سامح حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
سماح جابت آخرها، واللحظة دي كانت هي النهاية فعلاً…
​—لو أمك ماتت الليلة دي، إياكي ترني عليا تاني! مشاكلها تلزمك أنتِ، مش تلزمني أنا.
​صوت حسام طلع من سبيكر الموبايل وسط مزيكا عالية، وصوت كاسات بتخبط، وضحكة ست. أنا كنت واقفة في طوارئ مستشفى خاص في المهندسين، وإيديا لسه بتترعش بعد ما قعدت أعمل إنعاش قلبي لست وقعت قدامي فجأة على الأرض.
​اللي حسام ما كانش يعرفه… إن الست دي ما كانتش أمي أنا.
دي كانت أمه هو.
​بصيت لشاشة الموبايل. خمسطاشر مكالمة. أربعطاشر طنّشهم، وواحدة رد فيها عشان يكسرني ويهينني. التسجيل التلقائي في الموبايل كان لسه مخلص تسجيل المكالمة.
ما عيطتش.
بس قلت في سري: “أنت لسه حالاً قاضي على جوازنا ومحدد نهايته بنفسك.”
​أنا اسمي سماح، عندي سبعة وثلاثين سنة، ومسكة إدارة العمليات اللوجستية في شركة في القاهرة. أمي، الحاجة رضا، ربتني لوحدها بعد ما أبايا توفى، كانت شغالة في مطحنة وعملت كل اللي تقدر عليه. بفضل ربنا ثم منح الدراسة وشقا سنين، قدرت قبل ما اتجوز اشتري شقة صغنيرة على قدي في الشروق.
​اتعرفت على حسام في الشركة. كان باين عليه ابن ناس وبسيط، وكان دايماً يتكلم بفخر عن أمه، الحجة نجوى، وكد إيه ضحت عشانه. أنا قلت في نفسي اللي بيحترم أمه ويشيلها فوق راسه، أكيد هيحترم أمي ويصونها. بس اتخدعت.
​بعد جوازنا بأسبوعين اثنين، حسام طلب مني ندمج الحسابين بتوع المرتبات.
—أحنا بقنا بيت واحد وعيلة واحدة —قالها بابتسامة— لو جمعنا فلوسنا مع بعض، هنكبر ونقف على رجلنا أسرع.
​وافقت بنية صافية.
أول شهر، ومن غير ما يرجعلي ولا يستأذن، لغى التحويل الشهري اللي كنت بعمله لأمي عشان أدويتها ومصاريفها.
—أمك لسه بتتحرك وتقدر تصرف على نفسها —قالها وهو مبصش حتى ناحيتي وعينه في التلفزيون— أنا مش فاتح البيت عشان أصرف على بيتين.
​بس في نفس الوقت، كان كل أول شهر بيحول مبلغ محترم لأمه نجوى. غير إنه كان يدفع فواتير خطها، وكشف الدكاترة، ومشترياتها، وحتى خروجتها مع صحابها في الساحل ولا مصر الجديدة.
لما واجهته واشتكيت من التفرقة دي، ابتسم بسخرية ووجع قلبي:
—أمي ضحت بحياتها عشان تطلعني راجل.. بلاش تقارني أمك بأمي.
​الجملة دي دخلت في قلبي زي السكينة.
نجوى أمه كانت بتدخل بيتي بالمفتاح اللي حسام ادهولها من غير ما يقولي، تفتح التلاجة وتفتش في كل حاجة وتنتقد كل صغيرة وكبيرة. في عيد الفطر اللي فات، هانت كعك العيد اللي أمي كانت عملاه بإيديها وجايباه بفر فرحتها، وحسام وقتها حط لسانه في بؤه وما نطقش بحرف.
​من اليوم ده، بدأت أحتفظ بكل كشوفات الحسابات، الرسائل، والتسجيلات. بحكم شغلي في اللوجستيات متعودة أثبت كل حاجة بالورق، وسبت خاصية تسجيل المكالمات التلقائي شغالة على الموبايل.
