ولاده حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
«روح لوحدك.. أنت بتهولي الموضوع!»، أحمد زعق وهو بيبصلي بقرف وأنا بترجاه يفضل جنبي وأنا بتموت من وجع الولادة. بدال ما يمسك إيدي، دور عربيته وطلع يجري عشان يحتفل بعيد ميلاد أمه. ولدت من غير ما يكون جنبي. بعد يومين، دخل عليا أورته المستشفى ومفكر إني هسامحه بالسهولة دي.. بس نظرة واحدة حوليه في الأوضة خلت وشه يصفر، ويتخرس، ويتمنى لو ماكانش سابني ومشى في اليوم دا. اللي حصل بعدها غير حياتنا كلنا للأبد.
أنا اسمي سارة، وأسوأ يوم في حياتي بدأ في قسم النساء والولادة.
كنت في الأسبوع الـ 39 حامل في أول طفل لينا لما ألم الطلق بدأ معايا أول ما الشمس طلعت. جوزي، أحمد، وصلني المستشفى، بس بدل ما يهديني أو يطمني، قضى الطريق كله بيتأفأف ويشتكي إننا بوزنا خطة الاحتفال بعيد ميلاد أمه.
— “هو الموضوع دا ماينفعش يتأجل كام ساعة؟” زفر بضيق وهو بيبص في تليفونه.
فتكرته بيهزر.. بس للأسف ماكانش بيهزر.
لما الممرضة أكدت إني خلاص في مرحلة ولادة فعلية، أحمد اتنهد بضيق واستفزاز:
— “أمي بقالها أسابيع بتجهز للعزومة دي!”
مسكت إيده وأنا صرخة الوجع محبوسة في زوري مع الطلقة الجديدة:
— “أرجوك.. ما تسيبنيش لوحدي!”
شد إيده مني ببرود:
— “سارة، أنت أوفر وبتهولي! النسوان بتولد كل يوم عادي يعني!”
الممرضة بصت له وهي مش مصدقة اللي بتسمعه:
— “يا فندم، مدامك بتولد ووضعها متقدم جداً، محتاجة وجودك جنبها!”
أحمد هز كتفه بلامبالاة:
— “أمي مش هتم ستين سنة غير مرة واحدة في العمر.”
ماكنتش مصدقة اللي بيمر عليا. الدموع كانت نازلة على وشي زي المطر:
— “دا ابنك أنت كمان!”
جاب مفاتيح العربية من على الترابيزة:
— “هرجعلك بالليل.”
— “لأ!” اترجيته، “عشان خاطري إفضل هنا!”
بدل ما يلين، بصلي بزهق وقرف:
— “روحي ولدي واخلصي، وهشوفه بعدين.”
وخرج من أوضة الولادة من غير ما يلف وشه يبص عليا حتى!
الممرضة طبطبت على كتفي بالراحة وقالتلي:
— “أنت مش هتبقي لوحدك.”
وعلى طول اتصلت برقم الطوارئ اللي كنت كاتباه في ملفي.
في أقل من نص ساعة، والدي، الحاج عبد الرحمن، وأختي الصغيرة، نورهان، كانوا داخلين يجرو على المستشفى في التجمع.
أبويا حضنني جامد وهو بيتنفذ بصعوبة:
— “أنا جنبك يا بنتي.. ما تخافيش.”
طول الست ساعات المجهدة اللي بعد كده، ما فارقونيش ثانية. لما الوجع بقى مش محتمل، أبويا كان واقف يدعيلي برة الأوضة ونورهان ماسكة إيدي في كل طلقة ونَفَس.
الساعة 7:42 بالليل، ابني شرف الدنيا.
أول ما شلت “نوح” بين إيديا، كل وجع ووجع قلب حسيت بيه اتبخر في ثانية.
بس أحمد ما اتصلش..
ما بعتش مسج..
ولا حتى كلف نفسه يسأل إذا كان ابنه اتولد بخير ولا جراله حاجة!
بعد يومين، وأنا بجهز نفسي عشان أخرج من المستشفى، باب الأوضة اتفتح بالراحة.
أحمد دخل وهو شايل بوكيه ورد صغير وراسم على وشه ابتسامة صفرا ومكسوفة:
— “أهلاً.. ألف مبروك يا سارة.”
قبل ما ألحق أرد، عينيه لفت في الأوضة.. والابتسامة اتشفطت من وشه في ثانية.
جنب سرير نوح، كان واقف والدي.. وجنبه اثنين محامين ومعاهم دوسيهات وأوراق قانونية مالية الترابيزة.
الحاج عبد الرحمن بص لأحمد في عينيه مباشرة وقال بجمود:
— “إحنا مستنيينك من بدري يا أحمد..”
الجزء الثاني:
أحمد اتسمر مكانه عند الباب.
نظراته كانت بتتنقل بين أبويا، والمحامين، وفي الآخر استقرت على “نوح” اللي كان نايم بهدوء في سريره الصغير.
— “إيه كل دا؟” سأل وهو بيحاول يداري توتره.
أبويا بكل هدوء قال له:
— “اقعد يا أحمد.”
أحمد ضحك ضحكة صفرا ومكسورة:
— “في إيه يا حاج عبد الرحمن؟ إحنا في مستشفى على فكرة!”
واحد من المحامين فتح ملف جلد أسود وقال:
— “أستاذ أحمد، إحنا هنا بناءً على طلب المدام سارة.”
أحمد لفلي وبصلي بذهول:
— “سارة.. إيه اللي بيحصل هنا؟”
خدت نفس طويل وقلت بصوت ثابت:
— “على مدار تسع شهور، كنت دايماً بلاقيلك أعذار.”
كشر وش وقال: “أعذار لإيه؟”
— “ماحضرتش معايا ولا زيارة دكتور.”
نزل عينيه في الأرض.
— “ماحضرتش كورس تحضير الولادة.”
— “كنت مشغول في الشغل!”
— “نسيت كل السونارات وما حضرتش غير واحد بس.”
— “قلت لك كان عندي شغل!”
— “ولما كنت محتاجة وجودك في أكتر لحظة فارقة في حياتي…”
سكت ثانية وأنا ببص في عينيه:
— “سبتني وذهبت تحتفل بعيد ميلاد أمك.”
الهدوء طبق على الأوضة.
المحامي حط مجموعة من الأوراق على الترابيزة اللي جنب السرير:
— “الورقة الأولى بتفيد إن المدام سارة عينت مكتبنا لتمثيلها قانونياً.”
ابتسامة أحمد اختفت تماماً.
— “والورقة الثانية هي دعوى طلاق للضرر.”
وش أحمد اتخطف ولونه أبيض زي الملاية:
— “بتطلبِ الطلاق؟! عشان ليلة واحدة؟!”
هزيت رأسي بنفي:
— “أنا ما أخدتش القرار دا عشان ليلة واحدة.. أنا أخدته لأن الليلة دي كشفتلي بالظبط أنا موقعي إيه في حياتك.”
أبويا فتح ألبوم صور صغير وحطه جنب الأوراق.
أحمد فتح الألبوم بإيد بتترعش..
كل صفحة كانت فيها دليل ضد إهماله:
صور لمواعيد الدكاترة اللي اعتذر عنها، صور لسبوع وأجواء تحضيرات البيبي اللي ما حضرهاش، سكرين شوتس لرسائل كتير سابها من غير رد، وحتى تفاصيل الخروج من المستشفى..
وكان فيه كمان طباعة لقطات من كاميرات مراقبة المستشفى عند البوابة وهي مسبتة لحظة خروجه ومسحوبه بعربيته وأنا جوة بين الحيا والموت.
أبويا اتكلم بصوت واطي بس حاسم:
— “أنت سبت مراتك ورميتها في أصعب لحظة في حياتها عشان عزومة.”
أحمد حط إيديه الاثنين على وشه وقال:
— “أنا غلطت غلطة واحدة!”
رديت عليه بكل قوة:
— “لأ يا أحمد.. أنت غلطت مئات الغلطات، ودي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير.”
في اللحظة دي، تليفون أحمد رن.
كان رئيسه في الشغل.
استأذن وخرج للطرقة يرد، وبعد خمس دقائق رجع الأوضة وشكله مكسور ومهزوم تماماً.
إدارة المستشفى كانت قدمت شكوى رسمية بعد مراجعة كاميرات المراقبة وتقارير الأمن، ورئيسه في الشركة عرف بالليحصل بعد ما إحدى الممرضات كتبت بوست على السوشيال ميديا عن الموقف من غير ما تذكر أسماء، بس الموضوع انتشر جداً وبقى سيرته على كل لسان، والشركة قررت تديه إجازة إجبارية وتفتش في موقفه لأن التصرف دا ضرب سمعته المهنيه كمدير.
أحمد بص لنوح بنظرة انكسار وقال:
— “أنا بس عايز أشيل ابني..”
سحبت السرير الصغير شوية ناحيتي وقلت له:
— “هتاخد الفرصة دي بالقانون.. بس النهاردة مش يوم مشاعرك ولا استحقاقك.. النهاردة عن الطفل اللي أنت اخترت تتخلى عنه قبل ما يتولد حتى.”
وطى رأسه وما نطقش بكلمة.
الجزء الثالث:
إجراءات الطلاق أخدت حوالي 8 شهور.
خلال جلسات التسوية، أحمد اعترف إن خروجه من المستشفى في اليوم دا كان أكبر غلطة عملها في حياته كلها، وحاول يعتذر آلاف المرات:
— “أنا كنت فاكر إن الأيام جاية وهنعوض كل دا يا سارة..”
رديت عليه بمنتهى الصراحة:
— “فيه لحظات في العمر ما بيبقاش فيها «فرصة تانية» عشان تتعوض.. ولحظة ولادة ابنك كانت واحدة منهم.”
المحكمة حكمت باتفاق حضانة ورؤية عادل، يضمن إن أحمد يبقى ليه دور في حياة نوح وتتطور علاقتهم، بس بشرط إن مصلحة الولد تكون هي الأولوية الأولى.
وشهادة للحق، أحمد التزم بكل كورسات التربية والوالدية اللي المحكمة أمرت بيها، وما تفوتش زيارة واحدة لرؤية ابنه بعد كده.
هل اتعلم وبقى أب أفضل؟ الوقت هو اللي هيثبت دا..
أما هل بقى زوج أفضل؟ فدي ما بقتش قضيتي ولا تخصني خلاص.
أنا نقلت لشقة جميلة وفيها هدوء في المعادي، على بعد 10 دقائق بس من بيت والدي ووالدتي.
أبويا هو اللي ركب سرير نوح بإيديه، ونورهان اختي هي اللي دهنت أوضة الأطفال بنفسها.
ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إني محاطة بجمال الناس اللي بتثبت حبها بالأفعال والتواجد، مش بالوعود الفارغة.
في ليلة من الليالي، وأنا بهز نوح عشان ينام، افتكرت يوم الولادة..
الوجع الجسدي خلاص اختفى ونسيته..
بس اللي يفضل محفور في قلبي وعقلي، هي اللحظة اللي أبويا دخل فيها من باب المستشفى وقال لي: “أنا جنبك يا بنتي.”
ساعات العيلة الحقيقية مش هي الشخص اللي بيبهرك بالوعود والكلام الحلو..
العيلة هي الناس اللي بتلاقيهم واقفين في ظهرك وبيوفوا بوعودهم لما الدنيا تضيق بيك.
ناس كتير بعد كده سألوني: “هل ندمتِ إنك طلبتِ الطلاق بسرعة كده؟”
وإجابتي عمرها ما اتغيرت:
— لأ.
الزواج ممكن يستحمل الأيام الصعبة، الضغوط المادية، والمشاكل..
بس عمره ما بيعيش لما يكون فيه طرف بيضل يبدي كل الناس على الشريك اللي محتاجه في أصعب لحظاته.
اليوم اللي اتولد فيه نوح علمني درس أتمنى إنه يشيله معاه بقية حياته:
الحب مش بالكلام الفاضي ولا بالوعود..
الحب بيتقاس بـ مين اللي بيفضل واقف جنبك لما الحياة بتبقى صعبة.
النهاردة، نوح بيكبر في بيت هادي، مليان حب واستقرار وناس عمرها ما تخليه يشك لحظة في قيمته عندهم..
ودي أكبر هدية كان ممكن أقدمهاله في حياته.