هتغوري حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
— “الولد هيقعد هنا. أنتِ اللي هتغوري.”
سلمى حسّت إن رجلها مش شايلاها والرؤية بتغشش قدام عينها.
كان عدى تمان أيام بس من ساعة ما ولدت سيف. كانت لسة بتمشي بالعافية، وجسمها كله بيوجعها كل ما تقوم من مكانها، بس في اللحظة دي مكنتش شايفه قدامها غير ثريا، حماتها، وهي شايلا الولد وضمّاه لصدرها بكل قوتها.
— “هاتيه يا طنط.. الولد جعان.”
ثريا رجعت خطوة لورا ووشها مفيش فيه أي رحمة:
— “أنا لسة مأكلاه. أنتِ أصلك مابتفرقيش بين الجوع والعنان والزن.. مش فاهمة حاجة.”
— “أنا أمه!”
— “وأنا ربيت راجل طول بعرض! أنتِ يادوب بقالك تمان أيام أم.. متعمليش فيها فاهمة.”
طول الأسبوع الأولاني، سلمى كانت بتحاول تقنع نفسها إن ثريا بتساعدها ونيتها طيبة. طارق، جوزها، اضطر يسافر فجأة للشيخ زايد عشان في مشكلة كبيرة في فرع الشركة هناك، وثريا أصرت وركبت رأسها إن سلمى تقضي فترة النفاس عندها في شقتها اللي في مصر الجديدة.
— “تعالي عندي هنا عشان ترتاحي وتخفي بسرعة.. أنا هشيل عنك كل حاجة.”
وبالفعل.. شالت كل حاجة، وأكثر من اللازم كمان.
لو سلمى جربت تغير للحفاضة، ثريا تتنطط وتعدل عليها. لو شالت سيف أكتر من عشر دقايق، تتسحبه من إيدها بالعافية. لو الولد عيط في نص الليل، تفتح الباب وتدخل من غير ما تخبط وتشياله قبل ما سلمى تمد إيدها حتى.
وكانت ديماً بتقول نفس الجملة السمجة:
— “ارتاحي أنتِ بس.. أنا عارفة بصرف ازاي.”
بس الصبحية دي، سلمى اكتشفت إن الموضوع مش مجرد حنية زيادية ولا جدعنة.. الموضوع كان متخططله صح.
على ترابيزة السفيرة، كانت محطوطة دوسيه أبيض مكتوب عليه ببنط عريض: خطط سيف — أول ست شهور.
جوه الدوسيه كان فيه مواعيد متستفة بالأكل، والنوم، والاستحمام، وأسماء سنتين دادات ثريا قابلتهم بنفسها، واستمارة تقديم في حضانة خاصة في التجمع. وفي آخر صفحة، كانت مكتوبة جملة بخط إيد ثريا وبقلم جاف أزرق:
«سلمى ترجع الشغل في الشركة: 3 نوفمبر.»
سلمى اتسمرت مكانها والدم اتجمد في عروقها.
هي نفسها مكنتش لسة قررت هي هترجع شغلها إمتى ولا حتى اتكلمت في الموضوع!
— “إيه ده يا طنط؟”
ثريا ردت ببرود وهي بتقلب في تليفونها:
— “دي خطة عشان ننجز.”
— “وهو مين طلب منك تقرري أنا هرجع شغلي إمتى؟!”
— “أنا عارفة دماغك وعارفة إنك مش هتقعدي في البيت كتير وست متعودة على النزول.”
— “دي حاجة أقررها أنا وطارق مع بعض.. مش حد تاني!”
ثريا ضحكت ضحكة ميتة وباردة:
— “طارق وراه شركة ومشاكل ومسؤوليات للركب.. لازم حد في العيلة دي يفكر بدماغ صاحية ورأس باردة.”
في اللحظة دي سيف بدأ يفرك ويعيط بصوت واطي.
سلمى مدت إيدها وقلبها بياكلها:
— “هاتيه يا طنط.”
— “ادخلي نامي وارتاحي.”
— “هاتيه يا ثريا هانم.”
دي كانت أول مرة في حياتها تناديها باسمها الحاف من غير “يا طنط”.
ثريا برقت وعينها اتسعت:
— “أنتِ بتكلميني إزاي كده؟!”
— “بكلمك كأم بتطلب تاخد ابنها في حضنها!”
— “أنتِ محدش يعلي صوته عليا ولا يدي أوامر في بيتي!”
— “أنا مابديش أوامر في بيتك! أنا بتكلم عن ابني.. ابني أنا!”
ثريا جزت على سنانها وشفايفها اترعشت من الغيظ:
— “الولد ده شايل دمي وعيلتي أنا كمان!”
— “أنا معترضتش! بس المشكلة إنك قررتِ من دماغك هو هيعيش إزاي، ومين هيؤكله، ومين هيربيه، وأنا هرجع شغلي إمتى!”
