هتغوري حصري لصفحة روايات رولا
طارق بص لسلمى ومتردد.. سلمى أخدت منه السماعة وقالت بوضوح وثبات:
— “يا طنط ثريا.. لو فتحنا الباب النهاردة وكإن مفيش حاجة اتغيرت، هنرجع لنفس نقطة الصفر.. لو حابة تشوفي سيف، اطلبي الأول وشوفي الميعاد المناسب لينا إمتى.”
ثريا مشيت من تحت وهي بتغل وبتتحسبن.
عدى ثلاث أسابيع كاملين مفيش أي حس ولا خبر.. لحد ما في يوم، جيه مسدج على موبايل سلمى:
«هل ينفع أجي يوم السبت أشوف سيف؟»
لأول مرة في حياتها.. ثريا مكنتش بتدي أمر ولا بتفرض رأيها.. كانت بتستأذن.
لو كنتِ مكان سلمى.. كنتِ ه تفتحي الباب وتسدقي إنها اتعلمت الدرس، ولا شايفين إن الوقت لسة بدري وعايزة وقت أطول؟
سلمى ما ردتش في ساعتها. مكنتش عايزة تخلط بين إن السؤال اتسأل بصيغة صح، وبين إن كده حصل صلح خلاص. استنت لما سيف نام، وراحت ورّت المسدج لطارق.
— “عايزة تعملي إيه؟” طارق سألها.
سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت له:
— “زمان كنت هتطلع تقول لي على طول أنت شايف المفروض نعمل إيه.”
— “أنا باتمرن أهو إني أسمعك الأول.”
سلمى بصت للموبايل تاني وقالت:
— “أنا عايزاها تيجي. بس مش عشان كل حاجة اتغفرت وخلاص.. أنا عايزة أشوف هل هي هتقدر تدخل بيتي من غير ما تسيطر وتفرش فيه من جديد ولا لا.”
يوم السبت الساعة أربعة بالضبط، ثريا كانت واصلة. مكنش معاها غير علبة حلوى صغيرة وشنطة بسيطة.
لما طارق فتح الباب، هي فضلت واقفة برة ما دخلتش تلقائي زي عوائدها.
— “ينفع أدخل؟”
— “اتفضلي يا أمي.”
أول ما ثريا شافت سيف، فتحت دراعاتها بتلقائية جدة، بس فجأة فرملت ووقفت مكانها. بصت لسلمى وقالت بصوت واطي:
— “سلمى… ينفع أشيله؟”
في اللحظة دي، طرقة الشقة القديمة بتاعة مصر الجديدة رجعت قدام عين سلمى في ثانية: رجليها الحافية، الشنطة اللي نزلت الريسبشن، وعياط سيف من ورا دراعات ست تانية.. حسّت بخوف مكتوم، بس المرة دي القرار كان قرارها هي.
— “أيوا يا طنط.. اتفضلي شيليه.”
ثريا أخدت الولد بحذر شديد. ما قعدتش تعدل هدومه ولا تفتش فيها، ولا سألت على مواعيد أكله. ولما سيف بدأ يفرك وجسمه يميل ناحية سلمى، راحت مديّاه لأمه على طول من غير ما تماطل.
محدش اتكلم، بس الحركة البسيطة دي كانت بالنسبة لسلمى أوقع وأصدق من مية اعتذار معسول.
على الغدا، ثريا سألت بهدوء:
— “لسة ناوية ترجعي شغل الشركة يا سلمى؟”
— “الأسبوع الجاي هبدأ أنزل ثلاثة أيام في الأسبوع.”
ثريا ضمّت شفايفها، وكإن فيه رأي قديم كان هيطلع من بقها بالعافية، بس مسكت نفسها:
— “لقيتوا نظام مناسب للموضوع ده؟”
— “أيوا تظبطنا خلاص.”
— “تمام… لو احتاجتوني في أي وقت أساعدكم، قولولي.”
ما قالتش “أنا هشيل”.. ما قالتش “سيبوهولي”.. هي سألت واقترحت بس.
بعد القهوة، ثريا حطت الفنجان على الترابيزة وبصت لسلمى:
— “سلمى.. أنا محتاجة أقولك حاجة.”
سلمى بصت لها وسكتت.
— “في اليوم ده، أنا قلت لك إن البيت محتاج الولد ومش محتاج قرفك ومشاكلك.. قلت لك امشي وما رضيتش أديكي سيف.. وفكرت كمان أقول لطارق إنك أنتِ اللي سبتيه ومشيتِ.”
سلمى ثبتت نظرتها:
— “حصل.”
ثريا وّت رأسها للأرض وقالت بصوت مكسور:
— “اللي عملته ده كان غلط.. وكان قذارة مني.”
ما حطتش بعد الجملة دي كلمة “بس” ولا بررت.
— “طول العمر كنت بأقنع نفسي إني بعمل كل حاجة عشان مصلحة طارق وسيف.. بس الشهور اللي فاتت دي فهمتني حاجة مكنتش حابة أعترف بيها لنفسي.. أنا كنت محتاجة أحس إني لسة مهمة وليا لازمة. لما طارق اتجوز، الشقة فضيت عليا.. ولما عرفت إن فيه نونو جاي، تخيلت إني هرجع أمارس دور محدش يقدر ياخده مني.”
طارق أخد نفس عميق ومسك إيد أمه.
— “أنا خلطت بين المساعدة وبين السيطرة.. ولما أنتِ حطيتِ حدود يا سلمى، حسيت إنك بتسرقي مني حاجة عمرها ما كانت ملكي من الأصل.”
سلمى ردت بنبرة هادية بس صارمة:
— “أنا لسة مش قادرة أنسى إنك طردتيني برة الباب وابني جوه.”
— “أنا مش بطلب منك تنسي.”
— “ولا بطلب نرجع زي زمان.”
ثريا هزت رأسها بالنافي:
— “يمكن (زي زمان) ده هو أصل المشكلة من الأول.”
عين سلمى دمعت:
— “لو حضرتك فعلاً عايزة تفضلي موجودة في حياة سيف، أنا كمان عايزة أحاول.. بس أنا محتاجة أشوف التغيير ده كتير، مش النهاردة بس.”
— “أنا فاهمة ده كويس.”
مفيش حضن حصل، ومكنش فيه داعي لحضن مزيف.
الأسابيع اللي بعد كده أثبتت إن الكلام ده مكنش مجرد مسكنات. ثريا بقت تتصل تستأذن قبل ما تيجوا تزورهم. ولما تكون عايزة تقول نصيحة، بقت تبدأ بـ: “تحبوا أقولكم على حاجة نفعاني زمان؟”.. ساعات سلمى كانت بتقول لها ماشي، وساعات بتقول لها مش وقتها يا طنط.. وثريا اتعلمت تتقبل الردين بشياكة.
طارق هو كمان كان بيتعلم. في يوم جمعة رجع هلكان من الشغل، لقى سلمى بقالها عشر ساعات لوحدها مع سيف وطاقتها خلصت.
— “أنتِ كويسة؟”
الرد التلقائي بتاع سلمى كان هيطلع “اه تمام”، بس وقفت وقالت:
— “لا.. أنا جايبة أواخر ومش قادرة. محتاجة ساعة لوحدي أتنفس.”
طارق حط المفاتيح وقال:
— “سيبيهولي أنا هشيله.”
ما رفعش السماعة على أمه ولا استسهل.. دخل حمّم البيبي بنفسه، وغير له، وتصرف. سلمى فهمت إن التغيير مش إن طارق بقى راجل خارق، بس إنه مبقاش بيهرب أو يرمي الحمل على أمه لما المحسوبية تزنق.
رجعت سلمى الشغل بالتدريج. اختارت هي وطارق حضانة كويسة وقسموا المواعيد. ثريا كانت بتاخد سيف عندها في أيام معينة وباتفاق مسبق بس.
أول مرة سلمى سابت سيف مع ثريا ورجعت تاخده، كانت راجعة مشدودة وأعصابها تعبانة. ثريا سلمتها الولد وسلمتها ورقة صغيرة مكتوب فيها:
«أكل الساعة وحدة وعشرة. نام أربعين دقيقة. وضحك بصوت عالي لما عطست قدامه.»
بس كده! مفيش خطط للأسبوع الجاي، ولا تعليمات، ولا تنظير على شغل سلمى.
— “تحبوا أجي الخميس؟” ثريا سألت.
سلمى بصت في النتيجة: “هنراجع جدولنا وبكرة نأكد عليكِ يا طنط.”
— “تمام يا حبيبتي.”
بعد كام شهر، في عزومة عائلية، واحدة من قرايبهم قالت بضحك ولؤم:
— “إيه يا ثريا.. ده أنتِ زمان كان يبان إن الولد ده ابنك أنتِ مش ابن سلمى!”
السفرة كلها سكتت والناس اتوترت.
ثريا بصت لسلمى وقالت بثبات قدام الكل:
— “صح.. ودي كانت أكبر غلطة عملتها في حياتي.”
ما حاولتش تقلب الموضوع ضحك ولا تهرب.
سلمى ساعتها فهمت إن تصليح الغلط مش معناه مسح اللي فات، بس معناه إنك تبطل تدافع عن الغلط.
لما سيف كمل تسع شهور، سلمى كانت نازلة الصبح على شغلها. وقفت عند الباب وحضنت الولد زيادة عن اللزوم.
طارق ابتسم: “هتتأخري كده.”
— “عارفة.. بس صعبان عليا أسيبه وأمشي.”
— “لو عايزة تقعدي النهاردة اقعدي.”
— “لا.. أنا عايزة أنزل.”
سلمت سيف لطارق وهي مطمنة. محدش خطفه من إيدها، محدش قرر ترجع إمتى، ومحدش استغل شغلها عشان يقيم هي أم حلوة ولا وحشة.
أبواب الأسانسير اتفلتت، وسلمى افتكرت باب تاني، وصباح تاني، وشنطة سفر بتنزل من غير إذنها. المرة دي هي نازلة بإرادتها وتفكيرها.. وعارفة إن رجوعها كمان هيكون باختيارها.
بالليل طارق استقبلها وسيف على إيده: “بصي مين جه!”
الولد مد إيده لأمه، وطارق سلّمهولها بمنتهى السلاسة.
سلمى دمعت من كتر ما الحركة كانت طبيعية وبسيطة.
السبت اللي بعده ثريا جأت في ميعادها. بصت لسيف وقالت: “ينفع أشيله؟”
— ” أكيد.”
شالته شوية، ولما سيف بص لسلمى، ثريا ما عاندتش وقالت له: “روحي لماما يلا”.. ورجعتهولها.
محدش كسب حرب.. وده كان هو الفوز الحقيقي.
ثريا فضلت جدة، طارق فضل ابن، وسلمى فضلت زوجة وست عاملة وأم لسيف من غير ما تضطر تسبت ده لحد أو تخوض حرب كل يوم.
بعد ما ثريا مشيت، سلمى لقت طارق بيلم اللعب مع سيف.
— “إحنا قطعنا شوط كبير قوي.”
طارق ابتسم: “في أقل من سنة!”
— “أنا مبتكلمش عن الوقت يا طارق.”
طارق فهم قصدها.
سلمى بصت لسيف وهو نايم وافتكرت الجملة اللي كسرتها زمان: “البيت محتاج الولد مش محتاجك أنتِ”.
دلوقتي هي عرفت حاجة مكنتش قادرة تصيغها بكلمات ساعتها:
العيلة مش مكان الحب فيه بيديك رخصة تاخد مكان حد تاني.. ولا هي دين بيجبر الهادي والساكت إنه يتنازل طول العمر.
العيلة هي المكان اللي كل واحد فيه يقدر يحب ويكبر… من غير ما يختفي أو يتلغي.
وهي المكان اللي حتى الباب المقفول فيه يقدر يتفتح تاني… بشرط إن اللي راجع يتعلم يخبط الأول.
لو كنتِ مكان سلمى.. كنتِ هترضي تفتحي الباب وتعدي بعد ما ثريا أثبتت تغيير حقيقي، ولا فيه كلام وتصرفات لو اتقالت صعب تتنسي وتتسامح؟