​بعدها بشهور، أمي اضطرت تعمل عملية استئصال مرارة. لما طلبت من حسام يجي معايا المستشفى، قال لي إنه عنده عزومة شغل مهمة مع عملاء.
—أمك ومشاكلها تخصك أنتِ لوحدك.
​يومها حاجة جويا اتكسرت وما اتصلحتش، بس كملت ومشيت الدنيا.
لحد ليلة من ليالي أكتوبر…
​نجوى طبّت عليا في البيت من غير ميعاد على الساعة عشرة بالليل. كنت لسه راجعة من الشغل مهدود حيلي واللاب توب في إيدي.
—يوم الأحد الجاي هتعملي عزومة محترمة لعيد ميلاد أخوكِ الكبير —قالتها وهي بتأمر.
​وضحتلها بهدوء إني مش هقدر، لأن أمي عندها ميعاد متابعة مهم مع الدكتور وأنا وعدتها أروح معاها.
نجوى خبطت بإيدها على الترابيزة بغشم:
—دايماً أمك هي الأولى! أنتِ اتقفل عليكِ باب راجل خلاص.. اتعلمي أعرفي مين عيلتك الحقيقية!
​تنفسك بصعوبة وقلت:
—أمي هي عيلتي بردو يا طنط.
​وشها اتغير واحمر من الغضب:
—أمك عملتك عيلة وعودتك على الدلع.. المفروض في سنها ده تبطل تمثيل وتستجدع بدل ما هي شحتة عطف منك طول الوقت!
​حسيت الدم بيغلي في عروقي، بس قبل ما ألحق أرد، نجوى حطت إيدها فجأة على صدرها، وحاولت تمسك في الكرسي بس وقعت على الجنب.
صوت وقوعها كان يخض.
​نزلت على ركبي جنبها فوراً، اتصلت بالإسعاف (123) ومشيت مع التعليمات اللي كان الموظف بيمشيها معايا. لما لقيتها قطعت نفس لثواني، بدأت أعملها إنعاش قلبي بإيدي. ما فكرتش وقتها في الكعك، ولا في إهانتها لأمي، ولا في السنين اللي عملتني فيها معاملة قاسية. كل اللي كان في دماغي ساعتها إن الست دي ما تموتش تحت إيدي.
​الإسعاف جات بسرعة، وفي الطريق للمستشفى فضلت أتصل بحسام. مرة.. اتنين.. خمسة.. عشرة.. أربعطاشر.
ولا رد.
​لما وصلنا طوارئ مستشفى المهندسين، طلبت رقمه للمرة الخمسطاشر.
ساعتها رد.
—عايزة إيه تاني على المسا؟
—أنا في المستشفى، في مصيبة وحالة طارئة لازم تيجي فوراً!
​سمعت صوت المزيكا العالية، وضحكة ست، وبعدين نفخة زهق منه:
—تاني أمك؟ يا سماح حلي عني بقى!
—الموضوع خطير جداً يا حسام، تعالى أرجوك!
​ما إدانيش فرصة أكمل، وصرخ في الموبايل:
—لو أمك ماتت الليلة دي، إياكي ترني عليا تاني! مشاكلها تلزمك أنتِ، مش تلزمني أنا!
وراح قافل السكة في وشي.
​الدكتور خرج بعد دقائق:
—المدام نجوى عندها أزمة قلبية حادة. إحنا بنحاول نثبت حالتها حالياً، بس احتمال نحتاج ندخلها قسطرة ورعاية مركزة فوراً. محتاجين حد من أولادها ضروري عشان التاريخ المرضي والإمضاء على الإقرارات الطبية.
​طلعتله رقم حسام ورقم أخته ليلى.
حسام كان قفل تليفونه خالص.
ليلى ردت وهي بتتقاعس ونعسانة:
—دلوقتي؟ أنا مسافرة الصبح بدري إسكندرية.. أنتِ هناك خلاص تصرفي يا سماح.
—دي أمك يا ليلى!
سكتت ثانية وقالت ببرود:
—ما أنتِ مرات ابنها وشغلتك تشيلي، ولا إيه؟
وراحت قافلة الخط هي كمان.
​الدكتور دخل تاني بسرعة والدكاترة شغالة جوة مع نجوى في الرعاية الطبية. قعدت على كرسي في الانتظار لأول مرة طول الليل، ركبي مش شيلاني.
في اللحظة دي تليفوني اهتز.
​كانت رسالة من دينا، زميلتي في الشركة: “سماح، أنا مش عارفة صح إني أبعتلك ده ولا لأ، بس حسيت إنك لازم تشوفي بنفسك.”
​فتحت الصورة.
حسام كان قاعد في روف كافيه شهير في الزمالك، بيحضن وبيبوس ست أنا عارفة وشها كويس.
زميلته في قسم المبيعات.
نفس الضحكة اللي سمعتها في خلفية المكالمة.
​وفي اللحظة دي بس، فهمت إن حسام في الليلة دي ما سابش أمه لوحدها وهي بين الحياة والموت بس…
ده كمان كشفلي عن حقيقته الوسخة، وشفت وش النذالة الكامل اللي كان مخبيه ورا قناعه.الجزء الثاني:
​الساعة كانت ثلاثة الفجر لما الحجة نجوى جتلها اضطرابات شديدة في ضربات القلب. الطاقم الطبي اتدخل فوراً وقدروا يلحقوها ويعدوا مرحلة الخطر، بس اتنقلت العناية المركزة والدكاترة أكدوا إن رحلة علاجها وشفائها هتكون طويلة.
أنا بالنسبة لي، كنت عملت كل اللي أقدر عليه وأكتر.
​الساعة خمسة وتلت الصبح، حسام ظهر.
داخل يجري، قميصه مكرمش، ريحته كلها خمرة، ولابس نفس الجاكيت اللي كان لابسه في صورة الفندق.
من غير حتى ما يسلم ولا يبصلي، صرخ:
—أمي فين؟ قصد أقصد نسيبتي فين؟ أمك فين يا سماح؟
​بصيتله ببرود وسكوت تام.
—أمي مش هنا.
​كشر ووشه اتغير:
—أومال مين جوة؟
—أمك أنت.
​الدم اتمسح من وشه في ثانية، واللون هرب منه.
جري على مكتب الاستقبال يسأل عن نجوى، ولما الدكتور شرحله إن أنا اللي طلبت الإسعاف، وعملتلها الإنعاش القلبي قبل ما يجوا، وفضلت سهرانة طول الليل مستنية حد من أهاليتها ييجي، حسام رجعلي بوش وعينين عمري ما هنساهم في حياتي.
ما كانش وشه فيه ذرة امتنان ولا شكر… كان كله غل وغضب!
​—ولما هي أمي.. ما قلتيش ليه من الأول بوضوح إنها أمي أنا؟!
طلعت الموبايل من شنطتي وبصيت في عينه:
—قلتلك في مصيبة وحالة طارئة وترجيتك تيجي.. اتصلت بيك خمسطاشر مرة!
—بس أنتِ كنتِ عارفة وفاهمة إني افتكرتها أمك أنتِ!
—صح.. وكنت سامعة بردو كلامك وسمعت ردك لما افتكرت إن الست اللي بتموت هي الحاجة رضا أمي.
​في اللحظة دي دخلت أخته ليلى وهي بتنهد ولابسة هدوم السفر:
—جرى إيه لأمي؟ —صرخت بتمثيل— ليه محدش لحقها من بدري؟
​ولأول مرة من أربع سنين، ما حاولتش أدافع عن نفسي ولا أرد بكلمة.
فتحت التسجيل وسوست الموبايل.
صوت المزيكا العالية والضحك في الكافيه ملوا صالة الانتظار.. وبعدها طلع صوت حسام الواضح:
“لو أمك ماتت الليلة دي، إياكي ترني عليا تاني! مشاكلها تلزمك أنتِ، مش تلزمني أنا.”
​السكوت حل على المكان.. محدش نطق بحرف.
ليلى بصت لأخوها بذعر:
—أنت كنت فين؟
​حسام فتح بؤه يحور، بس أنا رفعت الموبايل وفي وشهم الصورة اللي دينا بعتتهالي:
—كان في الزمالك.. مع نورهان سليمان.
​ليلى عرفت البنت فوراً:
—نورهان؟ بتاعة المبيعات اللي معاك في الشركة؟
​حسام حاول يمد إيده وياخد الموبايل مني بغشم، رجعت ورا وقلت بنبرة حادة:
—إياك تلمسني!
​في الوقت ده خرج الدكتور عشان يبلغهم إن نجوى حالتها استقرت بس لسه تحت الملاحظة الدقيقة، وطلب من أودلاها يدخلوا عشان يتكلموا في تفاصيل العلاج.
أنا شلت شنطتي ومشيت.
حسام جه يجري ورايا لحد بره المستشفى:
—سماح استني! والله الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة!
​ضحكت ضحكة مكتومة وسخرية:
—أنهي جزء بالضبط اللي فاهمة غلط؟ جزء خيانتك والست اللي معاك؟ ولا الخمسطاشر مكالمة اللي طنشتهم؟ ولا دعواتك ورغبتك إن أمي تموت لمجرد إنك افتكرتها هي اللي جوة؟
​ما عرفش يترد بكلمة، ووقف لسانه معقود.
​وأنا طالعة من باب المستشفى، جالي إشعار على الموبايل من بنك مصر. كان فيه حركة سحب وتحويل من الحساب المشترك اللي حسام ماسكه: تحويل شهري بمبلغ 18 ألف جنيه لشركة عقارات وتأجير.
فتحت كشف الحسابات القديمة.. الحركة دي بتتكرر بانتظام بقالها 7 شهور!
أنا عمري ما سمعت عن اسم الشركة دي.
​الساعة ثمانية الصبح اتصلت بالبنك، ووقفت كل صلاحيات حسام ورجعت ملكية وإدارة حساباتي الشخصية ليا لوحدي. وبعدها قعدت أفتش في الإيميلات القديمة لحد ما لقيت إيصال إلكتروني حسام نسي يمسحه.
كان مكتوب في خانة البيان: “إيجار شقة 504”.
والعنوان كان في الزمالك… في نفس الشارع اللي فيه الكافيه!
​الساعة 12 الظهر، كنت قاعدة في مكتب الأستاذة جيهان، محامية شاطرة دلتني عليها زميلتي. أخدت معايا كل كشوفات الحسابات، الرسائل، تسجيل المكالمة، الصورة، وعقد ملكية شقتي في الشروق اللي شرياها من مالي الخاص قبل الجواز وبنظام فصل الذمة المالية.
​الأستاذة جيهان راجعت كل الورق والتفاصيل من غير ما تقاطعني.
في الآخر شاورت على التحويلات البنكية وقالت:
—الموضوع ده أكبر وأهم من مجرد خيانة زوجية يا مدام سماح. دي فيها تبديد واستيلاء على أموالك.. فيه فلوس من عرقك كانت بتخرج من حسابات هو بيتحكم فيها من غير علمك ولا موافقتك.
—يقدر يرجع الفلوس دي؟
—هنثبت ده بالورق ونطالب بكل مليم بالصح والقانون.
​هزيت رأسي وقلت:
—أنا مش عايزة أؤذيه ولا أهد حياته.. أنا كل اللي عايزاه حقي اللي اتسرق مني وأطلع من القرف ده.
​الأستاذة جيهان ابتسمت بهدوء:
—صدقيني، القرارات العاقلة والقانونية دي هي أكتر حاجة بتوجع وتقطم ظهر الناس اللي فاكرة إنها تقدر تسيطر وتستغل غيرها.
​في نفس اليوم بعد الظهر، طلبت نجار غيرت كوالين وقفل شقتي في الشروق، لغيت كل الكروت الإضافية، ولميت كل هدومه ومقتنياته في شنطة وسبتها عند بواب العمارة عشان يجي ياخدها.
​بس المفاجأة الكبيرة كانت لسه مستنياني…
​بعد يومين، المحامية جيهان قدرت تطلع على صورة من عقد إيجار الشقة رقم 504.
اسم حسام ما كانش مكتوب في العقد كـ “مستأجر”.
المستأجرة الأصلية للشقة كانت: نورهان!
والمقدم والمبلغ المالي الكبير اللي اتدفع في الأول خالص… كان من المكافأة السنوية (البونص) بتاعي أنا!
​في اللحظة دي بالذات، بطلت أسأل نفسي إذا كان فيه أمل أصلح أو أنقذ الجوازة دي ولا لأ.
الحاجة الوحيدة اللي كانت شاغلة تفكيري هي: يا ترى سرقوا مني إيه تاني؟ واصلين لحد فين في النذالة والتخطيط؟
​لو كنتم مكاني.. كنتم ممكن تسامحوا بعد ما تكتشفوا إن الشقة اللي متأجرة للغندورة مدفوعة من شقاكم وفلوسكم؟الجزء الأخير:
​الجمعة اللي بعدها حسام طلب يركب معايا في كافيه قريب من المستشفى. رحت وهناك الأستاذة جيهان المحامية كانت معايا، وقعدت قدامه وأنا لسه لابس معطفي ومقلعتهوش.
كان شكله يقطع القلب، باين عليه ما نامش بقاله أيام.
​—أمي لسه حالتها حرجة —قال بنبرة متكسرة—، وليلى رافضة تدفع مليم في المصاريف. ونورهان عملتلي بلوك من كل حتة. الدنيا كلها اتعكست وبقت خراب.
​الأستاذة جيهان طلعت دوسيه وتحته مجموعة أوراق حطتها على الترابيزة:
—أستاذ حسام، دي عريضة دعوى الطلاق، وطلب كشف الحسابات المالية، ودعوى رد الأموال والمبالغ اللي تم تحويلها بدون علم أو إذن المدام سماح.
​حسام حتى مبصش للمحامية، وبصلي أنا وعينيه كلها ترجي:
—سماح.. ممكن نحل كل حاجة بيننا وودياً، بلاش محاكم.
​—كان ممكن نحل حاجات كتير أوي بيننا يا حسام —رديت ببرود تام—.. لما ألغيت المصاريف اللي كنت ببعتها لأمي.. لما سبت أمك تهينها وتجرحها وتكسر بخاطرها.. لما استغليت فلوسي وشقايا وراحت لغيري.. ولما كنت في حضن ست تانية والإسعاف شايالة أمك بين الحياة والموت!
​وطى راسه في الأرض:
—أنا.. أنا كنت فاكرها أمك أنتِ!
​—وهي دي بالضبط المصيبة والأصل في المشكلة!
السكوت كتم على المكان.
—لو كنت عارف إنها أمك أنت، كنت جيت تجري وتطير.. بس عشان خيالك صورلك إنها أمي، قررت بكل قسوة ونذالة إنها تموت وما يفرقش معاك!
​ولأول مرة من يوم ما عرفته، ما لقاش عذر واحد يقوله ولا حجة يدافع بيها عن نفسه.
​قضية الطلاق والمستحقات قعدت شهور طويلة بين كشوفات حسابات من البنوك، ومواعيد، وإمضاءات، ومواجهات غلسة. بس كل ورقة كنت بوقعها كانت بترجعلي حتة من كرامتي وحياتي اللي اتسرقت.
​حسام اضطر يعترف بكل التحويلات البنكية اللي سحبها من الحساب المشترك اللي كنا بنغذيه إحنا الاتنين. اتكشف إن جزء كبير من الفلوس دي راح لإيجار شقة نورهان، وعزومات، وسفريات، وهدايا. وبموجب التسوية القانونية اللي تمت، قدرت أسترد مبلغ محترم جداً من فلوسي، وخرجت برة أي التزام أو ديون هو اتسبب فيها لنفسه.
​شقتي في الشروق فضلت ملكي ومحدش يملك فيها جنيه.
وحسام أخد هدومه ومقتنياته الشخصية فقط ومشي.
​نورهان طبعاً أنهت علاقتها بيه فوراً أول ما وصلها أول إخطار ونموذج استدعاء رسمي من المحكمة! بعدين عرفت إن حسام كان واعدها إنه هيشتريلها شقة ملكهم قريب، وكان دايماً يطمنها ويقولها: “سماح أصلاً عبيطة ومش بتبص في الحسابات ولا بتراجع ورايا.”
بس هو غلط في حاجة واحدة بس…
أنا كنت براجع وبصص في كل حاجة.
أنا بس أخدت وقت طويل عشان أصدق الخيانة النذلة اللي كانت قدام عيني.
​حتى أخته ليلى اتغيرت لما لقيت نفسها مضطرة تشيل المسئولية مع أخوها وتتاخد قرارات تخص أمها نجوى. في يوم اتصلت بيا تلومني وتزعق:
—أنتِ بتعرفي تراعيها وتهتمي بيها أكتر مننا!
—أنا اتعلمت ده لأنكم على مدار سنين رامييين كل حاجة عليا وسايبيني أشيل لوحدي.
—يعني خلاص يا سماح مش هترجعي خالص؟
—أبدو.
—بس هي بتسأل عليكِ كل ما بتفوق وتركز!
​غمضت عيني ثانية…
نجوى كانت بدأت تسترد وعيها وتبطق بكل كلمتين. وجعني قلبي بصراحة وما أقدرش أنكر.. بس إن قلبي يوجعني أو أزعل ده مش معناه إني أرجع أرمي نفسي في النار تاني.
—بتمنالها الشفاء من كل قلبي —قلت بهدوء— بس أنتم أولادها، والمسئولية مسئوليتكم أنتِ وأخوكِ.
​قفلت السكة من غير ما أحس بذرة ذنب واحدة.
والاحساس ده بالذات كان هو طعم الحرية الحقيقي.
​ومع مشوار الطلاق، حياتي بدأت تترتب وترجع في مكانها الطبيعي. رجعت أفطر مع أمي كل يوم جمعة، بطلت أخبي عنها العلاج بيكلف كام، وأخدتها بنفسي المحل واشترتلها نظارة جديدة.. ولما سألتني عن السعر ثلاث مرات، شلت التكت من العلبة ورميته.
—يا أمي، أنتِ شقيتي سنين عشان أقف على رجلي وأعرف أختار.. سيبيني بقى أختار إني أريحك وأشيلك في عيني.
​أمي عيطت، بس المرة دي ما كانتش دموع حزن، كانت دموع فرحة ورضا.
​في الشركة كمان الأمور اتغيرت للأحسن، المشروع اللي كنت ماسكاه وفر مصاريف كتير وظبط التسليمات في أكتر من فرع.. وفي ديسمبر جالي ترقية وتم تعييني مدير عام قطاع العمليات اللوجستية.
ما مدير القطاع بلغني بالخبر، افتكرت كل الليالي اللي حسام كان بيقولي فيها إن شغلي ده مجرد “تسالي ومصروف يدوب بيجيب همة” وإن مصيري في الآخر أقعد في البيت وأخدم عيلته.
وافقت على الترقية والمنصب في نفس اليوم.
​وبأول مكافأة (بونص) أخدتها بعد الترقية، أخدت أمي وسافرنا دهب. وقصاد البحر، بصتلي وقالتلي كلمة وقفتني مكان:
—أحلى حاجة يا سماح إنك بطلتي تبصي في التليفون كل خمس دقائق وأنتِ خايفة ومترقبة.
​لحد اللحظة دي، ما كنتش واخدة بالي إني فعلاً ارتحت.
​بعدها بشهور، وأنا طالعة من الشركة، لقيت حسام واقف جنب عربيتي. كان خسس جداً وشكله تعبان ومرهق.
ما قربش قوي مني.
—سماح.. محتاج أطلب منك خدمة.
—اتفضل.
—أمي محتاجة جلسات علاج طبيعي وتأهيل.. أنا بدفع كل اللي معايا تقريباً وليلى رافضة تدفع جنيه.. ممكن تسلفيني مبلغ وأنا والله هرجعهولك؟
​بصيتله لثواني طويلة.
ما حسيتش بنصر، ولا بكراهية…
حسيت بس بمسافة كبيرة أوي بيني وبينه.
​—أنت أخدت المكافأة بتاعتي ودفعتها إيجار لشقة نورهان.
—أنا عارف وإني غلطت…
—وألغيت المصاريف اللي كانت بتروح لأمي وقولت إن كل عيلة تشيل شيلتها.
​وطى راسه في الأرض:
—كنت متغبي وغضبان وقتها.
—وأنا كمان زعلت وغضبت كتير يا حسام.. بس عمري ما تمنيت أمك تموت أو استخسرت فيها حاجة.
​ضم شفايفه وسكت:
—يعني مش هتساعديني؟
—أمي نجوى أنا ساعدتها وجبتلها حقها الليلة اللي وقعت فيها قدامي.. اتصلت بالإسعاف وعملتلها إنعاش قلبي وفضلت سهرانة ليلتي أتدور على أولادها اللي رموها.. الباقي ده مسئوليتكم أنتم.
​فتحت باب العربية.
وقبل ما أركب، قال بنبرة مكسورة:
—أنا خسرت كل حاجة في لحظة غباوة.
​لفيت بصيتله:
—لا يا حسام.. أنت ما خسرتش في لحظة.. أنت خسرت بسبب قرارات كتير نذلة أخدتها على مدار سنين، والليلة دي بس أنت سمعت نتيجة القرارات دي كلها مع بعض.
​ركبت ومشيت ومابصيتش ورايا في المراية ولا مرة.
وما شفتوش تاني من اليوم ده.
​بعد فترة، عرفت من ليلى في رسالة مهذبة، إن نجوى حالتها تحسنت بقدر كافي ورجعت البيت، وإن أولادها الاثنين بقوا يتقاسموا مصاريفها ورعايتها بالتبادل. ما رديتش على الرسالة، بس حمدت ربنا إنها عايشة وبخير.
​قصتي ما خلصتش باني شفت حد مكسور قدامي..
قصتي انتهت في صباح يوم جمعة، في مطبخ شقتي في الشروق.. أمي الحاجة رضا كانت بتعمل الفطار وبتغني أغنية قديمة لوردة، وأنا واقفة بأسقي الزرع في البلكونة.
ريحة الشاي بالنعناع والمخبوزات مالي المكان.
​محدش بيفتش في حساباتي المالية.
محدش معاه مفتاح بيتي غيري.
ومحدش بيحددلي أصرف كام على أمي ولا ألبس إيه.
​أمي حطت المعلقة وبصتلي بابتسامة:
—شكل وشك مرتاح ورايق يا سماح.
​ابتسمت من قلبي:
—أنا فعلاً بقيت مرتاحة يا أمي.
​لسنين طويلة كنت بخلط بين الصبر والاستحمال وبين الحب.. فضلت مستنية حد يقدر تعبي وشقايا، لحد ما اتعلمت أقدر نفسي وأعرف قيمتها. ومن اليوم ده، ما بقيتش أستأذن حد عشان أحافظ على نفسي وعلى الناس اللي بحبهم.
​لو كنتم مكاني في الليلة دي.. وشريك حياتكم افتكر إن اللي بتموت هي أمكم وقرر بجمود ونذالة إن الموضوع ما يخصوش.. كنتم هتتصرفوا إزاي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *