مخها ذكي حصري لصفحة روايات رولا

​حصري لصفحة روايات رولا
— “على الأقل شاطرة ومخها نظيف.. التجمُّل والفلاحة عدوها،
بس يمكن الشطارة هي اللي تصرف عليها وتفتح بيتها!”
​شروق نصار افتكرت إنها سمعت غلط، لحد ما صوت أمها طالع في الميكروفون المترب وهو بيسمّع في المعرض كله.
​كنا جوه معرض أثاث العيلة على طريق الإسكندرية الصحراوي، جنب بوابات الجيزة. المكان اللي طول عمره ريحته سجاد جديد وملمع خشب، والتيكيتات بسعر الحاجة لسه محشورة تحت الكنب والمجالس. أبوي وأمي كانوا زاقين الأنتريهات للحيطة، ومعلقين يافطة قماش بيضا ومكتوب عليها بالرش الأزرق: “مبروك النجاح يا شروق”. وحاطين ترابيزة صاج عليها تورته شيكولاتة جاهزة وكوبايات بلاستيك فيها شاي بسكر زيادة.
​أمي مسكت الميكروفون بتاع المعرض اللي بننادي بيه في أوكازيون أول السنة، رفعت كوبايتها وقالت الكلمتين دول وكأنها بتباركلي!
​المكان كله انفجر بالضحك.. مش الكل ضحك، بس كفاية الناس القريبة. عيال عمي، جوز خالتي، وشوية جيران أخدوا الشارع عشان حتة التورتة البلاش. وبعدين سحبت أختي الصغيرة “سماح” جنبها، عدلت الوردة البيضا اللي في فستانها، وقالت:
— “دي بقى أخدت الحلاوة كلها.. ربنا بيعرف يوزع الأرزاق ويظبط الكفة في العيلة!”
​أبويا كان باصص في الأرض، ماسك كوباية الشاي بإيده وجامد عليها لدرجة إن عروق إيده بانت وبيضا. شوية من القرايب رفعوا الموبايلات يصوروا اللحظة. حد تسجل فيديو. وأنا واقفة تحت يافطة مكتوب عليها اسمي، والعيلة كلها بتتعامل معايا كإني إفيه أو نكتة بايخة ملهاش لازمة.
​كنت شغالة من سن 16 سنة في كافيه معروف جنب كوبري القبة، بلم الأطباق وأمسح الترابيزات، وبشيل كل قرش من التبس في ظرف أبيض مقفول بحطه تحت درفة الدولاب. في الليلة دي، دخلت المكتب الخلفي بتاع المعرض، فتحت الظرف، وعَدّيت اللي فيه: كان معايا بالضبط 355 جنيه، ورق فئات متقطعة وخمسينات وميات متجعدة.
​سحبت مفتاح البيت من ميداليتي، وحطيته جنب كارت المباركة اللي أمي ماكتبتش جواه ولا كلمة واحدة حتى!
​مشيت قبل ما التورتة تتقطع. قلت للناس طالعة الحمام، وخرجت من الباب الخلفي بتاع المخزن من ناحية الرصيف اللي بتقف فيه عربيات النقل. سبت الروب بتاع التخرج متعلق على ظهر الكرسي بتاع المكتب.
​قالوا للناس كلها إني نكدية وبكبر المواضيع.. إني حساس زيادة عن اللزوم. وفي خلال أسابيع، اسمي مابقاش يتقال على سفرة الغدا يوم الجمعة في بيت جدي في المعادي، المكان اللي أمي بتحب تروحه بعد الصلاة. اسمي بقى حاجة بيتخطوها وهي بتتكلم.
​تذكرة السوبرجيت من القاهرة لإسكندرية كانت بـ 43 جنيه. اتفضل معايا 312 جنيه، وشنطة قماش فيها بنطلونين جينز، ومافيش أي خطة في دماغي غير إني أبعد لمكان أمي ماتعرفش توصل لي فيه قبل ما الليل يخلص.
