مش هندفعلك حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
“مش هندفعلك ولا مليم”، دا اللي قالته أمي لبنتي اللي عندها 15 سنة: “هو انتِ بجد افتكرتي إن دا شغل؟ انتِ من العيلة.”
أختي داليا ضربت بعلو صوتها ضحكة تريقة.
— يا حبيبتي يا كاميليا… يا طيبة قوي! دا أنا حتى يصعب عليا إنك جيتي عشان تطلبي فلوس.
لما وصلت البيت بعد الضهر في التجمع، مكنتش أعرّف أي حاجة عن اللي حصل.
كل اللي عرفته إن في حاجة مش مظبوطة لأن القعدة كانت ساكتة بشكل غريب.
كاميليا العادي بتاعها بتعمل الواجب وهي مشغلة مزيكا، بتتفرج على فيديوهات أو بتتكلم مع أصحابها. لكن بعد الضهر دا كانت قاعدة على الكنبة، مابتتحركش ومفتحة عينها في الحيطة. حتى الموبايل مكنش في إيدها.
— في ايه يا حبيبتي؟
— مفيش.
قالتها بسرعة زيادة عن اللزوم.
قعدت جنبيه من غير ما أضغط عليها.
خمس دقايق وبعدها ابتدت تعيط.
— تيتا بتقول إنهم مش هيدفعولي حاجة.
حسيت بقلبي اتجمد في صدري.
على مدار أربع أسابيع، كاميليا كانت بتشتغل في المطعم بتاع داليا، مشروع عائلي صغير كان بابا وماما ساعدوها يفتحوه في مدينة نصر.
مش راحت “تساعد” عصريتين كده وخلاص.
دا كان ليها مواعيد وشغل مظبوط.
بتنزل ست ساعات في اليوم، ترتب الترابيزات، تنضف، تساعد في الأوردرات، ولما كان الشغل بيبقى فيه نقص في العمال، كانت بتقعد لحد ما يقفلوا.
داليا كانت قايلا لها إنها هتاخد سبعين جنيه في الساعة.
كاميليا كانت بتحوش عشان في رحلة كانت نفسها تطلعها بمناسبة عيد ميلادها الـ15.
— يعني ايه مش هيدفعولك؟
كاميليا مسحت دموعها.
— الأسبوع اللي فات سألت وقالولي بعدين. إمبارح سألت تاني. والنهارده رحت لتيتا عشان الشهر خلاص خلص… اتريقوا عليا وضحكوا.
— ضحكوا؟
هزت رأسها بـ “اه”.
— تيتا قالت إن الشغل مع العيلة ملهوش فلوس. وداليا قالت إن شغلي أصلاً مكنش قد كده وإن المفروض أشكرهم على الخبرة اللي أخدتها.
دا كان أكتر شغلانة وجعتها.
مش الفلوس.
الكسرة والاهانة.
كاميليا كانت بتيجي كل يوم فرحانة وفخورة، بتحكيلي إنها اتعلمت تتعامل مع الزباين، وتنظم الطلبات، وتنضف بسرعة لما الصالة تتقفل.
وفي 30 ثانية بس، أمي وأختي خلوها تحس بالعار من كل دا.
مسكت موبايلي.
— أنا هكلم تيتتك.
— ماما…
— مش هزعق.
طلبت الرقم.
أمي ردت ببرود وبمنتهى الهدوء.
— أيوة يا فريدة؟
— كاميليا بتقول إنكم مش عايزين تدفعلوا حقها.
حصلت سكتة.
وبعدها سمعت ضحكة مكتومة.
— أه، حكتلك بقى.
— يعني الكلام دا بجد؟
— طبعاً. إحنا مش مديونين ليها بحاجة.
بصيت لكاميليا.
— انتوا وعدتوها بسبعين جنيه في الساعة.
— يا فريدة كبري عقلك. دي كانت طريقة عشان نشجعها بس. دي حفيدتنا وكانت بتساعد.
— كان ليها مواعيد شغل رسمية!
— وأخدت خبرة.
— اشتغلت شهر كامل!
أمي اتنهدت بزهق.
