اخت جوزي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
اخت جوزي كانت بتعاملني كأن سواق عندها حتى وأنا عيانة؛ اتطلقت وبدأت حياتي من جديد، بس بعد سنتين دخلت الكافيه بتاعي وعاملة نفسها مش كرفاني…اليوم اللي اخت زوجي “شهيرة” كلمتني فيه الساعة سته الصبح عشان أوديها الإسكندرية، كنت قاعدة على أرضية الحمام بمهد من السخونية وجسمي بيموتني.
— مش هقدر —قلتلها بصوت طالع بالعافية—. طول الليل برجع ومحتاجة اروح لأي دكتور.
— وأنا مالي بالقصة دي كلها؟ أنا معادي هناك الساعة 11، وخلاص قلت لصحباتي إنك انتِ اللي هتوديني.
هي كانت كده.. عندها 25 سنة، عمرها ما طلبت طلب بأدب، كانت بتملي أوامر وتستنى الكل ينفذ وهو ساكت.
لما اتجوزت “حسام”، كان عندي 31 سنة وكان عندي كافيه صغير كده على أدي في القليوبية. ما كانش مشروع مهول، بس كان ملكي وبجهدي. هو كان شغال مع أبوه في مشتل نبتات زينة ومستلزمات حدائق في أطراف بنها. وعدني إني لو نقلت معاه، هنبني بيت هادي وحياة مريحة.
قفلت الكافيه بتاعي ونقلت معاه.
بيتنا كان يبعد خمس دقايق بس عن بيت حمايا وحماتي. حسام كان بياخد مرتبه من أبوه، شغال معاه، وبياكل عندهم تقريبًا كل يوم. أنا اللي غيرت المحافظة وشغلي وروتيني وكل حاجة، وهما ما غيروش أي حاجة في حياتهم.
شهيرة كانت الصغنونة، ومستوية على العرش. خلصت فنون تطبيقية وقاعدة بقى لها سنتين “بتجهز للبراند بتاعها”. تنام للظهر، تروح كورس ميك أب، تخرج مع صحباتها، وتصور فيديوهات.
أول مرة تقل مني كانت في عزومة عيلة:
— أنا كنت فاكرة حسام هيتجوز واحدة أروش وأشيك من كده —قالتها وهي بتبصلي من فوق لتحت—. وبعدين إلهام سابت شغلها وجات قعدت، يا حلاوة! أخويا يطفح الكوتة وهي قاعدة مستريحة.
بصيت لحسام.. كمل أكل ولا كأنه سمع.
لما اتكلمت معاه بالليل وإني اتضايقت:
— اختي صغيرة وبتقول الكلام من غير ما تقصد، كبري دماغك انتِ الكبيرة وما تتقمصيش من أقل حاجة.
الجملة دي بقت الرد الرسمي على أي مصيبة.
لما شهيرة تديني أزايز برفان مفتوحة ولا كريمات منتهية الصلاحية، كان المفروض أشكرها.
لما تفتح باب شقتي وتدخل تأخد هدوم من دولابي، كان المفروض أقول “المشاع جميل”.
لما تطلب مني أنزل أستلم أوردرات، أو أوديها لمصمم أزياء، أو أودي حماتي للدكتور، كان لازم “أقف جنب العيلة”.
الموضوع زاد عن حده لما حسام بقى يسوق عربية نص نقل لشغل المشتل، وسابلي العربية الصغيرة بتاعته. حمايا وحماتي ما كنش لهم في السواقة أوي، وشهيرة كانت بتقول إن السواقة على السفر بتجيب لها متطلبات وتوتر.
في يوم طلبت مني أوديها سيشن تصوير في الإسكندرية. قلتلها عندي ميعاد مهم جدًا عشان أقدم ورق كورس حلويات وحلويات شرقية كنت مراهنة عليه.
بعدها بنص ساعة، حماتي كلمتني:
— العربية دي مدفوع فيها من خير البيت ده يا إلهام، لما شهيرة تحتاجها، توديها وانتِ ساكتة.
لغيت معادي..
قلت يمكن مرة وخلاص.
بس بقت هي دي القاعدة. دروس، خروجات، أوردرات، مقابلات. في مرة سابتني مستنياها أربع ساعات في جراج مول. ولما جلت، فتحت الباب اللي ورا وقعدت وقالت:
— يلا بينا، أنا فاصلة.