​اخترت الإسكندرية لأن بنت معايا في درس الكيمياء كانت قالت لي زمان إن في معهد فني هناك بيدي كورسات مسائية بمصاريف على قد الإيد، ومكتب شؤون الطلاب ب يردوا فيه على التليفون فعلاً. بس لما وصلت محطة محرم بك الساعة 2 بالليل، المعهد كان مقفول، وكل اللوكانداات اللي جنب المحطة كانت طالبة أكتير من 80 جنيه في الليلة، وده مبلغ ماكنتش أقدر أصرفه.
​قضيت أول ليلة تحت النيون اللي بيزن في مغسلة دراي كلين شغال 24 ساعة في شارع خالد بن الوليد، عاملة نفسي مستنية غسيل مش بتاعي، وبحط الفكة في الغسالة الفاضية عشان أبان مشغولة. الست الكبيرة اللي شغال هناك، كانت ماسكة مجلة سودوكو، وعملت نفسها مش واخدة بالها مني.
​الصبح، لقيت ورقة مكتوبة بخط الإيد ملزوقة على واجهة مطبعة تجارية قصاد الشارع. الشغلانة كانت عبارة عن تغذية الورق في الماكينات الضخمة، ولزق الاستيكرات على الصناديق، ونقل الكراتين لمخزن الأرشيف في الخلف. قلت للمشرف إن عندي خبرة في المخازن، رغم إن مؤهلي الوحيد كان إن محتاجة القرش ومطبقة 24 ساعة من غير نوم.
​شغلني في الشفت الليلي لأن محدش كان بيطيقه. المخزن ده بقى الملاذ بتاعي.. ريحته كانت كرتون وحبر وتراب، بس محدش هناك كان فارق معاه شكلي إيه. كان يفرق معاهم باجي في ميعادي ولا لأ، بعرف أقرأ بوليصة الشحن صح ولا لأ، وبحط الملفات السرية في الصناديق المتأرخة المضبوطة ولا لأ. الشغلانة دي كانت شغلانة مستخبية، بس كانت أول مكان يدفع لي فلوس عشان الدقة مش عشان شكلي.
​أجرت أوضة عند بنت اسمها “نورا”، كانت طالبت تمريض في المعهد الطبي وكان الساكنة اللي قبلها هربت من غير ما تدفع الإيجار. ماعملتليش خطبة طويلة، إديتني 7 أيام عشان أطلع نص التأمين، وحذرتني ماألمسش علبة الزبادي المتقفلة ببلاستر أزرق في التلاجة في شقتنا الصغير في منطقة العصافرة. صراحتها خليتني أثق فيها.
​في سادس ليلة ليا هناك، أمي اتصلت من رقم غريب. نورا ردت لأن كنت في الحمام.
​خرجت المطبخ وأنا حافية وشعري مبلول، يدوب لحقت أسمع أمي وهي بتقول على الميكرفون بتاع الموبايل:
— “قولي لشروق إن هروبها من البيت مش هيخلي وشها يحلو ولا يخلي الناس تطيق تبص فيه!”
​نورا مااتز هزتش.. بصت لي وقالت في التليفون ببرود:
— “هو حضرتك قاسية كده طول السنة؟ ولا الليلة دي متوصية بزيادة؟”
​أمي قفلت السكة بعد ما حذرتها إني بنت مش مضبوطة، وجاحدة، ومشهورة بإني بسرق من معرض العيلة.
​وقفت أترعش، مش لأني مصدقاها، بس لأني أخيراً سمعت هي بتعيد كتابة تاريخي إزاي قدام الغرباء بمنتهى السهولة. نورا فتحت كشكول سلك بتاع مادة الأدوية وقالت لي أكتب كل حاجة. التاريخ، الوقت، الرقم، والكلمات بالنص.
​وقالت لي كلمة عمرها ما طلعت من دماغي:
— “الناس اللي بتكذب بثقة كدة، بتعتمد دايماً إن الباقيين هينسوا التفاصيل.”
​الجملة دي غيرت حياتي.
​بدأت أشيل وأحفظ كل حاجة. كل تسجيل بصوتها على تليفوني القديم، كل جواب يجي عليه بوستة الجيزة. الصبح بدأت أحضر تدريب مجاني في إدارة الأرشيف والمستندات. وبالليل كنت شغالة وسط عقود قديمة، وفواتير، وإمضاءات، وبوالص شحن. اتعلمت إن الورق له شخصية. في ناس بتضغط على القلم وهي بتمضي، في ناس ميل الخط بتاعها بيتغير لما يخافوا. الكذبة على الورق أهدى بكتير من الكذبة اللي تتقال في الميكروفون، بس ميزة الورق إنه بيتقاس ويتكشف!