— “بصي لنفسك في المراية! أنتِ يادوب قادرة تقفي على حيلك.. وجاية دلوقتي تعملي فيها السيدة المعظمة وتديري البيت؟”
— “أنا ممكن أكون تعبانة ومحتاجة مساعدة، بس ده مبيخلنيش أقل أمومة ولا يلغي إن ده ابني!”
ثريا بصلتها بقرَف من فوق لتحت:
— “أنتِ مش بتفكري بعقل ومخك مخبّط من الولادة.”
سلمى وقفت مكانها مش قادرة تتنفس.. شهور وسنين من المواقف الصغيرة واللؤم جُم قدام عينها دفعة واحدة: ثريا لما طلبت نسخة من مفتاح شقتهم في المعادي؛ لما غيرت سرير البيبي اللي سلمى قعدت شهور تنقيه وعملت فيها مفاجأة؛ لما أعلنت قدام العيلة كلها في عزومة إنها هي اللي هتربي الولد لما سلمى ترجع شغلها.. وفي كل مرة كان طارق بيعدي ويقول: “معلش يا سلمى، دي أمي.. هبقى أكلمها بعدين.”
وبعدين دي مكنتش بتيجي أبدًا.
سلمى مدت إيدها تاني وثبتت نظرتها:
— “هاتي سيف.”
— “لا.”
صوت عياط البيبي علي وفضل يصرخ.
سلمى حركت خطوة لقدام بتلقائية أم.
ثريا راحت راجعة لورا بالسيف وضمته أكتر.
الحركة البسيطة دي كانت بالنسبة لسلمى ألعن وأبشع من أي شتيمة أو إهانة سمعتها في حياتها.
— “أوعي تبعدي عني بابني!”
— “ما تعليش صوتك عليا يا بت أنتِ!”
— “أنا بتكلم بأهدى ما عندي.. سلميني الولد!”
سلمى طلعت التليفون إيدها بترعش:
— “أنا هكلم طارق حالا.”
وش ثريا اتغير لحظة، ونبرتها بقت أشرس:
— “أوعي تشغليه وتوجعي دماغه بتفاهاتك دي!”
— “إنك تمنعيني أخد ابني في حضني دي بالنسبة لك تفاهة؟!”
— “عرفتِ إيه؟ طالما كل حاجة بعملها عشانكم بتشوفوها قلة أدب واعتداء.. يبقى اتفضلي مع السلامة! معنديش حريم تقف تقاوح معايا.”
سلمى اتصدمت وما صدقتش اللي بتسمعه:
— “أنتِ بتطرديني؟”
— “روحي شقتك في المعادي، روحي لأمك في المقطم.. روحي في ستين داهية مطرح ما يعجبك!”
— “أنا ماشية.. بس سيف معايا.”
ثريا ردت من غير ما ترمش حتى:
— “الولد هيقعد هنا. أنتِ اللي هتغوري.”
صوت عياط سيف بقى مالك الشقة كلها.
— “أنتِ بتقولي إيه؟! أنتِ اتجننتِ؟”
— “أنتِ تعبانة ومخك مش فيكِ ومقشورة.. لما تعقلي وتبقي كويسة ابقي تعالى اتكلمي.”
سلمى حسّت إن الدم حِرِق في عروقها ووشها اصفرّ زي الميتين:
— “أنا مش هطلع من باب الشقة دي من غير ابني!”
ثريا راحت فتحت دولاب الجزامة والشنط اللي في الصالة، طلعت شنطة سفر سلمى، وبقت تفتح الدولاب وتحدف فيها هدوم سلمى بعشوائية وغضب.
— “أنتِ بتعملي إيه؟!”
— “بسهّلها عليكِ عشان تنجزي وتغوري!”
— “أنا مأخدتش قرار إني أمشي! أنتِ اللي بتطرديني بالقوة!”
— “إياكِ أسمعك بتقولي طردتني! أنا هقول لطارق إنك جالك هبل وجنان بعد الولادة وسبتِ البيت ومشيتِ وعايزة ترمي الولد!”
الكلام ده رعب سلمى أكتر من الجأر والعياط.
الموضوع مش بس إنهم بياخدوا منها ابنها أو سلطتها كأم.. دول ممكن كمان يقلبوا الحقيقة ويخلوا شكلها هي اللي مجنونة ورمت ابنها!
بسرعة ومن غير ما ثريا تلاحظ، سلمى دست إيدها في جيب الروب، شغلت برنامج التسجيل الصوتي في الموبايل، وسبته يسجل كل كلمة.
ثريا رفعت سماعة الإنتركم وطلبت البواب:
— “عم أحمد.. اطلع خد الشنطة دي نزّلها تحت في المدخل.”
لما الراجل طلع ووشه باين عليه الحرج، سلمى بصتله ودموعها في عينها:
— “يا عم أحمد.. خلك فاكر وشاهد إني لم ألمس الشنطة دي ولا أنا اللي جهزتها.”
ثريا فتحت باب الشقة على آخره وقالت ببرود:
— “اتفضلي برة.”