— وبعدين بصراحة يعني، شغلها مكنش قد كده. لو كنا هنأجر حد بجد، كنا اخترنا حد تاني خالص.
شفت كاميليا وهي بتوطي رأسها في الأرض.
وساعتها أمي كملت وقالت:
— ونحن ممضيناش معاها أي عقد. فقوليلي بقى، ناوية تعملي ايه؟
مردتش.
قفلت السكة.
خدت بنتي في حضني وهي بتعيط على كتفي.
— انتِ معملتيش أي حاجة غلط —قلتلها—. انتِ تعبتِ واشتغلتي. هما اللي عملوا عيب وحرام.
بالليل، لما كاميليا دخلت أوضتها، خرجتلي تاني ومعاها الموبايل.
— ماما، عاوزة أوريكي حاجة.
فتحت الواتساب.
كان فيه رسائل شات بقالها أسابيع.
”كاميليا، تعالي بكرة الساعة 12.”
”اقعدي لحد الساعة 7.”
”محتاجينك تيجي يوم السبت.”
وبعدين ظهرت الرسالة اللي غيرت كل حاجة:
”هندفعلِك 70 جنيه في الساعة ونديكي فلوسك كلها على بعض أول ما الشهر يخلص.”
وتحتها كانت أسئلة كاميليا بعد كده.
”هتحولولي الفلوس امتى؟”
”بعدين.”
”الأسبوع الجاي.”
”على آخر الشهر.”
أخدت سكرين شوت لكل دا بإذنها.
على حسب ساعاتها، كانوا مديونين ليها بأكتر من عشرة آلاف جنيه.
بس الحكاية مكنتش حكاية فلوس خلاص.
قعدت قدام اللاب توب، جمعت الرسائل، المواعيد، وبينات المطعم.
ما كلمتش داليا.
ولا جمعت قعدة عيلة.
ولا تناقشت ولا اتخانقت.
قدمت بلاغ وشكوى رسمية في مكتب العمل وأرفقت معاها كل الإثباتات والدلائل.
وبعدها بعتت رسالة واحدة بس لأمي:
”كل حاجة متوثقة واتقدمت رسمي خلاص.”
تاني يوم الصبح، الموبايل بدأ يرن قبل الساعة سبعة.
كانت هي.
رديت.
— فريدة —قالتها وهي بتنهج ومش قادرة تاخد نفسها—. قوليلي إنك معملتيش اللي في بالي.
ولأول مرة من سنين طويلة، أمي مكنتش بتتكلم بتكبر ولا بأسلوبها المغرور.
كان صوتها مرعوب.
مكنتش مصدقة ايه اللي على وشك إنه يحصل…
الجزء 2
— اسحبي البلاغ دا النهاردة فوراً —أمي أمرتني—. الحاجات دي بتتحل بين العيلة وبعضها.
— ودفع فلوس كاميليا كان ممكن برضو يتحل بين العيلة وبعضها.
— انتِ كده بتهدّي وبترمي مطعم أختك في داهية!
— داليا هي اللي رمت المطعم في داهية لما قررت مادتفعلهاش حقها.
أمي حاولت تغير طريقتها ومعاملتها.
في الأول كانت بتتكلم بالراحة وحنية.
بعدها بقسوة وتأنيب ضمير.
وفي الآخر بتهديد واضح.
— ممكن نديلها حاجة —قالت—. مش المبلغ كله طبعاً، بس مبلغ يعني معقول ورضا.
— هتدفعلها اللي اتفقتوا عليه بالمليم.
— متبقيش عبيطة ومُصرة على العند!
قفلت السكة في وشها.
تاني يوم الصبح، لقيتها هي وداليا واقفين قدام باب بيتي.
داليا ربعت إيدها أول ما فتحت البلاط.
— انتِ بجد اشتكيتِ أختك وعملتي فيها بلاغ؟
— أنا اشتكيت إن في شغل اتعمل وما اتدفعش حقه.
أمي بصت حواليها في الطرقة، خايفة من الجيران.
— وطي صوتك.
كنت هضحك من التريقة.