ولا حتى كلمة شكراً.
وأنا سكت.. لحد الصبح ده بتاع السخونية.
عدت عليها تاني وإني مش قادرة أسوق خالص.
بعد 15 دقيقة حماتي اتصلت:
— اخت جوزك عندها انترفيو مهم جدًا، بلاش أنانية بقى!
— يا طنط أنا سخنة وبموت.
— وديها وبعدين روحي للدكتور، إسكندرية مليانة مستشفيات وعيادات.
وحسام كمل عليها:
— معلش تعالي على نفسك المرة دي عشان نعدي اليوم بسلام وما نعملش مشكلة.
لبست وأنا بعيط من القهر والغل.
طول الطريق كنت شايفه بالعافية والطريق بيتهز بيا. نزلت شهيرة قدام الاستوديو وجريت على أقرب مستشفى. الدكتور قال لي عندك التهاب شديد وجفاف وضغطك واطع في الأرض. علقلي محاليل وقال لي ممنوع تسوقي خالص دلوقتي.
بعد 20 دقيقة الموبايل رن:
— أنا خلصت، تعالي خذيني.
— أنا متعلّقلي محلول في المستشفى.
— وهتقعدي كتير؟
— مش عارفة، محتاجة أرتاح.
شهيرة أتافقت بصوت عالٍ:
— إلهام، انتِ بجد كل حاجة عندك دراما! أنا واقفة بالكعب ورجلي اتدمرت، قولي للنيرس تشيل الخرطوم ده وتعيلي.
افتكرت نفسي بسهل أو مش سامعة صح:
— إيه؟
— بقولك خليهم يفصلوا البتاع ده وتعالي، ولما نرجع بنها ابقي علقي محلول تاني!
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت ميت حتة.
— أنا مش جاية.
— يعني إيه مش جاية؟
— يعني اتصرفي، خدي تاكسي، خدي أوبر، ولا كلمي أخوكي.. أنا مش هسوقلك تاني.
صوتها اتغير وبقى فيه غل:
— انتِ نسيتي القمة اللي بتاكلي منها وجايبة فلوسها منين ولا إيه؟
بصيت لكيس المحلول اللي جنبي وقلت:
— بالظبط كده.. وعشان كده بالذات، أنا مش هقبل أيت حاجة منكم تاني.
وقفلت السكة في وشها.
لما رجعت البيت، لقيت حسام وأبوه وأمه وشهيرة قاعدين مستنيني في الصالة.
حماتي شاورت على كرسي:
— اقعدي هنا.. النهاردة هتعرفي الأصول وتتعلمي ازاي تحترمي العيلة دي.
فضلت واقفة ومتحركتش.
شهيرة قعدت تعيط وتمثل إنني رميتها في الشارع، وحسام جايب اخره وبيزعق إن لازم أعتذر لها حالاً.
— أنا كنت تعبانة وبموت!
— وده مش مبرر إنك تهيني اختي وتقللي منها!
— وإيه المبرر إن اختك تطلب مني أشيل المحلول من إيدي عشان أروح أكون سواق عندها؟!
محدش رد..
شهيرة بصتلي بابتسامة صفرا وقالت:
— خلينا صرحاء يا إلهام.. انتِ من يوم ما جيتي هنا وانتِ عايشة في خير أخويا، على الأقل خلي ليكي لازمة في البيت ده!
طلعت مفاتيح العربية من شنطتي ورميتها على الترابيزة قدامهم:
— خلي العربية بالخير بتاعكم بأخوكي.. أنا ماشية.
حسام ضحك بتطاول:
— ماشية رايحة فين يعني؟
— رايحة في أي داهية، المهم مكان ما أستأذنش فيه عشان أعيا!
في نفس الليلة دي نمت عند صاحبتي.
وبعدها بتلت أيام.. رفعت قضية طلاق.اليوم اللي حماتي ضربتني فيه بالألم على وشي في المطبخ، كان صوت القلم يرن في المكان لدرجة إن 14 واحد من القرايب اللي كانوا قاعدين بره سكتوا تماماً ومحدش فيهم نطق كلمة.. ولا حتى واحد فيهم اتدحلّب أو قام من مكانه عشان يدافع عني أو يطيب خاطري.
أنا ساعتها كنت واقفة وإيدي مليانة مية وصابون، حواليا العزومة كلها، حلي بالهبل، أطباق السمك، وصواني الخضار والرقاق اللي بجهز فيها من الساعة 5 الصبح عشان المحترمين يطفحوا.
أصل كل الجنان ده بدأ لما قلت بصوت واطي ومكسور: “أنا عايزة أسافر يومين أزور أبويا وأمي.. بقالي سنة ماشفتهمش.”
حماتي وقفت قصادي وبصتلي بمنتهى القسوة وقالتلي: “تسافري فين يا روح أمك؟ ومين يقعد يخدمنا هنا؟ انتِ ما لكيش أهل غير البيت ده!” ولما حاولت أرد، رفعت إيدها ونزلت بيها على وشي.. حسيت بنار طالعة من خدي، وبصيت لجوزي “طارق” مستنية إنه يتحرك، بس كان باصص في الأرض وبيكمل أكل ولا كأنه شايف كلبة بتنضرب قدامه.
سكت.. وما ردتش. مسحت دموعي وإيدي مبلولة، وكملت غسيل الأطباق وأنا باخد العلقة دي جوايا وبأكل في نفسي. هما افتكروا إن القلم ده كسرني وشل حركتي.. ما كانواش يعرفوا إن السكوت ده كان بداية النهاية ليهم كلهم.
اصل أنا لما اتجوزت طارق من 7 سنين، كان بيتحايل عليا أساعده في شغله، وكان عامل فيها الطيب اللي بيصرف على بيته. بس أنا من أول يوم، وعشان كنت شاكّة في ألاعيب أهله واستغلالهم، بدأت أعمل حاجة محدش يتوقعها..
كل مليم كان بيدخل البيت أو الشركة بتاعته، كنت بسجله. كل شيك، كل فاتورة، كل ورقة أرباح، وكل قرش كان بيحوله من ورايا لحساب أمه وأخته.. كنت باخد منه نسخة وأشيلها في مكان محدش يعرفه. على مدار 7 سنين كاملين، جمعت سجلات وحسابات متغطية ومتشالة في السر، تثبت إن الشركة دي قايمة على فلوسي أنا، وإن طارق بيتهرب من الضرائب وبيحول فلوس الشركة لحسابات أمه الشخصية عشان يجرّدني من كل حقوقي!
بعد قلم المطبخ بـ 24 ساعة بالظبط، أخدت شنطة هدومي الصغيرة، ومعاها الفلاشة والملف الأسود اللي فيه كل الحسابات المستخبية، ومشيت من غير ما أقول لحد.
بعدها بأسبوع واحد بس.. الدنيا اتقلبت فوق دماغهم:
البنوك حجزت على حسابات طارق وأمه بسبب قضايا اختلاس وتسهيلات غير قانونية أنا اللي بلغت عنها بالورق والمستندات.
الضرائب نزلت على الشركة وقفت نشاطها وفتحت تحقيق في الفلوس المتدبسة في السر.
وأنا رفعت قضية تمكين وطلاق للضرر وطالبت بكل مليم حطيته في الكيان ده.
في يوم، لقيت الباب بيرن.. فتحت، لقيت حماتي واقفة على الباب، وشها أصفر زي الليمونة، وعينيها مكسورة، وطارق واقف وراها زي الفأر المبلول.
حماتي اللي ضربتني بالألم قدام 14 بني آدم، كانت ماسكة إيدي وبتبوسها وهي بتعيط وتترجاني: “وحياة أغلى حاجة عندك يا بنتي.. تنازلي عن القضايا، طارق هيتسجن والبيت هيتخرب ونستمر في الشارع!”
بصيت لها بمنتهى الهدوء، وشيلت إيدي من إيدها، وقلت لها بصوت واطي ورزين:
— “القلم اللي ضربتيهولي قدام أهلك كلهم، كان ثمنه كل حاجة حيلتكم.. زمان كنتِ بتقوليلي ماليش أهل، النهاردة بقى أنا اللي هوريكم الأصول بتتعمل ازاي.. بس في المحكمة.”
وقفلت الباب في وشهم.. وسيبتهم لمصيرهم اللي صنعوه بإيديهم.