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل لي هي إن أبويا يطردني من بيته ويقولي ما ترجعش تاني..
بس اتضحت إن التهديد ده كان أول خط دفاع حقيقي أعمله لحياتي ولبيتي.
الخروج من الباب ده المرة دي م Vectorش العيلة.. هو بس كشف اللي كان مكسور ومستخبي تحت السجادة بقاله سنين.
أحمد ابني اتعلم درس أنا أخدت 30 سنة عشان أتعلمه:
مش معنى إن حد صوته أعلى منك وبيزعق.. يبقى أنت مجبر تعتذر له.
ساعات أصح وأقوى رد على أي تهديد أو افتراء.. هو إنك تلم حاجتك، تاخد عيلتك في إيدك.. وتروح بيتك وأنت مرفوع الراس.