​عيلتي بعتت ثلاث جوابات في أول سنة. الأولاني بيطلبوا فيه اعتذار مني! التاني بيتحججوا إن أبويا تعبان في العناية المركزة في مستشفى القصر العيني. والتالت بيتحججوا إن أختي اتنقلت لمدرسة خاصة وإن البنت الأكابري المفروض تساعد أهلها.
​مارديتش على ولا جواب فيهم.
​على مدار 12 سنة بنيت حياة أمي ماتقدرش تحكيها أو تحورها. أخدت شهادات واعتمدت رسمي. نقلت للقاهرة واستأجرت شقة في مكان كويس، واتعلمت أدفع إيجاري يوم 1 في الشهر زي أي حد يعتمد على نفسه. وفضلت شايلا الكشكول ده والأرشيف معايا.
​لحد ما الكارت الفخم وصل..
​ورق تيل تقيل، كلام بالدهبي، واسمي مكتوب بخط رقعة مرسوم رسم:
“سماح نصار وأحمد الشناوي يتشرفون بدعوة سيادتكم لحضور حفل زفافهم في فندق شيراتون بالزمالك.”
​مافيش اعتذار، مافيش كلمة زيادة. مجرد دعوة مكتوب فيها إن ده احتفال بلم الشمل، والعيلة، والبدايات الجديدة!
​كنت عارفة إن المفروض ماأروحش. المحامي بتاعي قال لي بلاش. بس كنت قضيت 12 سنة بأثبت لنفسي إني مابقيتش البنت اللي كانت واقفة تحت يافطة التخرج دي.
​صباح يوم الفرح، لبست فستان زيتوني غامق كنت شرياه من السيل، والساعة الفضة اللي نورا إدهاتهالي لما نجحت في شهادة المراجعة والمستندات، وأخدت معايا الشنطة الجلد. جوة الشنطة كان في دوسيه أصفر واحد، مكتوب على التكت بتاعه اسمي: شروق صلاح نصار.
​الفندق كان أرضيته رخام، وشبابيك عالية على النيل، وورد أبيض في كل حته، وفرقة كمانجات بتعزف المزيكا المعتادة بتاعة الأفراح. أمي شافتني جنب الترابيزة بتاعة الاستقبال واتسمرت مكانها في نص الجملة، وبعدين لبست الوش بتاع الزبائن.
​ولما قربت أكتير ودخلت قاعة الفرح، وأنا شايلا الدوسيه ده، أحمد -العريس- شافني.
شاف الاسم المكتوب على التكت بتاع الدوسيه.
نفس الاسم اللي كان شافه من ثلاث أيام بالضبط على إخطار إيقاف المعاملات المالية المترمدة من البنك!
​وقف مكانة، بص للدوسيه، وبعدين بص لأختي بفستانها الأبيض، وبدأ يمشي بخطوات سريعة ورايح عليا علطول…
الجزء 2
​أحمد العريس كان ماشي ناحيتي ووشه مشدود زي الوتر. عينيه كانت متثبتة على الدوسيه الأصفر اللي في إيدي. نفس الاسم: “شروق صلاح نصار”.. الاسم اللي ظهرله فجأة في تقرير الاستعلام الاعتمادي من البنك الأهلي قبل الفرح بتلت أيام، ووقف بسببه القرض الاستثماري اللي كان ناوي يأسس بيه شركته الجديدة.
​الزغاريد اللي كانت مالية القاعة بدأت تهدا بالتدريج. المزيكا المليانة برستيج طفيت، و200 واحد من معازيم عيلة نصار وعيلة الشناوي بدأوا يلتفتوا برؤوسهم.
​أمي جرت من أخر القاعة وهي بتعدل عقد اللؤلؤ المزور على رقبتها، وشها اتخطف بس حاولت تضحك ضحكتها المعتادة بتاعة المعرض:
— “أحمد يا حبيبي! انت رايح فين؟ المزيكا شغال وجلسة التصوير هتعدي.. شروق اختك الكبيرة جات أهيه، كتر خيرها إنها افتكرتنا بعد 12 سنة!”
​أحمد ما بصش لأمي ولا رد عليها. وقف قدامي على بعد خطوة واحدة. كان طوله فارع ولابس بدلة عريس مفصلة بالملي، بس عينيه كان فيها ذهول وخوف مش عارف يداريه.
​بص للدوسيه اللي تحت دراعي، وبعدين بص لي في عيني وقال بصوت واطي بس كل اللي حوالينا سمعوه:
— “انتِ شروق؟ شروق نصار الشريكة المتضامنة في شركة ‘نصار وجروب للتوريدات’؟”
​أختي سماح جرت بالفستان الأبيض الشيفون، مسكت في دراع أحمد وهي بتتنفخ:
— “أحمد! في إيه؟ انت بتسألها كده ليه؟ دي شروق اختي اللي حكيتلك عنها.. اللي سابت البيت زمان وزمانها جاية تنكد علينا في يوم زي ده!”
​أحمد زق إيد سماح بالراحة من على دراعه، عينه لسه متثبتة عليا، وسأل السؤل اللي جمد الدم في عروق القاعة كلها:
— “سماح.. انتِ وأمك مضيتوا اختك على كفالة تضامنية وشيكات بـ 4 مليون جنيه باسمها عشان تفتحوا فرع المعرض الجديد وتضمنوا أجهزة الفرح بتاعتك؟”
​القاعة اتملت بسكوت مرعب.. ماكنش فاضل غير صوت تكييف الفندق الضخم وهو بيزن.
​أمي قربت وهي بتزعق ومذعورة:
— “كفالة إيه وشيكات إيه يا أحمد يا ابني! انت هتصدق الهبل ده؟ دي بت كدابة وجاية تخرب بيت اختها! دي كانت بتسرقنا زمان وهربت، واسمها مش موجود في أوراقنا اصلاً!”
​ساعتها، أنا ما زعقتش. ما رفعتش صوتي. الـ 12 سنة اللي قضيتهم وسط الورق والأرشيف والقضايا علموني إن الصوت العالي بتاع الضعفا.. والورق هو اللي بيكتم الأنفاس.
​فتحت الدوسيه الأصفر بالراحة، وسحبت منه أول ورقة.. أصل تقرير خبير البصمات والتزوير المعتمد من الطب الشرعي، ومرفق معاه العقد المزور الموثق في الشهر العقاري بالجيزة.
​بصيت لأحمد وقلت له بصوت هادي وواثق:
— “من ثلاث أسابيع، جالي إخطار على شقتي في القاهرة بإن عليا أحكام غيابية وشيكات بدون رصيد لصالح بنوك وشركات أجهزة كهربائية. لما دورت في الأرشيف وفحصت العقود بالدقة اللي اتعلمتها في شغلي، لقيت إمضتي متزورة على عقود القرض الضامن لفرع معرضهم الجديد في التجمع، وعلى شيكات تجهيز شقة الفرح بتاعتكم.”
​سماح وشها بقى زي الطماطم وصرخت:
— “كدب! دي غيرانة مني! طول عمرها غيرانة مني عشان أنا الأحلى وأنا اللي اتجوزت راجل مبسوط وهي فضلت ممرورة ولوحدها!”
​سحبت الورقة التانية من الدوسيه.. كشكول نورا السلك القديم، ومعه تسجيل صوتي مفرغ وموثق برقم المحضر.
​بصيت لسماح وقلت لها:
— “أنا مش غيرانة يا سماح.. أنا ليلة ما مشيت من 12 سنة، سبت مفتاحي وسبت حياتي عشان كنت فاكرة إن كرهكم ليا آخره كلام جريح في ميكروفون وسط الناس. بس اكتشفت إن أمك لما الدنيا ضاقت بيها في المعرض من سنتين، استغلوا إن اسمي لسه مقيد في السجل التجاري القديم بتاع العيلة، وزوروا توقيعي على شيكات وكفالة قروض بمليارات عشان يمولوا مظاهر الفشخرة بتاعتكم ويضمنوا لك جوازة نظيفة.”
​أحمد سحب التقرير من إيدي. مسك الورق وبدأ يقرأ بذهول. عينيه كانت بتتنقل بين إمضتي الحقيقية، والتزوير العبيط اللي أمي عملته وهي فاكرة إن محدش هيدور ورا واحدة هربانة من 12 سنة.
​أبويا، اللي كان واقف ورا أمي ومطأطئ رأسه كالعادة، قدم خطوة.. وشها كان دبلان وعينيه مالية دموع. بص لي وقال بصوت مكسور:
— “شروق.. يا بنتي.. إحنا كنا هنسدد القروض والله لما المعرض يشتغل.. أمك قالت مش هيجرى حاجة واسمك مش هيتأثر…”
​— “بس هي كانت عارفة إن لو التسديد اتعثر، البوليس هيجي يلبشني أنا مش هي!”
رديت عليه وأنا باصة في عينيه بكل وجع السنين.
​أحمد بص لسماح بصة عمرها ما هتنساه طول حياتها. بص للفستان الأبيض، والورد، ورمى تقرير التزوير على الترابيزة اللي فيها تورته الفرح الفخمة.
​وقالها وهو بيبعد عنها خطوتين لورا:
— “أنا كنت فاكر إني بتجوز من عيلة محترمة وناس طيبين.. طلعتوا بتسرقوا بكتكم وتلبسوها ديونكم عشان تجيبوا نجف وسجاد وتفشخروا قدام الناس؟”
​أمي جرت عليه ومسكت في إيده:
— “يا أحمد يا ابني استهدى بالله! دي مشكلة عائلية وهتحل جواه القصر.. بلاش تفضحنا قدام الناس والشناوية كبار البلد!”
​أحمد نفض إيدها بغضب هز القاعة:
— “الفضيحة مش إني ألغي الفرح.. الفضيحة إني كنت هدخل بيتي واحدة عيلتها بتزوير إمضاء اختها عشان يجهزوا بنتم! الفرح ده ملغي.. والأوراق دي بكرة الصبح هتبقى عند المحامي بتاعي.”
​قلع قلعة العريس ورماتها على الكرسي، وبص لأبوه وأمه وقالهم: “يلا بينا”. وفي ثواني، عيلة الشناوي كلها قامت من أماكنها وانسحبت من القاعة وسط صدمة وسكوت يقطع النفس من بقية المعازيم.
​سماح اترمت على الأرض بفستانها الأبيض وهي بتصرخ وبتعيط بهستيريا. وأمي وقفت زي الصنم، وشها أصفر، وعينيها رايحة وجاية بين المعازيم اللي بدأوا يتهامسوا ويلموا حاجتهم ويمشوا واحد ورا التاني.
​قربت من أمي.. وقفت قصادها بالظبط، زي ما كانت واقفة قصادي تحت يافطة النجاح زمان.
​سحبت من الدوسيه أخر ورقة.. إخطار النيابة العامة بفتح التحقيق في قض..ية التزوير والنصب، ومحضر كف يد عن أملاكي.
​حطيت الورقة في إيدها المتكتكة، وقلت لها بصوت واطي وراسي:
— “زمان في المعرض قلتي في الميكروفون إن الحلاوة فاتتني بس الشطارة هي اللي هتصرف عليا فتح بيتي.. النهاردة الشطارة دي هي اللي حميتني منكم، وهي اللي هتردلي حقي للقانون.”
​بصيت لأبويا اللي كان بيعيط بقلة حيلة، وما قلتش ولا كلمة ثانية.
​سحبت شنطتي الجلد، وحطيت الدوسيه الأصفر تحت دراعي، ومشيت بخطوات ثابته هادية بين الموائد الفاضية وبقايا الفرح المكسور.
​خرجت من باب الفندق على النيل مباشرة. الهواء الساقع ضرب في وشي، بس لأول مرة من 12 سنة حسيت إن صدري مفتوح وباتنفس بجد.
​موبايلي رن.. كانت نورا.
فتحت الخط وقالت لي بلهفة: “عملتي إيه يا شروق؟”
​ابتسمت وأنا بوقف عربية تكسي على الكورنيش، وقلت لها:
— “قفلت الحساب يا نورا.. وكتبت أخر صفحة في الكشكول.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *