صحيت من الغيبوبه حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
صحيت من الغيبوبه بس فضلت قافلة عينيا لما سمعت أمي بتقول: “لو ماتت قبل ما توقع، هنخسر كل حاجة”. جوزي كان فاضل له أيام بسيطة ويسيطر على شركتي، وأختي كانت بتخطط من بدري للتصرف في فلوسي. ما نطقتش ولا كلمة؛ فضلت مستنية لحد ما أقدر أحرك صباع واحد بس… وساعتها تبدأ مشكلتهم الحقيقية.
​الجزء الأول
​— هو شريف وقع خلاص على أوراق رفع الأجهزة؟ أصل أنا مش ناسية أنزل وأدفع ركنة كل شوية عشان أجي أشوف واحدة حتى مش حاسة إننا هنا.
​دي كانت أول جملة تسمعها فريدة وهي بتسترد وعيها بالتدريج.
​ما كانتش قادرة تفتح عينها. ولا تحرك إيدها. ولا حتى تبلع ريقها بقرار منها. كل اللي سامعاه هو صوت الصفير المنتظم بتاع جهاز ضربات القلب، والهوا اللي داخل وخارج من ريتها بمساعدة الأجهزة. كانت فاكرة المطر النازل على المحور، التريلا اللي انحرفت فجأة، بدال الفرامل اللي غطس تحت رجلها وما استجابش، والخبطة المروعة في السور الخرساني.
​دلوقتي هي مرمية في مستشفى خاص في الشيخ زايد، محبوسة جوة جسمها ومش قادرة تتنفس غير بأجهزة.
​الصوت ده كان صوت أمها، عايدة.
​— أختك محتاجة الفلوس دي أكتر منك — كملت كلامها وهي بتظبط شنطتها — داليا عاوزة تشتري شقة، وشريف بيقول إن الشركة لو بقت باسمه، كل المشاكل هتتحل.
​فريدة حست إن قلبها هيتخلع من مكانه من الصدمة.
​وهي عندها 34 سنة، قدرت تبني شركة أمن سيبراني وتكنولوجيا معلومات من الصفر، شغال فيها أكتر من مية موظف. لسنين طويلة كانت هي اللي بتدفع ديون داليا، وتغطي كروت الائتمان بتاعتها، وتدفع مصاريف سفرياتها، وحتى جوازتها اللي أختها ما كانتش قادرة تتكفل بيها، هي اللي دفعت ثمنها بالكامل. ولما قررت أخيرًا تحط حد للمهزلة دي، أمها اتهمتها إنها أنانية وما بترحمش.
​عمرها ما تخيلت إنهم يتمنوا موتها للدرجة دي.
​باب الاوضة اتفتح تاني بعد ساعات. المرة دي دخل شريف، جوزها، ومعاه داليا.
​فريدة عرفت أصواتهم على طول. وبعدها سمعت حاجة أصعب بكثير: صوت بوسة.
​— هانت خلاص — داليا همست بصوت واطي — أنا تعبت من الاستخباء ده.
​— لازم أسيطر على الشركة الأول — رد شريف — حسابها الشخصي فيه يا دوب 900 ألف جنيه، وأنا عليا ديون مقربة على 12 مليون.
​— أنت مش قلت إن عندها ثروة طائلة؟
​شريف شتم بصوت واطي وناقم.
​— عندها فعلاً! بس مش عارف هي مخبية الفلوس فين! عشان كده الميكانيكي كان المفروض يقطع خط الفرامل تماماً. أنا دافع له عشان تبان حادثة موت، مش عشان تسقط في كوما وتقعد لنا كده!
​فريدة بطلت تحس بالخوف.
​اللي مشي في جسمها ساعتها كان غضب وغل زي التلج.
​حادثتها ما كانتش قضاء وقدر.
جوزها دفع فلوس عشان يقتلها. أختها كانت عارفة وموافقة. وأمها بتساعدهم وتسهل لهم كل حاجة.
​— التوكيل الرسمي هيجهز يوم الجمعة — قال شريف — طول ما هي لسة عايشة بالقانون، أقدر أخد السيطرة على الأسهم والأختام. وبعدها نوقع على أوراق إيقاف الرعاية المركزة ونقفل الملف ده خالص.
​داليا ضحكت بشر.
​— وماما خلاص بتدور على دار مناسبات رخيصة للجنازة.
​مشوا وهما ماسكين إيد بعض.
​بس كان في حاجة الثلاثة ما يعرفوهاش.
​قبل الحادثة بشهرين، فريدة كانت بايعة برنامج وتكنولوجيا دفاع رقمي لكونسورتيوم وشركة دولية بـ 240 مليون جنيه. الفلوس دي ما كانتش في حساباتها العادية، ولا حتى في الميزانية المعلنة للشركة. الفلوس كانت محمية في صندوق استثماري ومحفظة مغلقة بتعقيدات وإجراءات أمنية ما حدش يقدر يلمسها أو يفعلها غيرها هي بشخصها.
​يقدروا يدوروا في شقتها زي ما هما عاوزين، يفضوا حساباتها الجارية، ويزوروا كل الورق اللي في الدنيا.
​عمرهم ما هيوصلوا للثروة دي.
​تاني يوم، عايدة رجعت مع شريف. اتكلموا جنب السرير وكأن فريدة حتة كرسي أو حيطة.
​— يعني الجمعة هتمشي في أوراق التوكيل، تاخد الشركة، وبالليل نوقع على أوراق فصل الأجهزة؟ — قالت عايدة.
​— بالضبط كده.
​— تمام أوي. عشان داليا تبدأ حياتها الجديدة نضيفة.
​وقعدوا يضحكوا هما الاتنين جنب سرير الست اللي بيخططوا يدفنوها.
​فريدة ما كانتش قادرة تصرخ، بس في اللحظة دي اتخذت قرارها: لو نجحت أحرك حتى لو صباع واحد بس، هحول كل كلمة قالوها لعقوبة ومشنقة ليهم.
​وكان فاضل أربع أيام بس على يوم الجمعة.
​اللي حصل بعد كده كان حاجة ما حدش فيهم يقدر يتخيلها أبدًا.الجزء الثاني
​لساعات طويلة، ركزت فريدة كل إرادتها في صباعها الصغير اليمين.
​تحرك.
​ولا حاجة.
​تحرك.
​لحد ما حست بلمسة خفيفة أوي مع الملاية.
​الممرضة مروة، اللي كانت بتراجع المحلول في وردية بالليل، شافت الحركة.
​— فريدة، لو سامعاني، ارمشي مرة واحدة.
​فريدة فتحت عينها بمجهود جبار، ورمشت.
​مروة ما اتصلتش بعيلتها. بلغت أخصائي المخ والأعصاب النبطشي وأمن المستشفى. وبعد ما تأكدوا إن فريدة استردت وعيها بس بحركة محدودة جداً، وثقوا حالتها الطبية الحقيقية، وبطلب صريح منها، حظروا دخول أي معلومات طبية لشريف وعايدة لحد ما يقيموا الخطر والتهديد اللي على حياتها.
​القرار ده اشتري ليها وقت.
​في خلال يومين، فريدة استردت جزء من حركة صوابعها وصوتها بقى يطلع بالعافية. وبواسطة تابلت مجهز، قدرت تدخل على السحابة الألكترونية وأنظمة الأمان بتاعتها. ومن هناك راجعت الكاميرات المخفية اللي كانت حطاها في شقتها عشان تطمن على الكلاب.
​اللي شافته كان أوحش من كل توقعاتها.
​شريف وداليا كانوا نايمين مع بعض في أوضتها، بيرموا هدومها وحاجتها في شنط زبالة، وبيتكلموا مع بعض بلمح البصر وبدون أي حرص.
​— لو كنت اعرف إنها هتطلع منها حية، كنت دفعت للميكانيكي أكتر — شريف كان بيقول كده في تسجيل من التسجيلات.
​داليا ردت وهي بتضحك:
— أول ما تموت، نبيع الشقة ونغور من هنا.
​فريدة حفظت نسخ مشفرة، وبعتت مقطع مدته ثلاثين ثانية بس لإيهاب، جوز داليا وهو مراجع محتسب ومحاسب قانوني.
​إيهاب جه المستشفى تاني يوم.
​لما فريدة اتكلمت، كان يجي له سكتة قلبية من الصدمة.
​— شريف بيقول إنك مش حاسة باللي حواليكي!
​— وشريف كمان بينام مع مرتك.
​وفريدة ورته بقية الفيديوهات.
​إيهاب شاف البوسة. وبعدها سمع الاعتراف الصريح بتخريب العربية.
​شكل وش اتغير تماماً.
​— أنا مش هعمل هيصة ووش — قال وهو بيحاول يستوعب — أنا همشي ورا الفلوس والأوراق.
​بتفويض من فريدة ومساعدة قانونية، إيهاب سلم نسخ من الأدلة للنيابة العامة وساعد في توثيق التحركات المشبوهة. وكانت التعليمات إن محدش يلفت نظر شريف لحد ما يجمعوا أدلة كافية.
​يوم الخميس، شريف جه ومعاه مأذون وموثق عشان يكتب توكيل رسمي عام شاملاً كل حاجة. كان فاكر إن فريدة مش فاهمة حاجة. حط القلم بين صوابعها ومسك إيدها عشان تمضي.
​هي سابت إيدها تمضي إمضاء مهزوزة.
​كاميرا المستشفى اللي كانت متثبتة بإذن سجلت كل اللحظة.
​بعدها بساعات، شريف استخدم التوكيل عشان يطلب قروض، ويحول فلوس لشركات وهمية، ويسدد جزء من ديونه. وداليا صرفت مئات الآلاف على مجوهرات وألماظ. أما عايدة فحجزت رحلة طيران وفندق فخم بكارت فريدة.
​كل حركة كانت بتتسجل لحظة بلحظة.
​وبعدين جه التطور اللي حتى فريدة ما كانتش متوقعاه.
​شريف قرر يخرجها من المستشفى وينقلها البيت. وأعلن إنه هيعمل حفل خيري في فيلتهم على شرف “مراته العاجزة”، وهيعلن فيه عن تأسيس جمعية خيرية، وقدام العملاء والمستثمرين هيعلن نفسه رئيس مجلس إدارة الشركة الجديد.
​دي كانت طريقته عشان يشرعن السرقة.
​وكانت برضه الفرصة المثالية عشان يفضح نفسه قدام الكل.
​يوم الجمعة، لما قعدوا لوحدهم في الفيلا، داليا قعدت على رجل شريف قدام كرسي فريدة المتحرك.
​— بكرة نرفع نخب الشركة الجديدة — داليا قالتها.
​شريف باسها وبص لفريدة وكأنها جثة.
​— وبعد الحفلة، نخلص بقى من الكابوس ده نهائياً.
​فريدة فضلت باصة بجمود وعين فاضية.
​من جواها، كانت بتفكر في حاجة واحدة بس:
“بكرة هتعرفوا مين اللي كان محبوس بجد.”
​الجزء الثالث
​يوم السبت الصبح، فيلا فريدة في كومبوند بالشيخ زايد كانت متجهزة وكأنها فرح في مجلة.
​ورد، بوفيه، مزيكا، وشركة إضاءة. شريف صرف ببذخ من الفلوس والقروض اللي جابها بالتوكيل المزور. وفي المدخل حطوا صورة كبيرة لفريدة ومعاها اسم جمعية وهمية لرعاية مرضى الأعصاب.
​عايدة كانت ماشية في الصالة تدي أوامر وكأنها صاحبة الملك.
​داليا نزلت من على السلم ولابسة فستان فضي وغوايش وأسورة ألماظ بتوع فريدة.
​وطت على الكرسي المتحرك.
​— شكلي أحلى وأنا لابساه بدل ما هو مركون في الخزنة، صح؟
​فريدة حافظت على ونفس النظرة الفاضية اللي كانت بتتدرب عليها بقالها أيام.
​الساعة سبعة، بدأ رجال الأعمال، العملاء، المحامين والمعارف يوصلوا. إيهاب جه هو كمان. محدش كان يعرف إن جزء كبير من المعازيم اللي هو رشحهم كانوا خبراء كشف جريمة مالية ومسؤولين من النيابة والأجهزة اللي متابعة الملف.
​شريف كان طاير من الفرحة.
​بيسلم على ده ويبوس ده، ويتقبل التعازي والمواساة ويقول بصوت حزين: “كل ده بعمله عشان فريدة وحبي لفريدة.”
​الساعة تسعة، طلب من الناس تنتبه له.
​طلع على مسرح صغير معمول في الجنينة. عايدة وقفت على يمينه. وداليا على شماله.
​وفريدة كانت ورا خالص، على الكرسي المتحرك.
​— أصدقائي — شريف بدأ كلامه بنبرة مكسورة — الأيام اللي فاتت كانت أصعب أيام في حياتي. مراتي ممكن ما ترجعش تاني زي الأول. بس إنجازاتها وشغلها ما ينفعش يموتوا.
​ناس من الحاضرين وبصوا للأرض باحترام وحزن.
​شريف رفع ملف في إيده.
​— عشان كده، وبالصلاحيات القانونية اللي هي منحتهاني، أنا هستلم من النهاردة إدارة شركة “المنياوي للأمن السيبراني”. وهنطلق جمعية خيرية باسمها.
​كان في تصفيق متقطع.
​— كل اللي هعمله — كمل كلامه — هيكون عشان أحمي اللي فريدة بنته.
​فجأة، اتسمع صوت جايلهم من ورا.
​— يا لهوي على الكلام الجميل!
​التصفيق مات في ساعتها.
​شريف اتسمر مكانه.
​داليا الكاس وقع من إيدها فاتكسر.
​عايدة لفت بسرعة لدرجة إنها كانت هتقع.
​فريدة رفعت رأسها.
​الأول حركت إيدها.
​وبعدين حطت رجليها الاتنين على الأرض.
​رجليها كانت بترتعش من المجهود، بس مسكت في إيد الكرسي ووقفت على حيلها.
​همهمات ووشوشة هزت القاعة كلها.
​— لا… — شريف همس وهو مش مصدق.
​فريدة خطت خطوة.
​وبعدين خطوة تانية.
​— بقالك أسبوع بتقول للناس إن عقلي طار ومخيش — قالت — حظك الزفت إني كنت سامعة كل كلمة بتقولها.
​وش شريف اصفر وخد لون التراب.
​— فريدة… يا حبيبتي… دي… دي معجزة!
​— ما تقولش يا حبيبتي.
​إيهاب مسك الريموت وشغل الشاشة العرض الكبيرة. صورة الجمعية الخيرية اختفت.
​وظهر فيديو من جوة الفيلا.
​شريف وداليا بيبوسوا بعض على الكنبة.
​الصالة بقت زي المقابر من السكوت.
​داليا حطت إيدها على بقها من الصدمة.
​— ده متفبرك! — شريف صرخ — ده ذكاء اصطناعي!
​— كنت عارفة إنك هتقول كده — فريدة ردت — عشان كده الملفات دي متوثقة ومسجلة بالتاريخ والوقت الرقمي ومسالمة للنيابة من قبل النهاردة.
​الفيديو اتغير.
​شريف ظهر وهو ماشي في الصالة وفي إيده شنطة.
​وصوته المالي الصالة طلع من السماعات:
— لو كنت اعرف إن قطع الفرامل هيدخلها المستشفى بس، كنت دفعت للميكانيكي عشان يخلص عليها صح!
​شهقة ذهول طلعت من المعازيم.
​وعلى الشاشة ظهرت داليا وهي بتقول:
— أول ما يرفعوا الأجهزة، نبيع كل حاجة.
​عايدة حاولت ترجع لورا وتستخبى.
​فريدة بصت لها.
​— رايحة فين يا أمي؟ ده دورك لسة جاي.
​اشتغل صوت تسجلي من المستشفى.
​صوت عايدة كان واضح جداً:
— يوم الجمعة توقع، تاخد الشركة، وبعدها نوقع يرفعوا الأجهزة. أنا مش هصرف على جنازة غالية.
​عايدة بدأت تعيط بانهيار.
​— أنا كنت مضغوطة! شريف هو اللي لعب بعقلي!
​— وهو اللي لعب بعقلك برضه عشان تحجزي رحلة بـ 180 ألف جنيه بكارتي؟
​الشاشة عرضت كشف الحساب، ووراه المشتريات بتاعت داليا والتحويلات بتاعت شريف.
​إيهاب مسك الميكروفون.
​— خلال الأيام اللي فاتت، تم توثيق تحويلات لشركات وهمية، وقروض بتوكيل مزور من مريضة غير قادرة، ومدفوعات لحسابات قمار غير شرعية ومحاولات غسيل أموال.
​شريف نزل من على المسرح.
​— المهزلة دي تخلص! كل الناس تطلع برة بيتي!
​فريدة ضحكت بتهكم.
​— بيتك مين؟
​على الشاشة ظهر التوكيل الرسمي.
​وبعده فيديو المستشفى، وشريف ماسك إيد فريدة والموثق بيحط الخاتم.
​— أنا ما وقيعتلكش على حاجة بكاملي إرادتي — فريدة قالت — التوقيع ده اتاخد بالتدليس وأنت موهم الكل إني مش حاسة باللي بيحصل.
​وش الموثق اللي كان قاعد وسط المعازيم بقى زي العفريت.
​حاول يتسحب ويهرب من الباب.
​اثنين من رجال الشرطة بالزي المدني وقفوا قدامه.
​شريف بص حواليه وأخيراً فهم.
​دي ما كانتش حفلة.
​دي كانت كمين.
​— أنتِ اللي خططتي لكل ده؟ — سأل بصوت طالع بالعافية.
​— لا. أنت اللي خططت. أنا بس سيبتك تكمل للاخر.
​داليا جسمها كله بدأ يترعش.
​— فريدة… إحنا إخوات… ممكن نحل الموضوع بيننا!
​فريدة بصت لها ببرود.
​افتكرت أعياد ميلاد دفعت مصاريفها، وإيجارات شقق سددتها، وسلفيات عمرها ما رجعت، وكل مرة عايدة كانت بتجبرها تتنازل عشان “داليا أختك الصغيرة وحساسة”.
​— الأخت ما تنامش مع جوز أختها وهي مستنية موتها.
​داليا نزل عينيها في الأرض.
​— والأم ما بتحسبش هتوفر كام في جنازة بنتها — فريدة كملت كلامها وهي تبص لعايدة.
​عايدة قربت وهي بتعيط:
— أنا أمك!
​— كان المفروض تفتكري ده قبل ما تخططي لدفني.
​شريف حاول يحاور تاني:
— كل ده عشان الفلوس! أنتِ طول عمرك مادية وعينك في الفلوس!
​فريدة إدّت إشارة لإيهاب.
​الشاشة اتغيرت للمرة الأخيرة.
​ظهر رقم المحفظة والصندوق الاستثماري المقفول: 240 مليون جنيه.
​السكوت كان يقطع بالنصل.
​شريف بؤه اتفتح من الصدمة.
​داليا رفعت عينها بذهول.
​عايدة نسيت العياط للحظة.
​— هو ده اللي كنتم بتدوروا عليه — فريدة قالت — أنا بعت التكنولوجيا دي قبل الحادثة بشهرين. محدش فيكم كان ليه سلطة عليها ولا هيعرف يلمسها. كنتم عايزين تقتلوني عشان ثروة عمركم ما كنتم هتطالوا منها جنيه.
​شريف جرى على اللابتوب.
​الشرطة مسكته وكتفته قبل ما يوصل له.
​القاعة اتقلبت، أصوات، ودوشة، وتليفونات بتصور.
​الضباط طلعوا أوامر النيابة. شريف اتніقض عليه بتهمة الشروع في القتل وتخريب العربية، والتزوير، واستعمال محررات مزورة، وغسيل الأموال. داليا وعايدة ات siezed برضه للتحقيق معاهم في المشاركة في التآمر والنصب. والموثق اتأخد هو كمان.
​بعد ساعات، لما الفيلا فضيت تماماً، فريدة قعدت تاني.
​رجليها ما كانتش قادرة تشيلها خلاص.
​مروة الممرضة، اللي جت كشاهدة من المستشفى، قربت منها.
​— ما كانش له لزوم تقفي على رجليكي وتجهدي نفسك كده.
​فريدة اتنفست بعمق.
​— لا، كان لازم أقف. كان لازم يشوفوني حية وواقفة على شغلي.
​ولأول مرة من يوم الحادثة، بكت.
​مش عشان شريف.
​ولا عشان داليا.
​بكت عشان الأم اللي كانت فاكرة إنها عندها، واكتشفت إنها عمرها ما كانت موجودة.
​الشهور اللي بعد كده كانت أصعب من ليلة الحفلة. فريدة دخلت في علاج طبيعي وتأهيل عشان تسترد حركة جسمها. كان في أيام المشي فيها لمسافة عشرة متر أصعب من مواجهة عيلتها كلها.
​والقضية شغالة في المحكمة.
​الميكانيكي اللي بوّظ عربيتها اعترف بكل حاجة وشهد ضد شريف مقابل تخفيف العقوبة. واعترف بالفلوس والرسائل اللي بينه وبين شريف.
​في المحكمة، محامي الدفاع حاول يصور فريدة إنها ست مجنونة وبنت قصة انتقام عشان الخيانة.
​بس الأدلة دمرتهم.
​الفيديوهات.
​التسجيلات.
​رسائل الفراين.
​الفلوس اللي راحت للميكانيكي.
​التوكيل المزور.
​القروض والشركات الوهمية.
​وتسجيل شريف وهو بيعترف إنه محتاجها حية بس لحد ما يسيطر على الشركة.
​شريف ما بقاش الراجل الشيك المغرور بتاع زمان.
​في الجلسة الأخيرة كان قاعد حاطت رأسه في الأرض.
​ولما أخد حكم بسجن مشدد سنوات طويلة، قعد يعيط زي العيال.
​— فريدة سامحيني… أنا كنت بحبك!
​هي ما ردتش.
​داليا أخدت حكم هي كمان لمشاركتها في التآمر والنصب. قبل ما تخرج من القاعة بصت لإيهاب.
​— أنت بجد هتضيع جوازنا وعشرتنا عشان الموضوع ده؟
​إيهاب بص لها بحزن وهدوء:
— أنتِ اللي ضيعتيه لما خططتي لجنازة أختك مع الراجل اللي حاول يقتلها.
​عايدة كانت الأخيرة.
​فضلت شهور تقول إنهم ضحكوا عليها، بس التسجيلات أثبتت إنها كانت مشاركة بكامل إرادتها وكانت بتستعجلهم. وأخدت عقوبتها القانونية.
​وهي طالعة، بصت لفريدة:
— أنا أمك يا فريدة!
​فريدة حست بالنغزة القديمة بتاعت الذنب اللي كانت بتطاردها طول حياتها.
​بس المرة دي، ما ضعفتش.
​— كلمة أم دي كانت مسؤولية وحنية، مش باسورد تدخلي بيه حياتي تدمريها وتخرجي.
​ومشيت وسابتها.
​بعد أسابيع، الطلاق تم رسمياً. فريدة زارت شريف مرة واحدة بس في السجن. هو مسك السماعة من ورا الزجاج ومستني تتكلم.
​هي ما رفعتش السماعة.
​طلعت ورق الطلاق النهائي، لزقته على الزجاج، ومسكت قلم معدن وفضلت ماضية اسمها بخط عريض وواضح.
​نفس القلم اللي كان هو ماسكه وبيجبر إيدها العاجزة تمضي بيه في المستشفى.
​المرة دي التوقيع كان قوي وما بيميلش.
​شالت الورق ومشيت من غير ما تبص وراها.
​بعد ست شهور، شركة “المنياوي للأمن السيبراني” استردت كل عافيتها وشغلها. الموظفين حافظوا على أكل عيشهم. وإيهاب، بعد ما طلق داليا رسمياً، مسك إدارة القطاع المالي في الشركة.
​وفريدة عملت مؤسسة لحماية المرضى اللي بيتعرضوا لعنف أو استغلال مالي من أهاليهم أثناء فترة علاجهم. ومروة الممرضة رفضت أي مكافأة مالية، ففريدة تكفلت بمنح دراسية كاملة لتطوير تمريض الأعصاب باسم مروة.
​صندوق الـ 240 مليون جنيه كان لسة زي ما هو.
​بس ما بقاش هو أهم حاجة عندها.
​في يوم الصبح، من مكتبها الجديد في شارع سباق الخيل بالمهندسين، فريدة كانت واقفة تبص على الشارع والشمس طالعة.
​لسة بتتمشى ببطء شوية.
​ولسة بتصحى ساعات بليل على صوت صفير جهاز القلب.
​بس بقت بتتفس من غير أجهزة.
​وبقت بتقدر تمضي بنفسها.
​وبقت هي اللي بتحدد مين يدخل حياتها ومين يخرج منها.
​إيهاب دخل وحط تقارير على المكتب.
​— الشركة قفلت الربع الأول بأرباح معدية التوقعات.
​فريدة ابتسمت.
​— يعني عدينا منها؟
​إيهاب رد:
— لا… إحنا بنينا من جديد.
​فريدة بصت على الشارع وافتكرت كل حاجة خسرتها.
​جوازها.
​أختها.
​وفكرة الأم اللي كانت فاكراها بتحبها من غير شروط.
​بس في نفس الوقت كسبت حاجة كانت بتفرط فيها طول عمرها عشان تشتري حنيتهم: كسبت حق إنها تقول “لا” من غير ما تحس بذنب.
​وفهمت إن صلة الدم مش هي اللي بتعمل العيلة. العيلة بتتعمل بالأصل، والاحترام، والضمير اللي يخليك ما تئذيش حد أمن لك.
​شريف، وداليا، وعايدة افتكروا إن سكوت فريدة ضعف وعجز.
​ما فهموش إنها وهي قافلة عينها، كانت بتسمع، وتجمع أدلة، ومستنية اللحظة الصح عشان تقف على حيلها.
​ويمكن دي أكتر درس وجعهم:
إنهم ما عرفوش يدفنوها…
​هما بس حفروا معتقدهم بإيديهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *