قومي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
—قومي من على الترابيزة يا ندى، الضيوف مش جايين عشان يشوفوا مطبخك المكركب.
​صوت فايزة رن في صالة الشقة اللي في حلمية الزيتون. لثواني معدودة، محدش نطق ولا كلمة. ندى رفعت عينها من كوباية الشاي وبصت لحماتها، وهي متأكدة إنها يمكن سمعت غلط.
​دا هي واقفة في المطبخ بتطبخ من الساعة سبعة الصبح: عملت محشي ومشكل وشوربة لسان عصفور وفراخ محمرة وصينية بسبوسة كانت فايزة هي اللي طلبتها بالاسم. ده غير إنها نقضت الشقة كلها ونزلت جابت الطلبات من السوق.
​يا دوب كانت بقالها خمس دقايق بس قاعدة ترتاح.
​—يا أمي سبيها ترتاح شوية —قالها ياسمين، أخت كريم الصغيرة.
​فايزة لوّت بقها.
​—ترتاح من إيه يعني؟ المواعين مش هتغسل نفسها بنفسها!
​كريم زق كوبايته الفاضية لنص الترابيزة من غير ما يبص لمراته حتى.
​—يا ندى قومي انحزي نفسك واغسليهم قوام، الموضوع مش مستاهل كبر العلقة ده.
​الموضوع مش مستاهل.
​الكلمة دي نزلت على دماغها زي الحجر، وشالت معاها حمولة تمان سنين كاملين.
​ما كانش مستاهل تغسل، وتدفع الفواتير، وتنزل تعمل تسوق الأسبوع، وترتب المواعيد، وتشتري أدوية البيت، وفوق كل ده تشتغل تمان ساعات في اليوم في شركة محاسبة.
​كل شغلة كانت تبان صغيرة وبسيطة، بس المصيبة إن كل الشغل ده كان بيترمى في الآخر على كاهلها هي بس.
​—أنا مش قايمة —قالتها ندى.
​كريم افتكرها بتهزر.
​—إيه؟
​—بقولك مش قايمة.
​فايزة طلعت منها ضحكة صفرا.
​—شوف البنت! بقى دلوقتي طلعلنا هانم ملكة في العيلة!
​عم حسين نزل عينه في الأرض وما فتحش بقها. زي العادة، فضل يشتري دماغه ويسكت، أصله طول عمره عايش في البيت ده بيعدي المشاكل وبيسيب فايزة تتكلم لحد ما تجيب أخرها وتتعب.
​بس ياسمين ما سكتتش.
​—ندى عندها حق يا جماعة، إحنا كلنا أكلنا وسدوا جوعنا، ومفيش مانع نقوم نساعد.
​—إحنا ضيوف هنا يا ياسمين —ردت فايزة.
​—إحنا أصحاب بيت وعيلة يا أمي —ردت ياسمين.

​—بالظبط، والست الأصيلة الشاطرة هي اللي تخدم عيلتها وتكرمهم من غير ما تقعد تعد هي قامت كام مرة وقعدت كام مرة.
​ندى حسّت إن في حاجة جواها اتكسرت حتت، بس من برة كانت هادية بشكل يرعب.
​—أنا من إمبارح نزلت السوق وجبت الخضار، وغسلت الهدوم، وروقت الشقة، وعملت الحلو اللي طلبتموه. وحتى يوم الجمعة نزلت أشتريت علاج عمي حسين عشان كريم نسي يجيبه. وكل ده ولسة مطلوب مني أفرك وأفحت في الأرض أكتر من كده؟
​—محدش ضربك على إيدك ولا جابرك تعملي أصناف وأشكال —قالها كريم.
​ندى بصتله وهي مش مصدقة اللي بتسمعه.
​—انت اللي قولتلي إن أمك هتزعل وتاخد على خاطرها لو ملقتش المحشي والبسبوسة.
​—ده كان مجرد كلام بنقوله!
​—كلام بالنسبة لك انت، عشان دايماً فيه حد تاني بيشيل الكلام ده ويحوله لشغل وتعب.
​كريم خبط على الترابيزة بكف إيده جامد.
​—خلاص بقى! انتِ كبرتي الموضوع وزودتيها أوي.
​ندى وقفت على حيلها.
​الكل افتكر إنها أخيراً رايحة على المطبخ تغسل المواعين.
​بس هي مسكت شنطتها ومفاتيح العربية.
​—رايحة فين؟ —سألها كريم.
​—رايحة أرتاح.
​—دلوقتي؟
​—أيوة، دلوقتي.
​—والمواعين اللي مالية المطبخ دي؟
​ندى بصت للترابيزة المليانة أطباق وسخات وكبابي ومنايل متوسخة.
​—فيه خمس بني آدمين كبار قاعدين هنا، اتعلموا واعرفوا مع نفسكم الحنفية والحوض بيشتغلوا إزاي.
​كريم قام وقف، ووشه جاب ألوان من الكسوف.
​—ما تفضحناش وتعملي حوار قدام أهلي!
​ندى فتحت باب الشقة.
​—المشكلة إنك لسة فاكر إن كل اللي بعمله ده عشانهم هما.
​—أمال عشان مين يعني؟
​بصتله لآخر مرة وقالت:
​—عشاني أنا. ولأول مرة من تمان سنين، أنا بعمل حاجة عشان نفسي أنا.
​في الليلة دي، أوجرت أوضة صغيرة وهادية قريبة من وسط البلد، وقفت تليفونها خالص. لا كان فيه عشا محتاج يتغرف، ولا قميص محتاج يتكوى، ولا حد بيلف وراها يسألها الحاجة الفلانية محطوطة فين.
​تاني يوم الصبح، كريم صحي متأخر، لقى الحوض مطفح مواعين، والتلاجة فاضية مفيهاش لقمة، ومفيش ولا قميص واحد نضيف ومكوي عشان اجتماعه المهم في الشغل.
​بس اللي وقفه مكانه وخلاه يترعب وما يتحركش، ما كانش دربكة البيت.
​كان كشكول صغير ندى سابتهولهم على الترابيزة.
​ولما فتح أول صفحة فيه، ما كانش يجي على باله أبداً إيه اللي هيشوفه ويكتشفه بعد لحظات…—أنا ما جيتش عشان أقولك ارجعي معايا —قالها كريم قبل ما ندى حتى تقعد.
​هزت رأسها وقعدت قصاده.
​—عارفة.
​—جد؟
​—بدأت أفهم وأستوعب فعلاً.
​كريم طلب قهوة سادة، وندى كانت يا دوب لمست كوباية الشاي بتاعتها.
​—أنا آسف —قالها كريم.
​—على إيه بالضبط؟
​كريم بلع ريقه. قبل كده كان هيقول “على اللي حصل يوم الأحد” وكان هيستنى إن الكلمة دي تكون كفاية وتصلح كل حاجة.
​—عشان سبت أمي تتعامل معاكي كأنك شغالة في البيت. وعشان قولت إنك بتبالغي وتكبري الموضوع. وعشان افترضت إن عشان أنا بكسب أكتر، يبقى تعبي أغلى وأهم من تعبك. وعشان شيلتك مسئولية حاجات كانت شغلي ومسئوليتي أنا كمان.
​ندى ما ابتسمتش.
​—كلام كويس ومرتب.
​—أنا شفت الكشكول.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *