قومي حصري لصفحة روايات رولا

​—لسة الموضوع صعب عليك.
​—أيوة —اعترف كريم—. بس كون إن الموضوع صعب، مش معناه إني ما أعملوش.
​دي كانت أول إجابة منها تفاجئها بجد.
​لما رجع الشقة، كانت فايزة قاعداله في الصالة مستنياه.
​—ها؟ اعترفت بتخطط لإيه من وراك؟
​كريم حط المفاتيح على الترابيزة.
​—بكرة الصبح هترجعي بيتك يا أمي.
​فايزة فتحت عينها على أخرهم.
​—نعم؟!
​—شكراً إنك جيتي، بس انتِ ماشية بكرة.
​—بعد كل اللي عملته عشانك رايح تقف في صفها ضد أمك؟
​—أنا مش بختار صفوف.
​—لا بختار!
​—أنا بختار أشيل مسئولية جوازي وبيتي.
​فايزة وقفت.
​—الست دي بتلعب بعقلك وبتماشيك على مزاجها!
​—لا. أنا بقالي سنين سايبك تتدخلي وتحددي مراتي تتصرف إزاي، وبقالي سنين سايبها هي تشيل وتصلح كل حاجة في حياتي.
​—أنا كنت عايزة أساعدك بس!
​—يبقى تساعديني بإنك تحترمي حدودي.
​فايزة اتسمرت مكانها.
​كريم كمل كلامه:
​—ما تفتحيش ورقها تاني، وما تتكلميش عن شغلها كأنه خيانة، وما تقوليلهاش تاني في بيتنا تقوم إمتى وتقعد إمتى.
​فايزة ضمّت شفايفها بغل.
​—مراتك بتبعدك عن أهلك وعيلتك.
​—لا، أنا بتعلم إن لما أعمل عيلة مش معناها إني أفضل عيل صغير أمه بتلحقه وتصرف عنه.
​تاني يوم، فايزة مشيت من غير ما تسلم على حد.
​بعدها بيومين، كريم جمع أبوه وأمه وأخته ياسمين مع ندى في الشقة. قال لمراته إنه عايز يعمل حاجة عمره ما عملها: يعتذرلها قدام نفس الناس اللي أهانها قدامهم.
​فايزة جَت ووشها أصفر ومقفول.
​—ده بقى شبه المحاكمة! —تمتمت بصوت واطي.
​—دي مش محاكمة —ردت ياسمين—. دي قاعدة كان لازم نتقابلها من سنين.
​فايزة فتحت موضوع المحل تاني.
​—الست اللي تخبي مشروع عن جوزها سنة كاملة تبقى عايشة بحياتين وبتلعب من وراه.
​هنا عم حسين، اللي طول عمره ساكت وما بيبطلش شراء دماغ، وقف.
​—بس بقى يا فايزة… كفاية.
​الكل بص له بذهول، حتى مراته.
​—اقعدي —قالها عم حسين—. النهاردة دورك تسمعي.
​—جرالك إيه يا حسين؟
​—تعبت من التمثيل، وتعبت من إني أعمل نفسي مش شايف اللي بيحصل.
​فايزة ضحكت بقلة حيلة.

​—يعني دلوقتي كلكم بقيتوا عليا؟
​—لا —قال حسين—. أنا جاي أتكلم عن نفسي أنا.
​وبص لكريم وقال:
​—فاكر لما قولت لمراتك “الموضوع مش مستاهل”؟
​كريم هز رأسه.
​—الجملة دي انت اتعلمتها مني.
​فايزة جمّعت حواجبها.
​حسين كمل:
​—طول تلاتين سنة، كنت برجع من شغلي وافترض إن الأكل والهدوم والفواتير والبيت لازم يكونوا جاهزين ومترتبين. ولو أمك قالت تعبانة، أقولها الموضوع مش مستاهل. عمرها ما سألت نفسي هي بتعمل إيه، كنت بس بلاحظ لما الحاجة ما تتعملش.
​فايزة بصت بعيد.
​—ده كان زمان وخلاص.
​—أيوة، وعشان كده الأسوأ إن ابننا كرر نفس المأساة ونفس الكلام.
​—أنا عمر ما كنت ضحية!
​—أنا ما قولتش إنك ضحية، أنا بقول إني كنت مستسهل ومريح دماغي، وانتِ اتعلمتي إن الست الأصيلة هي اللي تشيل وتستحمل من غير ما تنطق.
​الصالة سكتت خالص.
​ياسمين اتكلمت بعد كده:
​—يا أمي، كل ما حد يختلف معاكي تقولي ده قلة أدب وعدم احترام. عشان كده كنت بخلع بدري من أي عزومة. مش عشان الشغل، عشان ما كنتش طايقة أسمعك بتنتقدي ندى وإحنا عاملين نفسنا مش شايفين ومعديين الكلام.
​فايزة بصتلها بوجع.
​—انتِ كمان يا ياسمين؟
​—أيوة أنا كمان.
​سنين من الكلام المستخبي والكتوم طلعت كلها مرة واحدة.
​كريم بص لندى وقال:
​—أنا بعتذرلك قدام الكل. عن كل مرة قولتك فيها “انتِ بتبالغي”، وعن كل مرة قولتك “اعمليها انتِ أصلك بتعمليها أحسن”، وعن كل عزومة سبت أمي تعاملك فيها كأن خدمتنا فرض عليكي. ما كنتش شايف تعبك عشان كان من مصلحتي وما يريحني إني ما شوفوش.
​ندى اتنفست بعمق.
​—شكراً.
​فايزة هزت رأسها بضيق.
​—بس ده مش معناه إني هرجع النهاردة —كملت ندى—. ولا إن مكتبي هيتأثر برأيكم أو كلامكم.
​—عارف —رد كريم.
​—وأنا مش هفضل أحاول أثبت إني أستاهل مكان في العيلة دي عن طريق الأكل والتنظيف والسكوت.
​فايزة فتحت بقها عشان ترد، بس حسين بص لها بصرامة.
​سكتت، وبعد كام ثانية قالت بصوت واطي:
​—يمكن… أنا كنت قاسية وبزيادة.
​ما كانتش اعتذار كامل، بس كانت أول شرخ في جدار مبني بقاله عقود.
​ندى مشيت الليلة دي وما رجعتش مع كريم.
​خلال الأربع شهور اللي بعدهم، أجرت شقة صغيرة قريبة من مكتبها الجديد. افتتحت رسمياً “مكتب ندى الهواري للحسابات واستشارات الأعمال” في مكان منور ومبهج في منطقة سان بطرسبرج بوسط البلد.
​في أول يوم، جَت ياسمين وهي شايلة ماكينة قهوة، وصاحبتها مي بورد وفل، وعم حسين بصورة متبرقعة لخالتها الله يرحمها قدام المكتبة القديمة.
​كريم جِه لوحده.
​ما جابش هدايا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *