ابي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
في فرح بنتي، سلمتها ظرف أوف وايت أنيق كانت فاكرة إنه هديتي ليها. بعد كام دقيقة، “يارا” رفعت كاس العصير، وبصتلي في عيني قدام القاعة كلها وقالت بكل قسوة: “طول عمري كان نفسي يبقى عندي أب تاني غير ده.. والنهارده أمنيتي اتحققت أخيراً.”
​وبعدها لفت وحضنت حماها الجديد بابتسامة نصر، والضحك والتصفيق مالوا القاعة.
​أنا ما جادلتش.
​ما دافعتش عن نفسي.
​أنا ببساطة لفيت وضهري ليهم ومشيت.
​بس في اللحظة اللي يارا فتحت فيها الظرف ده، كل حاجة كانت فاكراها عن العيلة الغنية اللي اتجوزت منها بدأت تتفتاك وتنهار.
​كانت واقفة تحت النجف الكريستال ورابطة دراعها بدراع “توفيق بيه الزيني”، حماها الجديد. شوية من الضيوف كانوا بيسقفوا بحماس، وشوية تانيين بيبصوا في الأرض بكسوف ومحرجين من مشهد إهانة أب قدام كل الناس على إيد بنته.
​أنا اللي ربيت يارا لوحدي بعد ما أمها ماتت.
​أنا اللي كنت بصحيها الصبح، وبحضر لها أكلها، وتعلمت إزاي أسرح لها شعرها بغباء، وحضرت كل حفلات مدرستها ومجالس الآباء.. أنا اللي بعت الشالية بتاعي في الساحل عشان أدفع مصاريف جامعتها الخاصة، وما فوّتش عيد ميلاد واحد ليها.
​على مدار 26 سنة، عملت كل اللي أقدر عليه عشان أضمن لها حياة مستقرة وكريمة.
​لكن في الليلة دي، رمت كل ده وروا ضهرها وكأن كل تضحياتي دي ما كانتش تسوى مليم.
​توفيق باس رأسها بمنظرة وكبرياء وقال بصوت عالي: “أنتِ بقيتي من عيلة الزيني خلاص يا يارا.. عمرك ما هتعيشي حياة عادية ولا هتفكري في الفلوس تاني.”
​وابنه “سيف” كان واقف جنبها بابتسامة خبيثة ومغرورة.
​من أول يوم قابلت فيه سيف، ما أبداش أي اهتمام إنه يعرفني أو يفهم طبيعة شغلي أو حياتي، بس كان عنده فضول غير طبيعي بخصوص أملاكي:
أنا بملك كام فدان؟
ويارا هتوث إيه؟
وخصوصاً.. أرض “المزرعة” اللي في الفيوم إيه اللي هيحصل فيها في الآخر؟
​يارا بصت للظرف الأوف وايت اللي في إيدها وقالت للضيوف بتريقة: “بابا بيقول إن دي هديتنا.. يمكن أخيراً افتكر إزاي يبقى ليه لازمة في حياتي.”
​موجه تانية من الضحك هزت القاعة.
​أنا فضلت هادي جداً.
​ما فكرتهاش مين اللي دفع مصاريفها، ولا بالليالي اللي سهرتها جنبها لما كانت بتعيط على أمها، ولا بقائمة التضحيات اللي مالهاش آخر.
​بدل كل ده، قفلت زرار الجاكيت ببرود وقلت لها: “افتحي الظرف قبل ما تخلصي كلمتك.”
​لأول مرة في الليلة دي، ابتسامة توفيق الواثقة تتهز.
​كان مستني حاجة تانية خالص.. الظرف كان رفيع أوي إنه يشيل المستند اللي كان بيموت عليه:
عقد ملكية مزرعة مانجو كبيرة في الفيوم، 60 فدان من أصلح الأراضي اللي كانت ملك أمها.
​بقالهم شهور، توفيق وسيف بيضغطوا وبيتكلموا علناً عن تجريف المزرعة وتبويرها وعمل كمبوند فيلات فاخرة مكانها، وكانوا بياكلوا بعقل يارا حلاوة إن المشروع ده هينقلها هي وسيف في منطقة تانية خالص ويأمن مستقبلهم.
​ويارا صدقتهم.
ومرة ورا مرة كانت بتيجي تضغط عليا عشان أبيع.
ومرة ورا مرة كان ردي واحد: المزرعة مش للبيع.
​لحد ما من 3 أسابيع، المحامي بتاعي كلمني في التليفون وقال لي على حاجة تجنن:
في مبدئي بيع نازل لأرض المزرعة، وموقع عليه بإمضائي!
مع إني عمري ما وقعت على الورقة دي.
​من اللحظة دي، بدأت أبحث وأدور في الصمت.
​وأنا ماشي رايح لناحية أبواب القاعة، يارا نادت عليا بحدّة: “أنت ماشي بجد؟ طالع تجري عشان أخيرًا قلت للناس الحقيقة؟”
​وقفت لحظة.. بس ما لفتش بصيت لها.
​رديت بصدق: “لا.. أنا ماشي عشان أنتِ خلاص على وشك تعرفيها.”
​بره القاعة، كان المطر نازل بيلمع على سلم الفندق.
وصلت لعربيتي في نفس اللحظة اللي أبواب القاعة اتقت..لت فيها ورايا.
​جوه القاعة، يارا فتحت الظرف.
​أول ورقة كانت تقرير من الطب الشرعي وخبراء التزوير.. بيأكد إن التوقيع اللي على عقد بيع المزرعة مزوّر ومتقلد.
​الورقة التانية كانت كشف حساب بيلف ويرجع عشان يثبت إن في 2 مليون جنيه اتحولوا من حركة التزوير دي لحساب شركة المقاولات بتاعة توفيق الزيني مباشرة.. نفس الشركة اللي كان بيباهي بيها قدام الناس إنها بتكسب ملايين، وفي الحقيقة كانت بتغرق في الديون وعينها على المزرعة عشان تسد بلاويها.
​وبعدين يارا وصلت للورقة التالتة.
كانت صورة من كاميرات المراقبة الخاصة بمكتبي.
الصورة كانت واضحة جداً.. يارا واقفة جنب سيف، وفي إيدها مفتاحي الخاص للمكتب، وكانت بتسلموهوله.
نفس المفتاح ده اللي اتفتح بيه الخزنة واتسرقت منها أوراق المزرعة.
​وفي أخر الظرف، كان في ورقة مكتوبة بخط إيدي:
“أنتِ ما لقيتيش أب أحسن.. أنتِ اختارتي عيلة علمتك إزاي تخوني الراجل اللي رباكي.”
​قبل ما أدور عربيتي وأمشي، تليفوني رن.
كان مدير أمن الفندق: “يا حاج.. توفيق الزيني طالب سواقه يجهز العربية فوراً قدام البوابة الرئيسية وطالع يجري.”
​بصيت على الصينية بتاعة مدخل الفندق، لقيت عربيتين شرطة من غير علامات داخلين بالراحة.
​توفيق كان فاكر إن لسة عنده وقت يهرب.. بس ما كانش عنده.
​قلت لمدير الأمن بكل هدوء:
“ما تقلقش.. هو مش رايح في أي حته.”
في قاعة الفرح المجهزة بأفخم ديكور، نزلت المزيقة لما دخلت “المرسيدس” السوداء اللي كان قاعد فيها كبار رجال الأعمال، ودخلت القاعة بكل هدوء.
​توفيق الزيني كان لسة واقف على المسرح، بيحاول يمثل الصدمة والشرف المجروح قدام المظاليم من المعازيم، وسيف عمال يوشوش يارا في ودنها. يارا لما بصتلي، النظرة ما كانتش نظرة استعلاء ولا تحقير زي من شوية.. كانت عينيها مليانة خوف وترقب.
​”بابا…” قالتها وصوتها بيرعش، “قولهم إن ده مجرد سوء فهم.. فهمهم إنك مش قصدك.”
​وقفت عند أول طرف من أرضية الرقص الرخام وقلت لها بصوت ثابت:
“أنتِ اللي اديتي لسيف مفتاح مكتبي الخاص يا يارا؟”
​سكتت وما ردتش.
​”أنتِ اللي صوّرتي ملفات إمضاتي وأوراق المزرعة؟”
​قالت بصوت متقطع: “عمي توفيق قال إن المزرعة في الآخر هتكون ليا ولـ سيف.. إن ده مستقبلنا!”
​”أنا ما سألتكيش قالولك إيه.. أنا سألتك أنتِ عملتي كده؟”
​سيف اتدخل وطلع خطوتين لقدام بكل تبجح: “أنت وعدتنا بهدية جوازنا!”
​رديت عليه وأنا ببص له في عينيه مباشرة: “وأنا اديتهالكم فعلاً.. اديتكم آخر فرصة عشان تفهموا حقيقة العيلة والبيئة اللي دخلتوا بعض فيها.”
​في اللحظة دي، دخلت الأستاذة “ليلى” مستشارة النيابة العامة ومعاها ضباط الشرطة، وقربوا من توفيق الزيني.
​توفيق صرخ بحدة: “أنتوا اتجننتوا؟! أنتوا ما تقدروش تقبضوا عليا بسبب ورق عائلي واختلافات مع حما ابني!”
​ردت الأستاذة ليلى ببرود يحرق الأعصاب: “إحنا مش جايين عشان ورق عائلي يا توفيق بيه.. إحنا جايين بمرور النيابة بتهم التزوير في أوراق رسمية، والتآمر، والاحتيال المالي، ومحاولة الرشوة، وتدمير أدلة قضائية.” وشاورت على الورق الممزق اللي في إيده.
​توفيق حاول يترمي على الباب الجانبي للقاعة عشان يهرب، بس أفراد الشرطة كانوا أسرع منه ومسكوه.
​أول ما سيف شاف أبوه بيتقبض عليه، اتخلّى عن يارا في ثانية ولفت ليها وقال بصوت عالي قدام الكل:
“هي اللي كان عندها المفتاح! هي اللي خططت لده كله وجابت الورق!”
​يارا بصت لجوزها بذهول وصدمة، وكأنها بتكتشف إنسان تاني خالص ما تعرفوش.
​في نفس اللحظة، المحامي بتاعي قرب من سيف وسلمه إخطار رسمي: شركة “المرسي للصناعات الدقيقة” — اللي هي شركتي أنا اللي هما ما كانواش يعرفوا إني صاحبها — الغت كل العقود والشركات مع مجموعة “الزيني للمقاولات” بعد ثبوت التزوير والتدليس، والعقود دي كانت القشة الأخيرة اللي ساندة كينونة شركة توفيق من الإفلاس.
​سيف مسك في ياقتي بغضب وصاح: “أنت كده بتخرب بيت مئات العمال والموظفين اللي شغالين معانا!”
​شلت إيده من على ياقتي بمنتهى الهدوء وقلت له:
“أبوك مابيدفعش مرتباتهم بقاله 4 شهور.. إحنا اشترينّا المشاريع الناجحة وعرضنا على كل العمال والموظفين الشرفاء يستمروا معانا بمرتباتهم كاملة.. الحرامية وبس هما اللي بيتصفوا النهارده.”
​يارا انهارت وبدأت تعيط بحرقة:
“بابا.. عشان خاطري.. أنا غلطت غلطة واحدة!”
​رديت عليها بصوت واطي بس حاسم:
“لا يا يارا.. أنتِ ما عملتيش غلطة واحدة، أنتِ أخدتي سلسلة طويلة من الاختيارات والقرارات السليطة.. كلمتك في الفرح ما كانتش إلا أول اختيار أعلنتيه قدام الناس.”
​مدت إيدها تحاول تمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا.
​”قولي الحقيقة للنيابة يا يارا.. رجعي اللي أخدتيه، واتحملي نتيجة أفعالك.. يمكن ييجي يوم ونعرف نتكلم تاني، بس أنا عمري ما هشترّي حبك بفلوسي، ولا هحميكي من قسوة قلبك.”
​يارا قلعت الأكسسوار الدبوس بتاع عيلة “الزيني” ورمته على الأرض وانهارت.
​في الليلة دي، يارا اعترفت بكل حاجة في النيابة. اعترافها حماها من الحبس الاحتياطي والسجن الفعلي، بس أخدت أحكام مع وقف التنفيذ، مع 3 سنين مراقبة، وغرامة مالية كبيرة، وخدمة مجتمعية، وطبعاً جوازة انتهت قبل ما تبدأ.
​سيف وتوفيق اترفع عليهم قضايا وتثبتت عليهم، وتوفيق أخد 8 سنين سجن مشدد مع تصفية شركته ومصادرة أملاكه لسداد الديون.
​بعد سنة واحدة..
​أرض المزرعة في الفيوم اتفتحت رسمياً تحت اسم “مزرعة دينا المرسي للتعليم والتدريب”، مكان بيعلم الأطفال ويدرب الأمهات والمعيلات على الزراعة والإنتاج.
​يارا كانت هناك.. جاية تبدأ وردية التطوع الأسبوعية بتاعتها، لابسة بنطلون جينز وكوتشي شغل، من غير أي مجوهرات ولا كاميرات تصوير.
​ما قالتليش “بابا”.. لسة.
​بس مسكت الفأس والإدوات، وبدأت تصلح في السور الخشب اللي كانت في يوم من الأيام بتحاول تبيعه وتجرفه.
​وقفت أنا تحت أكبر شجرة مانجو كان زرعها مع مراتي الله يرحمها، وسبت الشمس تدفي وشي.
​الظرف الأوف وايت ده ما هدّش عالم بنتي..
هو بس هدّ الكذبة اللي هي كانت فاكراها عالمها.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *