الكلمة نزلت حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولاالكلمة نزلت زي السم على الترابيزة قبل حتى ما ألحق أدوق الكيكة.
​— يا خسارة يا جودي —قالت حماتي وهي بتبص لبنتي بقرف—. بنات عمتك كلهم معُاهم شهادات وداخلين كليات قمة، وانتِ يا دوب خلصتي ثانوي وشغالة بتخدمي الكبار في السن.
​جودي ضغطت على المعلقة جامد، ومحدش من القاعدين فتح بؤه ولا اضحك.
​— أنا شغالّة في دار مسنين يا تيتة.. برعاهم وبساعدهم.
​حاجة الحجة عفاف ضحكت ضحكة ناشفة وشريرة:
— سميها زي ما تسميها! لو أمك بس كانت بتعرف تدبر البيت وتوفر القرش، كان زمان معاكي مصاريف الكلية زي بقية خلق الله.
​حسيت بنار اتفتحت جوايا. بقالي ستة وعشرين سنة ببلع لساني وبسمع منها إني “عالة ومتربية على الجاهز” عشان سبت شغلي لما جوزي حسام اتنقل في شغله، وبعدها قعدت في البيت أربي بنتنا. كنت بستحمل كل الإهانات دي عشان أعدي الأيام وأمنع المشاكل. بس إنها تقهر جودي وتكسر بخاطرها وتخلي دموعها تتجمد في عينها كده.. ده موضوع تاني خالص.
​جودي كان نفسها تدخل علاج طبيعي، بس الظروف مشيت عكسنا. الشركة اللي شغال فيها حسام خسرت عقود كبيرة وقعدنا شهور بنحسب القرش بالمليم. بنتي مشتكتش، وراحت اشتغلت في دار مسنين في المعادي، وفي وقت قصير جداً كان الكبار هناك بيسألوا عليها بالاسم في أيام إجازتها. أنا كنت طايرة بيها وبأخلاقها، لكن حماتي كانت شايفاها عار!
​— نيفين هي الوحيدة اللي فاهمة يعني إيه أصول وعيلة —كملت الحجة عفاف بتبجح—. هي وسامح ابني بيبعتولي اثنا عشر ألف جنيه كل شهر في إيدي.. دي المحبة والأصول بجد، مش كتر الكلام والأعذار الفاضية بتاعة ناس تانية!
​بصيت لحسام جوزي.. استنيت منه ينطق.. يرد عليها.. يقول أي كلمة تحفظ كرامة بنته.
ولا الهوا! ساكت تماماً.
​أول ما وصلنا البيت، وقفتله:
— أُمك هزقت بنتك وإهانتها قدام الكل تاني!
— يا هدى أنتِ عارفة أسلوبها وطبعها، كبري دماغك.
— لا.. أنا عارفة إننا إحنا اللي سكتنالها وزودناها!
​حكيتله إن أمه بقالها أسابيع نازلة فيا زن وعايزة مني نفس الاثنا عشر ألف جنيه اللي بتقول إن سامح ونيفين بيبعتوهالها كل شهر.
​— قوليليها معيش وما معيش وشيلي إيدك من الموضوع —قالها حسام ببرود.
— بقولها! وتقوم طالعة فيا شتيمة وتتهمني إني عالة، وتوصف جودي إنها فاشلة!
​وعدني إنه هيكلمها ويتصرف، بس أنا كنت عارفة إنه كلام في الهوا.
​بعد يومين، تليفوني رن وكان رقم الحجة عفاف.
— ها يا هدى؟ فكرتي هتحوليلي الفلوس إمتى؟
— يا طنط إحنا ظروفنا متسمحش ندفعلِك اثنا عشر ألف جنيه كل شهر!
— يا كسوفي! نيفين وسامح قادرين ومطلعين العين، وانتوا شايلين إيدكم؟
​قفلت السكة في وشها من كتر الغيظ، وساعتها قررت أكلم نيفين مراتي أخو حسام.
​اتقابلنا في كافيه قريب من سيتي ستارز. كنت داخلة وأنا فاكرة إني هسمع منها قد إيه هي وسامح مطحونين وبياخدوا من قوت يومهم عشان يرضوا طمع حماتي. بس أول ما فتحت معاها موضوع الفلوس، نيفين كانت هتوقع كباية الشاي من إيدها!
​— هي بتطلب منك أنتِ كمان الفلوس دي؟!
— بتقول إنكم بتبعتهولها كل شهر اثنا عشر ألف جنيه من جيبكم!
​بصتلي نيفين بفجعة وسكتت شوية، وبعدين قالت:
— يا هدى.. إحنا مبندفعش ولا مليم من جيبنا!
​اتضحت الحقيقة كلها.. الحجة عفاف عندها حسابين في البنك؛ حساب بتنزل عليه السنوية والمعاش، وحساب تاني فيه القرشين اللي سابهملها حمايا الله يرحمه. ولأن الحركة تقلت عليها ومبتعرفش تتعامل مع الماكينات ولا خدمات الموبايل، كانت عاملة لنيفين توكيل إدارة عشان تساعدها. وكل شهر نيفين بتحول اثنا عشر ألف جنيه من حساب التحويش بتاع الحجة عفاف لحساب المصاريف، وتروح تسحبهم لها كاش!
​— هي اللي بدأت تقول قدام الناس إن الفلوس دي مننا إحنا —شرحتلي نيفين بمرارة—. جيت أصلحلها وأقول الحقيقة قدام قرايبنا راحت شايطة فيا ومطيرة العقل، وسامح جوزي تحايل عليا أمشي الكلام وأسكت عشان برستيجها ومجرحش كبريائها.
— وقامت واخدة الكذبة دي س/لاح تذلنا بيه وتهينا كل يوم!
​نيفين وّطت رأسها في الأرض بكسفة.
​وفجأة فتحتلي قلبها، وقالتلي إن الحجة عفاف جرحتها هي كمان زمان جرح مابيتنساش. نيفين زمان كانت شاطرة جداً في الحلويات وبتعمل تورت وتحف، وفي عيد ميلاد من العزومات عملت لتيتة تورتة كبيرة وتعبت فيها، تقوم الحجة عفاف قايلة قدام كل العيلة: “اللي يهديلك حاجة معمول البيت يبقى بيعترف إنه معندوش قرشين يشتري بيهم حاجة نظيفة!”.. ومن يومها ونيفين حرمت تعمل أي حاجة بإيدها للعيلة.
​أنا طول العمر كنت فاكرة نيفين دي بني آدمة مثالية ومحبوبة وست العارفين، وهي كانت فاكرة إن أنا الوحيدة اللي بعرف أوقف حماتي عند حدها وأحط قواعد!
​— ده هي دايماً تقولي: “تعلمي من هدى واعملي زيها” —قلتلها بصوت واطي.
​رفعِت نيفين حواجبها واستغربت.
​ولأول مرة من أسابيع، ضحكت من قلبي وابتسمت:
— خلاص.. يبقى أنا هعمل زيك بالضبط!
​بالليل، قعدت حسام وحكيتله كل حاجة بالتفصيل.. وش جوزي اتخطف وألوانه اتغيرت لما عرف السر ورا الاثنا عشر ألف جنيه بتوع أمه.
​الحجة عفاف كانت زمان برضه عاملة لحسام توكيل على حساب تالت خالص شايلة فيه فلوس للطوارئ والمصاريف الطبية، بس حسام عمره ما قرب منه ولا استخدمه.
​أول ما أمه رنت عليه المرة اللي بعدها، حسام أخد نفس عميق وقالها بحدة وثبات:
— خلاص يا أمي.. اعنيداً من الشهر ده أنا اللي همسك موضوع مصاريفك بنفسي وأحولك الفلوس.
​هي طبعاً انبسطت وطارت من الفرحة وافتكرت إنها كسبت الحرب.
​أنا ما نطقتش ولا كلمة..
بس ابتسمت وأنا بفكر في حاجة واحدة: إن الحجة عفاف أخيراً هتاخد اللي كانت بتحلم بيه وتطلبه بقالها سنين.. هتمشي على طريق نيفين بالمليم!
​لمدة تلات شهور، كان حسام بيحول اثنا عشر ألف جنيه من حساب التحويش بتاع أمه للحساب اللي بتصرف منه، وبعدين يديها إيصال بسيط بالعملية. الحجة عفاف، عشان ملهاش في التكنولوجيا والبنك الأهلي أبلكيشن، كانت تشوف المبلغ في الحساب وتبتسم بانتصار.
​— أخيرًا اتعلمتوا يعني إيه أصول وعيلة —قالتلي في يوم وهي بتتأنق.
— أيوة —رديت بثبات—. اتعلمنا كتير أوي.
​الغريب إنها سكتت عن جودي وما بقيتش تشتّم فيها ولا تضايقها، طول ما هي فاكرة إنها بتاخد فلوس من حسام بقت طيبة ولسانها ينقط سكر.
​بس الهدوء ده انهار لما قررت تقفل حساب من الحسابات وتصفي فلوسه، وطلبت من حسام ياخدها البنك بنفسه. بعد ساعتين، حسام رجع البيت ووشه أصفر وجايب أظافره.
​— شافت الحقيقة كلها.
​تليفوني رن، وكان صوت الحجة عفاف جاي بيصرخ ويكسر الدنيا:
— كنتم بتضحكوا عليا ونصبتم عليا! الاثنا عشر ألف جنيه كانوا بيطلعوا من فلوسي أنا وتحويشتي!
— أنتِ اللي طلبتي نعمل زي نيفين وسامح بالظبط يا طنط.
​قفلت السكة في وشي، والعصر كانت مجمعة العيلة كلها في بيتها.
​أول ما دخلنا، لقينا كشوفات الحسابات مفروشة على الترابيزة زي الملايات، وسامح ونيفين قاعدين ساكتين.
​— مفيش مليم واحد أتحول من جيبكم! ولا جنيه! —صرخت أمه وهي بتبص لحسام.
​حسام قعد قدامها وهو هادي:
— عشان إحنا عمرنا ما وعدناكي ندفعلِك اثنا عشر ألف جنيه من جيبنا يا أمي. أنا كنت بنقل فلوسك بين حساباتك، زي ما سامح ونيفين بيعملوا بالظبط.
​الحجة عفاف بصت لسامح ابنها الكبير بصدمة:
— سامح.. قول إن الكلام ده مش صح!
​سامح نزل رأسه في الأرض:
— صح يا أمي.. دي الحقيقة.
​الحجة عفاف وشها جاب ألوان واتخطف.
​نيفين اتكلمت بثبات لأول مرة:
— ولا أنا كمان دفعت مليم من مرتبي. أنا كنت بدير فلوسك وتحويشتك لأن المشوار للبنك بيبقى صعب عليكِ. عملت ده عشان أساعدك، بس سكتي واشتراكي في الكذبة كان غلطة كبيرة.
— كنتم مطلعيني هبلة ومضحكة قدام الناس كل ده؟!
— لا —قلتلها وأنا ببصلها في عينها—. أنتِ اللي حولتي المساعدة لمسابقة، واستخدمتي المسابقة دي عشان تهينينا وتكسري بخاطرنا.
— أنتِ تسكتي خالص وتنقبري!
​زمان كنت هسكت وأوطي رأسي، بس المرة دي رديت بقوة:
— لا مش هسكت! بقالك سنين بتقولي عليا عالة ومتربية على الجاهز، واتنمّرتِ على جودي عشان مدخلتش كلية قمة، وقلتِ إننا مش وجه نعمة ولا عيلة عشان مبندفعلكيش فلوس.. وكل كلامك ده كان مبني على كذبة أنتِ اللي اختلقتيها!
​جودي وقفت، إيدها كانت بـترتعش بس صوتها كان طالع زي الجبل:
— يا تيتة.. أنا خلصت ثانوي، وشغالة برعى الكبار في السن، بأكلهم وأحميهم وأسمعهم وأقعد مع اللي محدش بيسأل عنهم. لو الشغلانة دي بالنسبة لك أقل من شهادة كبيرة، أنا مش هعرف أغير تفكيرك، بس أنا عمري ما هتكسف من شغلي تاني ولا هخجل منه!
​الحجة عفاف فتحت بقها ومردتش من المفاجأة.
​— ومش هسمحلك تهيني أمي أو تقلي منها تاني أبدًا!
​حسام وقف جنب بنتنا وحط إيده على كتفها:
— عندها حق يا أمي. أنا بقالي سنين بأجل المواجهة وبخاف من زعلِك ومشاكلك، وسيبتهم يشيلوا العك والإهانات اللي كان المفروض أنا أقف وشها.. الكلام ده انتهى خلاص.
​نيفين هي كمان حطت خط أحمر:
— أنا ممكن أساعدك في مشاوير البنك والأوراق لو بتعامليني باحترام، لكن مش هكمل في كذبة عشان تضربي بيها الناس وتضايقيهم.
​الحجة عفاف شاورت على الباب وإيدها بـترتعش:
— يبقى بره كلكم! اخرجوا من بيتي! مش عايزة حد فيكم ولا محتاجة لحد!
​خرجنا كلنا، والأسبوعين اللي بعدهم كانوا أهدى أسبوعين عدوا علينا في حياتنا. محدش بيطلب فلوس ولا حد بيرن يهزق. جودي رجعت تضحك من قلبها وتملى البيت بهجة، وحسام بدأ يركز معانا ويرجع يسألنا على يومنا عملنا فيه إيه.
​في الوقت ده، الحجة عفاف قطعت مع نيفين، وبدأت تتصل بالقرايب البعيدين في عين شمس ومدينة نصر عشان يجوا يودوها البنك ولا يشترولها العلاج، أو يستلفوا منها فلوس.. بس تقريبًا محدش وافق، لأنها على مدار السنين كانت أسلوبها جاف وقاسي مع الكل.
​بعد شهر، وصلت رسالة منها.. كلها عتاب وجرح، بس كان فيها جملة مختلفة غريبة:
“يمكن أنا كمان عملت حاجات بعدتكم عني..”
​جودي كانت عايزة ترن عليها، بس أنا قلتلها:
— لسه شوية يا جودي.. الاعتذار اللي يجي متغلف بالاتهامات ملهوش لازمة.
​مرت أسابيع، وفي دار المسنين اللي جودي شغالّة فيه في المعادي، كانوا عاملين يوم مفتوح ونشاط مجتمعي لكبار السن من الحي. وفي يوم سبت، الحجة عفاف ظهرت هناك، واحدة جارتها هي اللي عزمتها وجابتها معاها.
​وهناك اتعرفت على أستاذ سيد، مدرس عربي متقاعد، تقريبًا فقد بصره، وبيحب يقعد بالساعات جنب الشباك يتكلم مع الناس.
​أول ما قعدت معاه، الحجة عفاف بدأت تتباهى بأولادها وعزوتهم وشهاداتهم، فالأستاذ سيد سمعها بهدوء وسألها سؤال واحد:
— وانتِ حاسة إنك محبوب يا حجة؟
​الحجة عفاف معرفتش تجاوب والجمت.
​رجعت اليوم اللي بعده، واليوم اللي بعده..
في يوم، الأستاذ سيد قالها:
— فيه ناس بتخلط بين الاحترام وبين الخوف والطاعة.. لما محدش بيسمع كلامهم، بيفتكروا إن الحب راح. بس الحقيقة إن اللي راح مش الحب.. اللي راح هو الخوف!
​جودي حكتلي إن حماتي قعدت تعيط في السر بعيد عن العين.
​بعدها بيومين، طلبت تشوفنا.
مبعتتش حد من القرايب، ومطلبتش فلوس، ولا حطت شروط..
قالت بس إنها عايزة تعترف بحاجة.
​تفتكروا.. لو حد آذاكم وكسر بخاطركم سنين طويلة، وقرر لأول مرة يواجه نفسه ويعترف بغلطه.. هتدوه فرصة وتسمعوه؟
​وافقنا نقابلها، بس أنا اشترطت المقابلة تكون في كافيه في الكورنيش مش في بيتها، عشان أكون في مكان حيادي وأعرف أقوم وأمشي لو الموضوع تقلب لقلة أدب أو هجوم زي العادة.
​الحجة عفاف جات من غير كشوفات حساب، ولا بصوتها العالي اللي بيدي أوامر. قعدت قدامنا وفضلت ساكتة شوية بتفرك في إيدها قبل ما تنطق:
— يا هدى.. أنا ظلمتك وقسيت عليكِ كتير.
​سكت ومردتش.
​— وقسيت على جودي كمان. أنا استخدمت الفلوس عشان أتحكم في الناس لأن كان عندي رعب إني أحتاج لحد أو أبقى ضعيفة.. كنت عايزة أحس إن لسه ليا قيمة وسلطة، فقلبت كل مساعدة لدَين، وكل اختلاف لإهانة.
​حسام مسك إيدي جامد تحت الترابيزة.
​— أنا مش مستنية تسامحوني النهاردة —كملت وهي بتبص في الأرض—. بس مش عايزة أكذب على نفسي تاني. أنتوا خدعتوني في الحسابات أيوة، بس أنا بقالي سنين بخدع نفسي في مفهوم العيلة والأصول.
​جودي كانت أول واحدة ترد:
— أنا قبالة اعتذارك يا تيتة.. بس لو رجعتِ تاني تتريقي على شغلي أو على أمي، أنا هقوم وأمشي ومش هتشوفيني تاني.
— ماشي يا بنتي.. حقك.
​أنا أخدت وقت أطول عقبال ما اتكلمت:
— أنا مصدقة إنك عايزة تتغيري، بس ده مش معناه إن كل حاجة هترجع زي زمان بالساهل.
​هزت رأسها بأسى:
— فاهمة ده كويس.
​ولأول مرة في حياتي، صدقتها.
​أخدنا شهور عشان نبني شكل جديد للعلاقة. مبقيناش بنجري نلبي طلباتها لمجرد إنها رنت، ولا رجعنا نمسك فلوسها كأنها طفلة. نيفين ساعدتها تعمل خدمة كبار السن في البنك الأهلي وتحول الفواتير دفع إلكتروني مباشر. حسام بقى يروح معاها الدكاترة والتحاليل المهمة، بس مبقاش يلغي حياته وبيتنا عشان أي تحكم أو طلب عابر.
​وأنا بقيت أزورها مرة في الأسبوع طول ما فيه احترام متبادل.
​جودي كانت أحرص واحدة، في الأول كانت بتتكلم معاها على القد، بس لما تأكدت إن تيتة بطلت تتكلم في موضوع الكليات والفلوس، بدأت تتمشى معاها في جنينة دار المسنين في أوقات بريك شغلها.
​في يوم سبت، الحجة عفاف فاجأتني:
— هدى.. عايزة أطلب منك طلب.
​جسمي اتشنج غصب عني من كثرة المواقف القديمة.
​هي لاحظت ده، فابتسمت بالراحة:
— متخافيش.. مش فلوس.
​ضحكت من غير ما أقصد، وهي ضحكت معايا.
​— أنا عايزة أكون متطوعة في دار المسنين مع جودي. الأستاذ سيد قاللي إني بقضي وقت طويل أبكي على وحدتي وبنسى أعمل حاجة تخليني وسط الناس.
​جودي نسقت لها البدء في نشاط القراءة؛ حماتي كان صوتها واضح ومخارج حروفها قوية، واكتشفت إنها تقدر تقرأ للناس اللي نظرهم ضعيف.
​أول يوم رجعت من الدار مهدودة وتعبانة.
— الشغلانة طلعت صعبة وتقيلة أوي —اعترفت بصراحة.
​جودي رفعت حجبها وهي بتبتسملها:
— خدمة الكبار يا تيتة؟
​الحجة عفاف نزلت عينها بكسفة:
— أيوة يا جودي.. وأنا كنت غلطانة وجاهلة لما قللت من شغلانك وتعبك.
​جودي سكتت شوية.. وبعدين قربت منها وحضنتها.
​أنا أدرت وشي ناحية الشباك وعيني اتملت دموع، مش عشان كل حاجة اتنست، بس عشان المرة دي التصليح والاعتذار مكنش مجرد كلام وخلاص.. كان أفعال وتغيير حقيقي في الطبع.
​مع الوقت، الحجة عفاف بطلت تتكلم مين بيلطع فلوس أكتر ومين معاه أكتر. لما حد يسألها عن أولادها، تقول بكل فخر إن سامح راجل مجتهد، وحسام دماغه ناشفة بس أصيل وشهام، ونيفين بتعمل أحسن أحسن صينية بسبوسة وكيكة برتقال في القاهرة، وجودي بترعى الكبار في السن “بصبر وطول بال أنا نفسي أتعلمهم منها”.
​في عصر يوم، طلبت من نيفين تعملها صينية كيكة:
— بس المرة دي هسددلك حق حاجتها ونظافتها.
​نيفين ابتسمت:
— لا يا طنط.. المرة دي أنا لإهديهالك من قلبي.
​الحجة عفاف كانت هتعترض كعادتها بس مسكت نفسها وقالت:
— شكراً يا نيفين.
​كلمة “شكراً” البسيطة دي منها، كانت شبه معجزة في العيلة.
​حسام هو كمان اتغير، مش معناه إنه بقى أشجع راجل في العالم بين يوم وليلة، ولسه ساعات بيفضل يشتري دماغه من المشاكل، بس لما أمه بتعدي حدودها، بيوقفها عند حدها. ولما جودي قالت إنها عايزة ترجع تحلم وتدرس علاج طبيعي في الدبلوم الفني المسائي، حسام كان أول واحد جاب كشكول وقلم وقالها:
— تعالِ نحسبها ونشوف هنعملها إزاي.
​زمان كنا بنستسلم ونقول المادية متسمحش، بس دلوقتي جودي عندها خبرة، ومعاها قرشين شايلتهم من شغلها، وقدمت في برنامج معتمد بنصف منحة. الطريق مكنش زي ما تخيلته وهي عندها تمانتاشر سنة، بس كان طريق هي اللي بنته بنفسها وبعرقها.
​لما الحجة عفاف عرفت بالخبر، عملت حاجة صدمتني: مفعرضتش تدفع مصاريف الكلية ولا تتباهى بفلوسها.
​وده كان الأهم؛ بدل ما تخلي الفلوس وسيلة سيطرة جديدة، نزلت اشترت لجودي شنطة ظهر شيك وكشكول نظيف:
— عشان تبدأي خطوتك الجديدة على نظافة —قالتها وهي بتبتسم.
​جودي حضنتها بحب.
​ساعتها بس فهمت إن التغيير الحقيقي مش إن حماتي بقت كريم وبترمى الفلوس، التغيير إنها بطلت تقيس الحب بالميزان والجنيهات.
​طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إن المحافظة على البيت معناه إني أستحمل وأسكت. وكنت غلطانة.
​الهدوء اللي قايم على إن بني آدم يسكت وينضرب بينما التاني يذل ويهين، ده مش هدوء ولا أصول.. ده خوف وكسرة نفس متغطيين بـ “أدب مزيف”.
​واتعلمت كمان إن وضع الحدود مش معناه إن العلاقة تتقطع للأبد.. ساعات بيبقى هو الباب الوحيد اللي بيخلي العلاقة ترجع نظيفة وصحية.
​الحجة عفاف كان لازم تخسر طاعة الناس وخوفهم عشان تفهم إنها مخسرتش عيلتها، وإحنا كان لازم نبعد ونقف وقفة حق عشان نفهم إن المساعدة حاجة، وإننا نسيب نفسنا للاثنية والإهانة حاجة تانية خالص.
​وجودي.. البنت اللي قيل عليها فاشلة عشان مجمعتهاش الكلية، هي اللي علمتنا أكبر درس في حياتنا.
​مش بالفلوس..
ولا بالشهادات..
علمتنا الدرس بكرامتها وأخلاقها.
​بعد شهور، رحت أزورها في دار المسنين، ومن الباب شفت الحجة عفاف قاعد جنب الأستاذ سيد وبتقرأ له كتاب بصوت عالي وواضح، وجودي معدية من وراها بتزق كرسي متحرك لواحد من المقيمين.
​الحجة عفاف رفعت عينها وبصت لجودي وقالت للأستاذ سيد بتباهى:
— شايف دي؟ دي جودي حفيدتي.. بركة العيلة وفخرها.
​جودي سمعتها وابتسمت، وأنا ابتسمت معاها.
​مش لأن الماضي اتلمح أو اختفى، بس لأن أخيراً.. محدش في عيلتنا بقى محتاج يهين التاني عشان يحس إنه كبير أو مهم.
​وساعات، بعد السنين دي كلها، لما نتعلم الدرس ده.. بيبقى دي البداية الحقيقية لكل حاجة صح. وفي بيتنا، الفرصة التانية بدأت من اليوم اللي بطلنا فيه نخلط بين السكوت وبين الاحترام.
​تفتكروا إيه اللي يوزن أكتر في أي عيلة: الفلوس اللي الشخص بيديها، ولا الطريقة اللي بيعامل بيها اللي بيقول إنهم أهله؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *