لو بتحبي ابني حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
— لو بجد بتحبي ابني، خدي الظرف ده واختفي من قدامه قبل ما يرجع.
صوت “عايدة هانم” ما لَفَش ولا اترعش. زقت الظرف على الترابيزة في صالون بيتها في التجمع الخامس، وسابته قدامي كأنها بتدفع حق حاجة اشترتها. جنبي، “ياسين” ابني صاحب السبع سنين، مسك في إيدي جامد.
— إيه ده؟
— مليون و200 ألف جنيه. يكفّوكي ترجعي بيهم المحلة، تفتحي مشروعك هناك، وتبعدي عن طريقنا.
حسيت بـ ياسين بيستخبى في ضهري. أنا كنت رايحة هناك عشان عايدة ادَّعت إنها عايزه تديله شوية كتب قبل الدراسة. جوزي “شريف” كان بقاله خمس شهور في أسوان بيشرف على خط إنتاج جديد في مصنع، وكان فاضل أربع أيام على رجوعه.. أو ده اللي كنا فاكرينه.
— أنا مش ماشية في حتة —قلتلهالك بثبات— وياسين راجع معايا.
ضحكت ضحكة جافة وساقعة.
— الولد هيقعد مع أبوه. أنتِ كفاية أوي اللي عملتيه لحد دلوقتي.
دي مكنتش أول مرة. طول تسع سنين كانت بتستنى شريف يسافر عشان تتكلم على لبسي، وعيلتي، ومحل الحلويات الصغير اللي فتحته أنا وأختي في المعادي، وحتى طريقة تربيتي لـ ياسين. لكن قدام ابنها؟ كانت ملاك وست راقية جداً.
لما كنت بحاول أحكي لـ شريف، كان بيرد:
— أمي طباعها صعبة وطبقيتها متعبة أنا عارف، بس متأكديش كلام هي ممقالتوش يا ندى.
في الأول كنت بتناقش وأزعل. بعدين اتعلمت أعمل “سكرين شوت” وأشيل المستندات.
قبلها بشهر، أخصائية المدرسة كلمتني تقول إن عايدة طلبت تتسجل كشخص مأذون له ياخد ياسين “في حالات الطوارئ”. أنا ممضيتش على حاجة زي دي أبداً. لما سألتها، قالتلي دي غلطة إدارية. بعدها بأسابيع لقيت في البوسطة صورة من عقد اتفاق طلاق غير موقّع، فيه اسمي بالكامل وعنوان بيتنا القديم في المحلة. ساعتها فهمت إن الموضوع مابقاش مجرد معاملة حشة.
عايدة حطت تليفونها على الترابيزة.
— وغير الفلوس.. معايا ده كمان.
على الشاشة كان فيه شات مبرك باسمي مع واحد اسمه “رَمزي”: كلام غزل، وميعاد في أوتيل، وصورة مش واضحة ليا وأنا داخلة مطعم مع حد.
— لو ما أخدتيش الفلوس مشيتي بالذوق، شريف هيشوف كل ده. وساعتها هتطلعي برة حياته من غير مليم.
الصورة فعلاً كانت ليا. بس الشخص ده كان “هاني”، المحاسب بتاع محل أختي. الصورة اتأخذت اليوم اللي كنا بنحل فيه مشكلة الماكينة البنكية.
اللي يخوف مكنش الكدبة.. اللي يخوف كان زاوية التصوير.
كان فيه حد بيراقبني وبيمشي ورايا.
— مين اللي صور الصورة دي؟
عايدة زاحت عينها ثانية واحدة.
— مش مهم مين. المهم الشك اللي هيفضل في دماغه.
ياسين رفع رأسه وقال بطفولة:
— تيتا، ماما معندهاش أصحاب.
— العيال الصغيرين مايفهموش في الحاجات دي.
— لا أنا بفهم لما بتخلي ماما تعيط!
عايدة اتسمرت مكانها:
— ياسين، اطلع العب في الجنينة برة.
— لا مش طالع!
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبطة ورا باب المدخل.
دخل “شريف” وشايل شنطة على كتافه وشنطة سفر عليها تكت المطار. كان قدّم ميعاد طيارته لأن الشغل خلص بدري. في إيد كان ماسك علبة مشبك وشبكية، وفي الإيد التانية كورة لـ ياسين.
الكورة وقعت على الأرض.
— إيه اللي بيحصل هنا؟
ياسين جرى عليه. شريف حضنه، بس عينيه كانت معلقة على الظرف، وبعدين التليفون، وأخيراً بصلي.
عايدة لحقت نفسها الأولى:
— كويس إنك جيت في ميعادك! جه الوقت اللي تشوف فيه هانمك بتعمل إيه من وراك.
شريف بص للصورة:
— ندى.. مين ده؟
السؤال وجعني أكتر من كل إهانات أمه.
— ده هاني يا شريف. المحاسب بتاع محل أختي، أنت عارفه كويس.
شريف كشر. هو فعلاً يعرفه.
عايدة كانت عايزة تسحب التليفون بسرعة:
— فيه مسجات تانية كتير..
— سيبيني أشوفها كاملة —قالها شريف بصوت هادي ومرعب.
— ملهاش لازمة يا حبيبي..
— يا أمي سيبيني أشوف الشات!
لأول مرة، عايدة تردد.
أنا فتحت شنطتي وطلعت دوسيه أزرق كنت بجهزه بقالي أسابيع.
— قبل ما تقرأ اللي هي عايزة توريهولك.. اقرأ ده الأول.
كان فيه صور ورسائل وفواتير وتلات كشوف حسابات بنكية. وش شريف اتغير تماماً لما وصل للورقة التانية.
— إيه “شركة الفرسان للأمن والمراقبة” دي؟
عايدة اتجمدت في مكانها.
شاورْت على تحويل بنكي:
— دي شركة تحريات خاصة. أمك كانت بتدفع لهم بقالها أربع شهور.
— ليه؟
— عشان يمشوا ورايا ويصوروني.
عايدة خبطت على الترابيزة:
— الكلام ده كذب وفبركة!
طلعت ورقة تانية:
— طب فسريلي ليه في نفس يوم الصورة دي، خرج من حساب شركتك تحويل بـ 38 ألف جنيه لنفس الشركة؟
شريف قرأ خانة السبب، وبعدين بص لأمه بصة عمره ما بصها لها قبل كده.
أنا طلعت فلاشة صغيرة من الجيب الداخلي للدوسيه:
— واللي هنا أصعب من كده بكثير.
شريف مد إيده وهو مش مستوعب:
— إيه اللي على الفلاشة ده؟
— الدليل إن أمك مكنتش بس عايزانا نتطلق.. دي كانت بتخطط عشان أنت اللي ترفع عليا ق\ضية زنا وتطردني برة.
لو كنتوا مكاني وشوفتوا كل ده.. تصرفكم كان هيكون إيه؟