الوصية
قراءة الوصية كانت يوم التلات الصبح، في مكتب محامي في الدور التاني.. اسم المحامي نورا نسيتُه أول ما خطت برة الباب. الأوضة كانت ريحتها عفش قديم وقهوة محروقة.
نورا كانت قاعدة على كرسي جلد، ماسكة شنطتها في حضنها. قضت ٣٠ سنة شغالّة ورديات ليلية في مستشفى ، بتوقع على آلاف استمارات الدخول، فكانت عارفة كويس إزاي تقعد ساكتة ومستقيمة على كرسي مش مريح.
ابنها طارق وصل متأخر ١٢ دقيقة، لابس بدلة رمادي، وعينه في الموبايل قبل حتى ما يقعد. وبنتها “شيري” قعدت جنبه، مربعة إيديها وبتبص على الجراج من الشباك.
الصغير مجاش، بقاله أسبوعين مابيردش على مكالماتها.
المحامي بدأ يقرأ الوصيه القانونية الروتينية.
(أم نورا، الحجة “حكمت”) كانت منظمة في موتها زي ما كانت منظمة في حياتها بالضبط. كل حاجة بحساب، وكل اسم مكتوب قدامه نصيبه.
الفيلا اللي في الشروق راحت لطارق. أربع أوض نوم، وجراج يشيل عربيتين، والجنينة اللي نورا زرعت فيها شجرة مانجو السنة اللي ولادها اتولدوا فيها.
طارق ما تهزش وهو بيسمع المحامي. هز رأسه مرة واحدة وخلاص.
العربية العربية راحِت لشيري، عربية سيراتو موديل قريب، ماشية كيلو مترات قليلة.
والشهادة اللي في البنك، يجي ١١٠ ألف جنيه، اتقسمت بين طارق وشيري بالنص.
نورا فضلت منتظرة…
المحامي ظبط نظارته وقال: “وأخيراً.. لنورا ليلى، البيت القديم اللي في عزبة الخبيري في المطرية، المملوك حالياً لورثة المرحوم الأستاذ فاروق.”
طارق رفع عينه من الموبايل وقال: “ده بيت الخال فاروق! اللي بدرومه مغرق مياه مجاري ومصفي؟”
المحامي رد: “مضبوط.”
طارق: “أنت بتتكلم جد؟”
المحامي: “الملكية اتنقلت لوالدتك المرحومة بعد وفاة السيد فاروق، وما حدش طالب بيها لأن ما حدش كان عايزها.”
طارق بص لنورا، وبعدين لشيري، ورجع بصللمحامي وقال: “الحي أصل أصدر قرار إزالة للبيت ده! الأساسات مأكولة والمياه الجوفية والمجاري مغرقة البدروم من سنين. ده بيت ما يتباعش ببلاش!”
المحامي ما ردش، وزق الأوراق ناحية نورا. شيري كانت لسة ما رفعتش عينها.
طارق قال: “يا ماما، أنتِ فاهمة ده إيه؟ ده بيت آيل للحق وساقط في منطقة عشوائية.. تيتة سابتلك خرابة.”
نورا مسكت القلم ووقعت بسرعة وثبات، من غير ما تبص لحد.
برة في الجراج، طارق حصلها. كان لابس الابتسامة إياها.. ابتسامة لما يكون هيشرح لها حاجة فاكر إنها مش هاتفهمها لوحدها.
”بصي يا ماما، أنا أعرف مقاول شغال في منطقة المطرية بيلم أراضي.. ممكن أكلمهولك وياخد الأرض دي بأي مبلغ، ٢٠ ولا ٣٠ ألف جنيه.. أحسن ما تقعدي ببيت آيل للسقوط والمجلس المحلي ييجي يهدّه على حسَابك.”
نورا قالت بهدوء: “أنا هروح أشوفه الأول.”
طارق: “تشوفي إيه بس؟”
نورا فتحت باب عربيتها الشاهين، موديل قديم، الصدام القدامي مكسور، وماشية فوق الـ ٢٠٠ ألف كيلو. الكنبة اللي ورا كان عليها بطانية وشنطة بلاستيك فيها غيارين.. كل اللي حيلتها في الدنيا دلوقتي، برة الشنطة اللي في إيديها.
طارق قال: “يا ماما مفيش حاجة هناك تيتشاف!”
ردت وهي بتركب: “يبقى مش هاخد وقت.”
طلعت بالعربية واتجهت ناحية طريق الإسماعيلية ومنه على المطرية. السكة خدت ساعتين في الزحمة. الشوارع الكبيرة بدأت تضيق، والمحلات الكبيرة تحولت لورش ومحلات حدايد وبويات ومباني قديمة طوب أحمر.
نورا كانت راحت المكان ده مرة واحدة زمان.. كان عندها ٧ سنين.
في الكنبة اللي ورا في عربية جيلها القديمة، أمها كانت واخدة نورا لزيارة الخال فاروق في يوم جمعة في أكتوبر. نورا ما كانتش فاكرة حاجة من السكة نفسها، بس فاكرة ريحة التراب والكركبة لما دخلوا الشارع. وفاكرة كركبة السلالم.
وافتكرت كل تفصيلة في اللي فاروق ورّاهولها وقتها.
كان مسك إيدها ونزل بيها درجات سلم حجر لحد البدروم. الجو كان طراوة وريحته برادة خشب وعفونة قدم. على الحيطان، وعلى أرفف وبنك شغل قديم، ومتعلقة في مسامير حديد.. كانت فيه حيوانات متأورة ومحفورة من الخشب!
غزال بقرون رفيعة أوي تحس إنها هتتكسر لو نفخت فيها. دُب واقف على رجليه. وعصفورة فرادِة جناحاتها وهي طايرة، محفورة كلها من حتة خشب أرو واحدة.
فاروق كان وطي جنبها وحط العصفورة في إيدها الصغيرة وقالها: “ده المكان اللي بشيل فيه الحاجات اللي بجد ليها قيمة.”
نورا شالت العصفورة دي معاها ٦١ سنة.
دلوقتي، العصفورة كانت جُوّة شنطتها، ملفوفة في منديل قماش أبيض.. دي الحاجة الوحيدة اللي لحقت تاخدها من بيت أمها قبل ما طارق يغير طبلة الباب
أخر نص كيلو في الشارع كان تراب ومش ممهد.. الشجر كان متداخل فوق الطريق وطالع منه ضل مغطي السكة.
وبعدين الشارع لَفّ، والبيت ظهر.
كان بيت قديم دورين، خشبه مقشر من الشتاء والشمس ولونه بقى رمادي باهت. البلكونة أو الشرفة القدامية كانت مايلة ومكسورة من النص، وتلات شبابيك من أصل خمسة في الدور الأرضي كانوا مقفولين بألواح أبلكاش.
وعلى الباب الرئيسي، كانت محطوطة يافطة صفراء مسمّرة من الحي: “عقار آيل للسقوط – يمنع الاقتراب”، تاريخها كان من سنة وشهرين.
الشارع والجنينة اللي حوالين البيت كانت الهالوك والحشايش الطفيلية طالعة فيها لحد الوسط، وعلى جنب كان فيه عربية نص نقل قديمة مرفوعة على طوب أحمر.. من غير كوتشات ولا نمر.
وعلى درجات السلم القدامي، في حتة شمس دافية من بتاعة العصر، كان قاعد كلب.. كلب بلدي أسمر في أبيض، ودانه طويلة وضلاعه باينة من كتر الجوع.
رفع راسه أول ما عربية نورا قربت، بس ما هبش، ولا جري.. فضل قاعد بيراقب بهدوء.
نورا نزلت من العربية ببطء.
وقالت له بصوت واطي: “أهلاً يا معلم..”
ديل الكلب خبط خبطة واحدة على الخشب.. هزّة بطيئة ومحسوبة.
مشيت ناحية السلالم وقعدت على الدرجة التانية، بعيد عنه بكام شبر. ما مدتش إيدها عشان تلمسه.. قعدت وبس.
سألته: “أنت بتاع فاروق؟”
هزة ديل تانية.. أبطأ.
“بقالك أقد إيه قاعد لوحدك هنا؟”
الكلب بص لها بعيون عسلية كانت منتظرة بقالها كتير أوي إن حد يعدي من السكة دي. بعدين قام، قرب منها، وقعد جنبها بالضبط.. زنق كتفه النحيف في ركبتها.
نورا حطت إيدها على راسه ببطء، وقالت: “هنسميك.. سعد.”
ما كانتش عارفة الاسم ده جه في بالها منين، بس هو طق في دماغها كده.
قعدوا مع بعض على السلم شوية. الشمس كانت بتبدأ تغيب، وصوت عصافير كان طالع من آخر الشارع. “سعد” كان ضاغط راسه في إيدها وقافل عينه.. ولأول مرة من أسابيع، نورا حست إنها في المكان الصح اللي المفروض تكون فيه.
بعد شوية، قامت، داست برجليها على خشب السلم تتأكد إنه يستحمل، وزقت الباب القدامي.
الريحة خبطت في وشها على طول.. ريحة رطوبة، ومياه مركونة، وخشب بيعفن ويدوب من كتر الندى والمياه طول السنين.
الصالة كانت فاضية تقريباً.. كنب شلتُه ضايعة، ومكتبة خشب فاضية على الحيطة، والتراب مغطي كل حاجة بأسلوب يخليك تعرف تكتب فيه بصباعك.
كان فيه مدخل على الشمال بيودي لطرقة صغيرة، وفي آخرها باب متوارب. ورا الباب ده، كانت فيه درجات سلم حجر نازلة على ضلمة كحلي.. وكان فيه صوت مياه مسموع، صوت خفيف، زي مياه بتخبط في حاجة ناشفة تحت.
نورا طلعت كشاف صغير من شنطتها، فتحت الباب على آخره، ووجهت نور الكشاف لتحت.
النور ضرب في مياه سوداء وساكنة.. مغرقة البدروم واصلة لحد الدرجة التالتة من فوق. وش المياه كان عاكس النور وراده في وشها زي المنظرة.
نورا فضلت واقفة مكانها، نور الكشاف بيترعش على وش المياه المظلمة. “سعد” جه وقوف جنبها على أول السلم، طلع صوت أنين واطي وهو بيبص لتحت.
نورا بصت لكشافها، وبعدين للبدروم المغرق. افتكرت كلام ابنها طارق: “خرابة.. مياه مجاري ومصفي.. ما تساويش ٢٠ ألف جنيه.” بس نورا كانت ممرضة سهرت ٣٠ سنة في استقبال طوارئ القصر العيني. شافت حالات الأطباء قطعوا الأمل فيها، وبصبرها واهتمامها كانت بترجع تسندهم على رجليهم. البيت ده بالنسبة لها ما كانش خرابة.. كان مريض محتاج حد يتفرغ له.
نزلت خطوة واحدة على السلم الحجر الناشف، وقربت الكشاف أكتر. المياه ما كانتش ريحتها مجاري زي ما طارق قال.. دي كانت ريحة مياه جوفية مخلطة بماء مطر، ريحة طمي نيل وخشب قديم.
وفجأة، نور الكشاف خبط في حاجة طافية على وش المياه القريبة من السلم.. حتة خشب مربعة، محفورة بدقة.
نورا وِطت بكل حذر، ومدت إيدها جوة المياه الساقعة، ورفعتها. كانت بلاطة خشب أرو، محفور عليها شكل وردة بلدي بكل تفاصيل بتلاتها، والماء ما قدرش يأكلها لأنها كانت مدهونة بزيت معالج قديم.
ابتسمت نورا ببطء، ومسحت حتة الخشب في غيار من غياراتها. فاروق ما سابش خرابة.. فاروق ساب ورشته القديمة غرقانة تحت.
خرجت نورا للصالة، وشمرت أكمام بلوزتها. الساعات المتبقية من النهار قضتها في شغل شاق. جابت جردل قديم لقته في البلكونة، وبدأت تحاول تنظف التراب من الصالة والأوضة الجانبية. شالت بواقي الأبلكاش المكسور، وفتحت الشبابيك عشان تدخل هواء المطرية الناشف وريحة الشمس.
لما الليل نزل، الشارع بقى كحل. مفيش كهرباء شغالة في البيت. نورا فرشت البطانية على الأرض في الأوضة النظيفة، وقعدت أكلت بقسماط وجبنة كانت جايباهم معاها، وقسمت النص مع “سعد” اللي رفض يفارق رجلها.
طلعت العصفورة الخشب من شنطتها، وحطتها جنبها على الأرض. وبكت لأول مرة.. مش حزناً على الفيلا اللي طارق خدها، ولا على العربية اللي شيري خدتها، ولا على السنين اللي ضاعت من عمرها بتخدمهم.. بكت عشان حست لأول مرة إنها حرة.
تاني يوم الصبح بدري، صوت خبط على الباب صحّاها.
فتحت الباب، لقت راجل كبير في السن، لابس جلابية وشال، ومسك في إيده إبريق شاي وطعمية سخنة. “سعد” هز ديله أول ما شافه.
الراجل قال بابتسامة طيبة: “أنا عم صابر، الحداد اللي في أول الشارع.. شفت نور الكشاف إمبارح وعرفت إن فيه حد جوة. أنتِ قريبة الحاج فاروق؟”
نورا ردت: “أنا اخت أخته.. نورا.”
عم صابر تنهد وقال: “الله يرحمه.. الحاج فاروق كان أرجل راجل في السكة دي. البيت ده وقف حاله من يوم ما المياه الجوفية ضربت فيه بعد ما الحي هدم المسبك القديم اللي جنبنا وقفلوا المصرف. البدروم ده فيه تحف خشب يسوا ملايين يا أبلة نورا.. فاروق كان حافر حياته كلها تحت.”
نورا بصلته بلهفة: “يعني المياه دي مش مجاري؟”
عم صابر ضحك: “مجاري إيه! دي مياه جوفية نظيفة محبوسة عشان المصرف مسدود! لو طلمبة شفط صغيرة اشتغلت يومين، مع تسليك الوصلة القديمة اللي على الشارع، البدروم ده ينشف في ٤٨ ساعة!”
في خلال أسبوع واحد، وبقرشين صغار كانت نورا شايلاهم على جنب بعيد عن حساب البنك، وبمساعدة عم صابر وبعض الشباب جدعان السكة في المطرية، جابوا طلمبة مياه مستعملة.
صوت الطلمبة وهو بشفط المياه كان زي المزيكا في أذن نورا. يوم ورا يوم، المياه كانت بتقل، ودرجات السلم الحجر بتبان واحدة ورا التانية.
وبعد أسبوعين.. نزلوا البدروم.
المشهد كان يطير العقل. البدروم كان واسع جداً، والرفوف العالية اللي فاروق كان عاملها فوق مستوى المياه كانت شايلة مئات القطع الخشبية المحفورة: تماثيل، معالق خشب أوتيك، بوابات متأورة، وصناديق مجوهرات من خشب الزان والآرو الشديد. الأخشاب العالية ما جاش عليها مياه، واللي صابته المياه تحت كان محتاج جفاف وترميم بسيط لأن فاروق كان دهن كل حاجة بزيوت حماية طبيعية.
وفي وسط البدروم، كان فيه بنك الشغل الكبير بتاعه، وعليه صندوق خشب مقفول بقفل حديد صادى.
عم صابر جاب أزمة وكسر القفل.
جُوّة الصندوق، ما كانش فيه فلوس.. كان فيه دفتر مذكرات قديم للفاروق، ومجموعة أوراق ملكية وأختام، ومعاهم كمية كبيرة من الأحجار الكريمة الخام والعقيق اللي كان بيطعم بيها الخشب!
كتب فاروق في أول صفحة في الدفتر: “اليوم اللي هغرق فيه أو أموت، البدروم ده مش هيفتحه غير حد بيفهم قيمة الخشب مش قيمة القرش. الصندوق ده للي يصون البيت.”
بعد ستة أشهر…
في معرض فني كبير في الزمالك، كان فيه معروضات لمجموعة تُحف خشبية نادرة أُطلق عليها “مجموعة فاروق الخبيري”. المعرض حقق نجاح باهر، والمقتنين والمهندسين بتوع الديكور كانوا بيتطاحنوا عشان يشتروا القطع بآلاف الجنيهات والدولارات.
نورا كانت واقفة في وسط المعرض، لابسة فستان أسود بسيط وشيك، وفي رقبتها سلسلة فيها العصفورة الخشب الصغيرة.
وفجأة، الباب اتفتح.. ودخل طارق وشيري.
كانوا عارفين كل حاجة من الأخبار والفيسبوك. طارق كان شكله مجهد، والبدلة الرمادي شكلها بقى دبلان، وشيري كانت بتبص على اللوحات والأسعار المكتوبة بذهول.
طارق قرب من نورا، وشه أصفر وحاول يبتسم نفس الابتسامة القديمة: “ماما.. إيه كل ده؟ أنتِ إزاي ما عملتيش حسابنا في الموضوع ده؟ ده ورث تيتة حكمت وبرضه ورثنا!”
نورا بصت له بهدوء تام.. نفس النظرة الصافية اللي تعلمتها في ورديات الليل وهي بتتفرج على الناس اللي فاكرة نفسها مخلدة.
قربت منه وقالت بصوت واطي ومريح: “أنت خدت الفيلا يا طارق، وشيري خدت العربية والفلوس.. أنتم اخترتم الحاجات اللي بتتباع وتتشرى. تيتة سابتلي أنا ‘الخرابة اللي بدرومها مغرق’.. افتكر كلامك؟”
شيري حاولت تتكلم: “بس يا ماما أنتِ كسبتي ملايين من الحاجات دي! البيت ده من حقنا إحنا كمان!”
نورا ابتسمت، وشاورات لل أمن بتوع المعرض بهدوء:
“البيت ده بقى دار مناسبات وورشة لتعليم الشباب الحفر على الخشب في المطرية.. والأرض اتسجلت باسم جمعية أهلية باسم الخال فاروق. أنا ما كسبتش ملايين يا شيري.. أنا كسبت نفسي.”
شارت للأمن وقالت: “الاستاذ والاستاذة ضيوف، بس المعرض بيقفل دلوقتي.”
مشيت نورا وسابتهم واقفين في نص القاعة مش عارفين يقولوا إيه. خرجت لبرة، كانت عربيتها الشاهين متلمعة ومغسولة ومستنياها، وعلى الكنبة القدامية كان قاعد “سعد” بيبص لها وبيسد ديله.
ركبت عربيتها، ودورات الموتور، وطلعت على المطرية.. المكان الوحيد اللي عرفت فيه يعني إيه بيت بجد.