قبل السفر حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
قبل ما أسافر للمطار بـ 12 دقيقة بالضبط، بنتي اللي عندها 7 سنين حضنتني من وسطي وقالتلي حاجة في ودني شقلبت حياتنا كلها.
​”بابا، أرجوك بلاش تسافر النهارده.. ميرفت بتحطلي نقط في العصير لما بتروح الشغل.”
​شنطة سفري كانت واقفه جنب باب شقتنا في التجمع الخامس، والتاكسي اللي هيوصلني لمطار القاهرة كان واقف مستنيني تحت والعربيات شغالة. كان عندي طيارة رايحة إسكندرية ومنها على أسوان عشان مراجعة مشاريع الشركة اللي شغال فيها مدير إقليمي للتصميمات الهندسية. لحد اللحظة دي، تفكيري كله كان محصور في المخططات، والميزانيات، وهل نسيت شاحن اللاب توب ولا لأ.
​بس لما بصيت لوش فريدة بنتي، كل ده اتبخر.
​وشها خوفني أكتير من الكلام نفسه. مكنتش بتدلع ولا بتحاول تعطلني عشان تقولي قصة قبل النوم أو عشان زعلانة إني ماشي. صوابعها كانت ماسكة في جاكيت بدلتي بضغط رهيب، وعينيها رايحة جاية في اتجاه المطبخ بفرع.
​وطيت وقعدت على ركبتي جنبها.
​”نقط إيه يا فريدة؟”
​”مش عارفة يا بابا.. هي بتقولي دي فيتامينات، بس بعد ما بشربها بحس إن إيدي بترعش وقلبي بيبتدي يدق سريع أوي وببقى مش قادرة أقف.”
​ميرفت كانت مراتي بقالها 11 شهر بس. مراتي الأولى، نورهان، الله يرحمها اتوفت لما فريدة كان عندها 3 سنين بعد صراع طويل مع المرض. وعلى مدار سنتين كامليين، كرست كل دقيقة في حياتي عشان فريدة، وكنت مقتنع بيني وبين نفسي إن الجزء الحلو في حياتي اتقفل واندفن خلاص.
​لحد ما ظهرت ميرفت.
​عمرها ما طلبت مني أشيل صور نورهان من البيت. كانت بتسمع لفريدة باهتمام لما تتكلم عن أمها اللي يا دوب فاكراها، وعمرها ما اتضايقت لما أخت نورهان، نهى، كانت بتتدخل في قرارات العيلة أو تجيلنا. أنا اعتبرت هدوءها وصبورها ده دليل على إنها إنسانة نقية وأقدر أئتمنها على حياتي وبنتي.
​فريدة خفضت صوتها أكتر وهي بتكلمني.
​”هي بتصورني بالموبايل لما ببدأ أعيط أو أتنرفز يا بابا.. وبتقولي إن الفيديوهات دي هي اللي هتخليك تفهم إن عندي مشكلة في مخي وإن أنا تعبانة.”
​دمي اتجمد في عروقي، وحسيت بتقل رهيب فوق صدري.
​”وليه متكلمتيش يا فريدة من بدري؟”

​عينيها اتملت دموع:
“قالتلي إنك مش هتصدقني وهتفتكرني بغير منها عشان مش عوزاها تبقى ماما جديدة.. وقالتلي لو حكيتلك أي حاجة، الفيديوهات دي هتاخدك للمستشفى وتثبت إن أنا بنسج خيالات وبكذب.”
​قبل ما ألحق أرد أو أستوعب البشاعة دي، خرجت ميرفت من المطبخ وهي شايلة مج القهوة بتاعي. شعرها الأصفر كان ملفوف ومتظبط بنظام، وابتسامتها كانت دافية ومهندمة كفيلة تخدع أي حد مسمعش اللي فريدة لسه قايلاه.
​”إيه ده؟ شكل في ناس مش عايزة بابا يسافر خالص النهارده!”.. قالتها بنبرة خفيفة وضحكة هادية.
​وقفت حابك مشاعري، بوست خدها، وأخدت منها مج القهوة.
​”أول ما أوصل هكلمك على طول.”
​أخدت شنطتي ونزلت بسرعة.
​بعد شارعين بس من البيت، طلبت من التاكسي يقف. أغلقت موبايلي، كنسلت الحجز والطيارة، وكلمت حازم، مهندس شبكات وأمن ومعلومات كان عاملنا سيستم الكاميرات والإنترنت في مشاريع الشركة. كاميرات بيتنا كانت متوصلة بأكاونت باسمي على الموبايل، وفي خلال ساعة ونص، حازم قدر يوصل للأرشيف والسجلات الممسوحة من السيستم الرئيسي والمربوطة بالسيرفر السحابي.
​أول فيديو ظهر قدامي: ميرفت واقفة جنب كاس العصير بتاع فريدة في المطبخ، ماسكة قطارة إزجاج صغيرة لونها بني. نقطت كذا نقطة جوه العصير، قلبت المعلقة بالراحة، ورجعت القزازة في أبعد دلفة فوق في المطبخ.
​فيديو تاني: فريدة رايحة جاية في المطبخ بتنهد وبتتكلم بسرعة وجنون عن شنطة المدرسة اللي مش لاقياها، وميرفت واقفة قدامها ببرود، رافعة الموبايل بتصور.
​”قوليلي تاني يا فريدة.. قطعتي الكشكول بتاعك ليه؟”
“أنا مقطعتوش! ده اتقطع وأنا بطلعه بالعافية من الشنطة!”
“أنتِ بتعلي صوتك عليا؟”
“عشان أنتِ مش مصدقاني وبتقولي كلام معملتوش!”
​المشهد كان مرعب.. بنتي كانت في حالة توتر عصبي غير طبيعي، ضربات قلبها وحركتها كانت هيستيرية بسبب المادة اللي بتاخدها، وميرفت بتستغل الحالة دي وتستفزها عشان تسجل اللحظات دي بس!
​كلمت دكتور سمير، طبيب تحاليل وصديق عيلة قديم، وطلبت منه يجيلي فوراً على كافيه هادي في المعادي بعيد عن بيتنا. أخدت فريدة من المدرسة بدري بأسلوب هادي عشان متخافش، وعملنالها تحليل دم كامل وشعر.
​النتيجة طلعت بعد ساعات وكانت صدمة.. دم بنتي كان فيه نسب مادة هرمونية ودوائية معينة بتسبب اضطرابات شديدة في الجهاز العصبي، خفقان في القلب، ونوبات هلع وتوتر حاد، والمادة دي لو استمرت لفترة أطول كانت ممكن تعملها مشاكل دائمة في المخ.
​أنا مكنتش شايف قدامي. الشياطين كانت بتتنطط قدام عيني. أخدت فريدة وديتها عند أختي في مصر الجديدة وأمنتها كويس، ورجعت على شقة التجمع الخامس.
​فتحت الباب ودخلت. ميرفت كانت قاعدة في الصالة بتشرب شاي وبتقلب في المجلات. أول ما شافتني اتفاجئت ووقفت.
​”أحمد؟! أنت كنسلت السفر؟ في حاجة حصلت؟!”
​رميت الموبايل على الترابيزة قدامها، وكان شغال عليه الفيديو وهي بتحط النقط في العصير.
​وشها اصفر، بس الغريب إنها مانهارتش.. الملامح الدافية والابتسامة الاختفت تماماً وحل مكانها برود يرعب.
​”أنت بتعملي إيه في بنتي يا ميرفت؟ بتسممي بنتي ليه؟! قوليلي قبل ما أطلب النجدة وأوديكي في داهية!”
​ميرفت بصلتي بمنتهى الثبات، مشيت بالراحة لحد المكتبة، طلعت ظرف أبيض مقفول، ورجعته حطته على الترابيزة جنب موبايلي.
​”قبل ما تطلب النجدة وقبل ما تتهم وتصرخ.. اقرأ الجواب ده الأول.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *