عزومة التذوق حصري لصفحة روايات رولا

في يوم عزومة “تذوق المنيو” بتاعة الفرح، ما كملناش عشرين دقيقة.. وفجأة حماتي حميدة رمت المعلقة من إيدها وبصت لأختي اللي قاعدة على الكرسي المتحرك كأنها شافت حد راجع من القبر. ما كانتش بتبص للكرسي، كانت مركزة أوي مع الندبة الواضحة اللي بتعدي بعرض ذراعها الشمال.
​— معلش يا حبيبتي… أنتِ عندك كام سنة؟
— ثلاثين —ردت اختي مريم.
الست وقفت على حيلها وشها جاب ألوان:
— أنتِ اتولدتي في نوفمبر؟
أمي حطت كاس العصير على الترابيزة بقوة خلّت القاعة كلها تسكت.
أنا كنت متخيلة اليوم ده بقالي شهور: بابا بأشيك بدلة عنده، وطارق خطيبي ماسك إيدي تحت الترابيزة، ومريم أختي مسافرة لي مخصوص من الإسكندرية للقاهرة عشان تبقى جنبي. بس حماتي ما كانتش قادرة تشيل عينها من عليها.
— الندبة دي… جاتلك من إيه؟
— وأنا صغيرة، ده كل اللي أعرفه.
حمايا سيد وشه اصفرّ تاماً:
— إيه يا استيلة… قصدي يا حميدة في إيه؟
حماتي بدأت تعيط بانهيار:
— إحنا كان عندنا بنت… كان اسمها نادية. كان عندها نفس الندبة دي بالضبط… وما كانتش بتمشي هي كمان.
​حسيت بطارق بيسيب إيدي بالراحة. كنت عايزة أقول إن دي مجرد مصادفة غريبة وغبية، بس أمي ما كانتش باين عليها أي مفاجأة.. كان باين عليها الغضب الساطع.
— ما تنطقيش الاسم ده على لسانك —أمي قالتها بحدة.
حماتي قربت خطوة من مريم:
— أنا أمك يا بنتي…
أمي وقفت في وشها:
— لا، أنتِ الست اللي رمتها والتفتت ومشيت!
— بابا.. بابا في إيه؟ أمي بتقول إيه؟
أمي أخدت نفس عميق وبصتلي:
— مريم دخلت عيلتنا وهي عندها أربع سنين.. إحنا تبنيناها يا نادين.
​الكلمة نزلت على صدري زي الحجر. بصيت لأخت عمري، اللي كبرت معاها، اللي كانت بتنام جنبي لما يجيلي انهيار عصبي، اللي شالت معايا كل أزمة وكل تعب لماما وبابا.
مريم ما نطقتش.. جوزها أحمد حط إيده على كتفها وعلى الكرسي بثبات.
— كنا عايزين نقولك في وقت أحسن من ده يا نادين —بابا قالها بصوت واطي ومكسور.
​حماتي كانت بتشهق من البكاء:
— نادية… يا بنتي يا نادية…
— اسمها مريم! —أمي كبرت صوتها— وما تقربيش منها خطوة واحدة.
​عزومة المنيو انتهت عند النقطة دي.
​لما رجعنا البيت، بابا وماما حكولنا السر اللي استخبى ستة وعشرين سنة. بعد ما أمي فقدت حمل قديم، بدأت تتطوع في دار رعاية للأطفال أصحاب الهمم في الجيزة. في سبت من السبتات أخدتني معاها، كان عندي وقتها سبع سنين، ولقيت بنت قاعدة لوحدها جنبك الشباك ومقعدة على كرسي ومسكة عروسة مكسورة. ما كانتش بتتكلم تقريباً وما بتتحركش. قعدت جنبها ولعبت معاها.. والأسسبوع اللي بعده سألت عليها، واللي بعده أصرت أروح.
— أنتِ اللي اخترتيها الأول يا نادين —بابا قالها وهو بيبصلي.
​بعدها بشهور بدأت إجراءات الكفالة والتبني. حسب الورق الرسمي وقتها، مريم لقوها لوحدها جوة مخزن مهجور ورا سوق بمصر القديمة. الشرطة وصلت لأهلها، والأهل ادّعوا إن واحدة قريبتهم كانت مفروض تخلي بالها منها أثناء عزبة ونقل عفش وإن الموضوع ملعوب وفهم غلط.. بس لما النيابة والشؤون الاجتماعية طلبوا تقارير طبية ونفسية عشان يرجعوها، الأهل تنازلوا عن حقوقهم تماماً!
— قالولنا ساعتها إن أهل الأب رفضوا البنت تماماً عشان ظروفها الصحية وجسدها —ماما وضحت.
​ساعتها بس استوعبت المصيبة الأكبر: لو حماتي وحمايا هما الأهل البيولوجيين لمريم… يبقى طارق خطيبي هو أخو أختي!
خطيبك طلع أخو أختك في الرضاعة والدم!
​بعدها بيومين قابلت طارق في كافيه.
— أنا مش هقدر أكمل في الجوازة دي يا طارق.. مش هينفع أتزوج أخو أختي!
— أمي بتحلف إن الموضوع ما كانش كده خالص يا نادين!
— أمال كان إيه؟
— بتقول جدتي هي اللي أخدتها غصب، ولما حاولوا يرجوعها كانت الدار والشؤون استلموها خلاص…
— وبعدين؟ عملوا إيه؟
طارق سكت وما عرفش يرد.
— السكوت ده هو الإجابة يا طارق.
​طلب مني فرصة يوضح الحقيقة، مش عشان ننقذ الفرح، بس عشان يغسل اسم أهله. أنا ما كنتش طايقة أسمع كلمة.
بس بعد أسبوع، وتحديداً في يوم كان فيه مطر شديد في القاهرة، حماتي جاتلنا البيت لوحدها. بابا من باب الشهامة والشفقة فتحلها ودخلها.
​— أنا عمر ما كان قصدي أرمي بنتي —قالتها وهي بتترجى.
شرحت إن حماتها (جدة طارق) كانت بتكره البنت جداً عشان بنت وعشان ظروف حركتها. وفي يوم نقل العفش من شبرا للزيتون، الجدة سابت البنت مع ست قريبتهم.. وبعدها بساعات قالولها إن قرايب تانيين أخدوها لعيلة “تقدر تراعيها بجد”.
— لما عرفت إنها في الدار دخلت في مشاكل وكنت عايزة أرجعها —حماتي قالت وهي بتبكي— بس جوزي اترجاني أسكت.. كان عندنا طفلين تانيين، وديون ملهاش أول من آخر، وأنا ما حيلتيش قرش ولا شغال.
أمي ضغطت على شفايفها بغضب:
— وجوزك في الآخر راح وقع على ورق التنازل!
— أيوه…
هو ما كانش بريء، بس كلامها خلاه ما يبانش زي الوحش الكاسر اللي تخيلته.
​قبل ما تمشي، بصت للأرض وقالت:
— أنا مش جاية آخدها منكم ولا أفرض نفسي عليها… أنا بس عايزاكم تعرفوا إني بنادم كل يوم في عمري على اللحظة دي.
​ولأول مرة من يوم العزومة… شكيت في قراري.
وده كان أكبر غلط عملته.الجزء الثاني
​طارق افتكر إني هرجعله بمجرد ما الغضب اللي جوايا يهدى. فضيل الأسابيع ورا أسابيع يبعتلي مسجات إن أسباب طلاقنا كلام فارغ وإني بخرّب بيتنا “عشان سوء تفاهم”. وحماتي كانت كل شوية تعيد وتزيد وتقول إن ما فيش ست عاقلة تطلب الطلاق وتخرب بيتها عشان شوية مشاكل مع أخت جوزها! أما “سارة” أخت طارق، فكانت بتبعثلي فويسات كلها تريقة وشماتة:
— “أما نشوف كرامتك العالية دي هتأكلك عيش إزاي لما تلاقي نفسك بتدفعي كل جنيه لوحدك وما حيلتكيش حاجة!”
​أنا ما مسحتش مسج واحدة.. احتفظت بكل فويس وكل كلمة.
​إجراءات الطلاق كانت مسألة غلسة ومعقدة. ما كانش فيه ثروة نتخانق عليها، بس في جلسة التسوية والمأذون، طارق اضطر يعترف قدام الكل إني سبت شغلي ومشروعي الصغير لما اتجوزته، وإن أهله كانوا بيحملوني فوق طاقتي وبيشغلوني عندهم خدامة من غير ما يراعوا مواعيدي ولا صحتي. خرجت من الجوازة دي بمؤخر مادي بسيط، وبباب اتقفل في وشهم للأبد.
​لميت شنطتي ورحت على طنطا.. شنطتين كبار ومكنة قهوة قديمة.
بمساعدة بابا وماما ومن التحويشة اللي حيلتي، أوجرت محل صغير على الشارع وفتحت كافيه سميته “الشباك”. كل يوم الصبح وانا برفع الصاج الحديد بتاع المحل، كنت بحس إن روح كأنها بترجعلي من جديد.
​بعد سنتين، بقى عندي زباين دائمين ورجليها واخدة على المكان.
من ضمنهم كانت “الحاجة سوسن”، ست عندها حاجة وستين سنة، بتيجي كل يوم تطلب قهوة أمريكانو من غير سكر وتقعد تقرأ جنب الشباك. كانت ناظرة مدرسة محالة علمديرة سابقة، وورثت عن جوزها الله يرحمه كام محل بتأجرهم. على قد ما هي مقتدرة مادية، على قد ما كانت في قمة التواضع وما بتعاملش حد بتكبر أبداً.
بقينا أصحاب جداً.
​في يوم، بعد ما سمعت حتة من قصة طلاقي، قالتلي جملة عمرها ما فارقتني:
— “يا إنجي يا بنتي، الناس فاكرة إن الإهانة والظلم ما بيحصلوش غير بالضرب والشتيمة.. بس الظلم الحقيقي بيبدأ لما كلهم يقنعوكي إن وقتك وصحتك وكرامتك مالهمش قيمة.”
​بعدها بأسابيع غابت عن الكافيه تقريباً ثلاث أسابيع. ولما رجعت، كانت طايرة من الفرحة ومبتسمة.
— “ابني هيتجوز يا إنجي!”
— “ألف مبروك يا حاجة! ربنا يسعدهم.”
— “ومبسوطة أوي بالبنت.. مؤدبة وبنت ناس ورقيقة خالص. بعد اللي شفته زمان مع أخوات جوزي، أقسمت إن عيلتي مش يدخلها حد يذل غيره أو يعامل الناس بتكبر.”
حكتلي إنها وهي صغيرة شافت الويل من أخوات جوزها وعاشرت إهاناتهم سنين، عشان كده كان عندها الشخصية والأصل أهم ألف مرة من النسب والعيلة.
— “في يوم هجيبهالك تشوفيها وتتعرفي عليها.”
​السبت اللي بعده، سمعت صوت الجرس بتاع باب الكافيه.
— “إنجي! بعرفك على عروسة ابني المستقبلية!”
​رفعت عيني..
الست اللي واقفة جنبها كانت لابسة فستان أوف وايت ومبتسمة ابتسامة رقيقة خالص.. بس الابتسامة دي اختفت تماماً وأول ما عيني جت في عينها!
كانت سارة.. أخت طارق!
​فضيلنا كذا ثانية محدش فينا ينطق كلمة.
الحاجة سوسن بصت لنا إحنا الاتنين باستغراب:
— “إيه ده.. أنتوا تعرفوا بعض؟”
​سارة لحقت نفسها بسرعة واستجمعت شتات نفسها:
— “لا يا طنط.. تقريباً شبهت عليا ولا حاجة.”
​حسيت ببرودة في جسمي كله. نفس الست اللي كانت بتقولي إني عايشة على قفا أخوها وفلوسه، دلوقتي واقفة قدامي وبتعمل نفسها ما تعرفنيش!
صبيت القهوة وحطيتها. سارة كانت بتعامل الحاجة سوسن برقة ومحن وتصنع يخنق.
— “سخونة القهوة كويسة يا طنط سوسن؟ ولا أغيرهالك؟”
— “ممتازة يا حبيبتي، تسلم إيدك.”
​كنت واقفة ورا البار وببصلها.
كان ممكن أسكت وأكبر دماغي وأفوت اليوم..
بس الحاجة سوسن ابتسمت وقالتلي:
— “شايفة يا إنجي أنا بحب البنت دي ليه؟ قلبها أبيض وبيحس باللي حواليها.”
​ساعتها فهمت إن سكوتي مش هيكون مجرد جدعنة.. سكوتي هيكون مشاركة في كذبة كبيرة.
قربت من الترابيزة.
— “سارة.. هو أنتِ بجد عايزاني أفرغ معاكي وأمثل إني ما أعرفكيش؟”
​اتسمرت مكانها وشها جاب ألوان.
— “دي… دي أكيد متلخبطة يا طنط!” سارة قالتها بصوت ملخبط.
— “لا مش متلخبطة.. أنا كنت أخت جوزك وزوجة أخوكي طارق لمدة سنتين كاملين.”
​الدم هرب من وشها تماماً.
حكيت للحاجة سوسن المباشر والمفيد: التريقة، الطلبات اللي ما بتخلصش، السفرية اللي كنت خدامة فيها، اليوم اللي أجبرتني أخرج فيه من المستشفى وأنا معلقالي المحلول عشان أوصلها، والقعدة اللي جمعوني فيها عشان أعتذر إني تعبت ومقصرة!
​سارة بدأت تعيط بانهيار وتمثيل:
— “كذب! والله كذب! دي بتكره عيلتي ومن يوم ما اتطلقت من أخويا وهي نفسيتها مش مظبوطة وبتحقد عليا!”
​الحاجة سوسن بصتلي بثبات وقالت:
— “إنجي.. تقدرِ تثبتي الكلام ده؟”
​أخدت نفس عميق.
— “أيوه.”
​طلعت تليفوني وفتحت فولدر احتفظت بيه من سنتين.. وشغلت فويس.
صوت سارة ملا المكان:
— “أما نشوف كرامتك العالية دي هتأكلك عيش إزاي لما تلاقي نفسك بتدفعي كل جنيه لوحدك وما حيلتكيش حاجة!”
​وبعدها شغلت فويس تاني:
— “لما تبقي عايشة في خير أخويا، يبقى أقل حاجة تعمليها إنك السواق بتاعي وتوصليني مكان ما أقولك!”
​سارة وقفت ومسكت شنطتها بالهستيريا:
— “الكلام ده مقطوع من سياقه والله العظيم!”
​فتحت مسج كتابية من طارق أيام القضايا وقريتها بصوت عالٍ:
“أنا عارف إن سارة زادتها معاكي كتير وأنا جيت عليكي وعزمتها على حسابك، بس أنا مش عايز مشاكل أكتر من كده.. خلينا ننهي الموضوع ده بالتي هي أحسن.”
​الحاجة سوسن غمضت عينها لحظة.. ولما فتحتهم، ما كانش فيه في عينها أي أثر للدفء أو الحنية اللي كانت تبص بيها لسارة.
— “يلا بينا يا سارة.”
​سارة حاولت تمسك إيدها وهي بتعيط:
— “يا طنط سوسن أرجوكي اسمعيني…”
— “إياكي تلمسيني!”
​قبل ما تخرج من باب الكافيه، الحاجة سوسن التفتت لي وقالت بصوت هادي:
— “شكراً يا إنجي إنك حمتيني وما سبتنيش أقع في الغلطة دي.”
​سارة بصتلي بنظرة كلها كره وغل وشر..
أنا وقتها ما كنتش اعرف إن الفرح اللي اتلغى ده مش هيكون آخر القصة..
ولا كنت أعرف اللي سارة ناوية تعمله في الكافيه بتاعي عشان تنتقم مني، واللي بسببه هينكشف مستور أكبر بكثير من اللي هي كانت خايفة منه!الجزء الأخير
​الفرح اتلغى رسمياً بعد أسبوع واحد.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *